تناولت الصحف الأجنبية بإسهاب على مدى الأيام القليلة الماضية، الأزمة التي عصفت بالأسواق المالية، والانهيار الذي أصاب «بيرستيرز» بنك الاستثمار في الولايات المتحدة، الذي هب البنك الاحتياطي الأميركي لنجدته، ومن ثم بيعه إلى جي بي مورجان تشيس بسعر دولارين للسهم الواحد. وقالت صحيفة هيرالدتريبيون، ان عملية بيع البنك بثلث السعر الذي طرح فيه للاكتتاب العام عام 1985.
إنما تمثل انهيار واحدة من أْعرق الشركات العاملة في وول ستريت التي صمدت في وجه الأزمات السوقية على مدى 85 عاماً، وتجاوزت «الكساد الأكبر» وكثير من عشرات الركود ليلقي أخيراً نهايته، في أزمة الائتمان التي أطلت برأسها سريعاً، لتصيب الاقتصاد الأميركي في مقتل، وأضافت الصحيفة، ان الخبر وقع وقوع الصاعقة على وول ستريت ونقلت عن «رون جيفنر»، الشريك في «ساديس آند جولوبيرغ».
ومحامي التنفيذ السابق في لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، قوله ان الأمر أشبه بما يكون، بمن استيقظ صيفاً، ليجد الأرض مغطاة بالثلوج مضيفا بأن «السعر يشير إلى ان المشاكل كانت أكبر بكثير في «بير»، مما تصوره العملاء والجمهور».
ومما عكس فداحة الأزمة التي نالت من هيبة «بيرستيرنز»، موافقة «جي بي مورجان»، على دفع 270 مليون دولار فقط، على صورة أسهم في الشركة، التي ابتليت بخسائر جسيمة في استثمارات مرتبطة بالرهن العقاري، وهذا يمثل دولارين فقط للسهم، لشراء «بير» برمتها أي بأقل من عشر القيمة السوقية للشركة يومذاك.
وكانت أسهمها تباع منذ عام ب 170 دولاراً للسهم، وتتضمن صفقة البيع المبنى الرئيسي لـ «بيرستيرز» في ماديسون آفنيو، في نيويورك، وقالت الصحيفة، إن بيع البنك إلى جي بي مورجان، أصاب موظفي البنك الواقع في وول ستريت بالذهول. فقد وصل هؤلاء إلى مكاتبهم، وقد وجدوا قيمة شركتهم في الحضيض، ووظائفهم في مهب الريح.
وكان البعض منهم تسلم بالفعل إنذاراً بالفصل لكن النظرة القاتمة، سرعان ما انتشرت انتشار النار في الهشيم، لتحصد 10 في المئة من قيمة أسهم بعض البنوك الأوروبية بما فيها يو بي اس صس في سويسرا، وبدس في بريطانيا، وسوسيتيه جنرال في فرنسا، ولم يكن نصيب آسيا أوفر حظاً، فقد تراجعت الأسهم في بعض البنوك اليابانية الكبرى.
حيث انخفضت أسهم «ميتسوبيشي يو اف جي فاينانشيال جروب» وميتزهو فاينانشيال جروب، بنسبة 3 في المئة، وقالت صحيفة هيرالد تربيون، ان سقوط بيرستيزنز يظهر مدى السرعة التي تتطلب فيها الأمور في وول ستريت أما الحدث الابرز، خلال تلك المعمعة فكان غياب الثقة أو انعدامها، والذي كشف عمق الأزمة في النظام البنكي العالمي.
وتلك الثقة التي هي عماد النظام المالي، تضعضعت، وسط شائعات انتشرت في أنحاء العالم، عمن سيكون عليه الدور بين البنوك، أو الوسطاء الماليين أو الصناديق التحوطية في السقوط فقد كان «يو بي اس»، البنك السويسري، الأكثر تضرراً من الأزمة.
مما اضطره لدحض الشائعات التي تحدثت عن سعيه للبحث عن رأسمال جديد، لتعويض خسائره، فيما نفى «ليهام براذرز» العملاق المصرفي الأميركي الأنباء التي تحدثت عن شح السيولة لديه وفي الجانب الآخر، استفحلت عملية بيع أسهم بنوك أوروبية أخرى.
فيما تضررت شركات مالية أخرى. فقد انخفضت أسهم ام اف جلوبال، أكبر الوسطاء الحاليين في الخيارات وعقود العملات الآجلة، 80 في المئة في تعاملات نيويورك، وسط تكهنات بأن العملاء يتراكضون على سحب أموالهم. في حين أعلنت الشركة أن التمويلات لديها كافية.
ومن جهة أخرى شهدت الأسهم الآسيوية أسبوعاً من التقلبات مع ازدياد المخاوف، من سقوط ضحايا آخرين، في اعقاب بيع «بيرستيرز»، المجحف إلى جي بي مورجان تشيس، إلا أنها استردت شيئاً من نشاطها، بعد خفض البنك الاتحادي الفيدرالي لسعر الفائدة.
والنتائج التي فاقت التوقعات في كل من جولدمان ساكس وليهام براذرز، أما الأسهم في استراليا وهونغ كونغ فقد تراجعت بنسبة زادت عن 3 في المئة، الأسبوع عينه، مع انخفاض أسهم شركات مصادر مثل بي اتش بي بيلتون، ولتيروتشاينا.
وشهدت الأسهم في سنغافورة انخفاضاً أكثر رغم أن الأسواق في الصين كسبت 5. 1 في المئة إثر انتعاشه تقنية من خسائر أخيرة جسيمة. وفي تايوان كسبت الأسهم 9. 1 في المئة وسط آمال بعلاقات أفضل مع الصين بعد انتخاب رئيس جديد للبلاد.
وفي خطوة نادرة لتبديد مخاوف المستثمرين، أجرت السلطات المالية البريطانية تحقيقاً حول سلسلة من الشائعات التي لا أساس لها من الصحة يوم الأربعاء الماضي، أدت إلى هبوط حاد في بعض الأسهم المالية.
وقالت سلطة الخدمات المالية في بريطانيا أنها بدأت تحقيقاً حول ما إذا قام بعض المتعاملين بنشر شائعات حول المؤسسات المالية، خلال الأيام القليلة الماضية. حققوا مرابح من انخفاض أسعار الأسهم.
وفي سياق منفصل نفى بنك انجلترا الذي لا ينشر أبداً بيانات حول مقرضين معينين، الشائعات التي تحدثت عن وجود لقاء، أو أنه يزمع الالتقاء بمديرين تنفيذيين في البنك البريطاني لمناقشة مشاكل السيولة المحتملة.
وجاءت الخطوتان المتزامنتان، في أعقاب مسارعة البنك المركزي الأميركي، إلى إنقاذ «بيرستيرز»، وتظهران المدى الذي يمكن أن تصل فيه السلطات، في جانبي الأطلنطي، للحيلولة دون انهيار الثقة في القطاع المالي، وخروجه عن نطاق السيطرة.
وفي هذا الصدد، قالت الستير ميلين» كبيرة المحاضرين في كلية «كاس للاقتصاد» في لندن، إن «ذلك يكشف مدى خشية السلطات من المشاكل الخطيرة التي تسببها الشائعات للمؤسسات المالية».
وكانت قاعات التداول، اهتزت على صدى شائعات سرت صبيحة يوم الأربعاء الواقع في 19 مارس، أن بدس، أكبر البنوك الإقراضية في بريطانيا، يعاني من ضائقة مالية. وقد ابتلعت التكهنات قرابة ثلاثة مليارات جنيه «ما يعادل 6 مليارات دولار» من قيمته السوقية، قبل أن يسارع البنك الذي يتخذ من ادنبرة، مقراً له إلى نفي ذلك قائلاً: إن في متناوله تمويلات كافية.
أموال المستثمرين محمية في أغلب الأحوال
الأخبار السارة حسبما قالت وول ستريت جورنال هي أن حملة الحسابات في بير ستيرز، وليهام براذرز هولد نغر، أو أي شركة وساطة مالية أخرى عرضة للهجوم، يمكنهم الاطمئنان، ينبغي أن تكون مع بعض الاستثناءات بمأمن فقد تمكن بنك «بيرستيرز» من الإفلات من إعلان إفلاسه، بالموافقة على بيع نفسه إلى «جي بي مورجان تشيس»، التي تعهدت بالوفاء بالتزاماته التجارية.
ونتيجة لذلك فإن العملاء الذين يحتفظون بحسابات في «وبير» وهم في الغالب شركات مؤسساتية سيرون تحول حساباتهم وأصولهم إلى جي بي مورجان. لكن الوضع الذي آل إليه «بير» أثار مخاوف عن مصير المستثمرين الأفراد فيما لو انهارت شركات وساطة مالية كبيرة إنما اللوائح التنظيمية ولحسن الحظ تحمي معظم المستثمرين.
فالوسطاء مطالبون، بالاحتفاظ بأصول كافية لسداد أي التزامات تجاه العملاء في حال إفلاسهم. وعلاوة على ذلك فإنه بموجب قانون حماية العملاء الصادر عن لجنة الأوراق المالية والبورصة الأميركية يتوجب على المضاربين بين الوسطاء الاحتفاظ بأصول العملاء في «حسابات مضمونة» الأمر الذي يعني عدم استخدام تلك الأصول لأغراضهم التجارية.
وفي حال عدم وجود الأموال أو السندات لتغطية تلك المطالبات إما لنتجية سوء الاستخدام. أو الاهمال، فإن مؤسسة حماية المستثمر، ستتولى تغطية الخسائر بمقدار 500 ألف دولار لكل حساب، بما فيها 100 ألف دولار للمطالب النقدية وبالإضافة إلى ذلك فإن بعض شركات الوساطة قد تقدم ضماناً إضافياً.
وقد اتخذت بعض شركات الوساطة مبادرات لطمأنة العملاء، بأن أموالهم في أمان، فقد وزعت و حدة سميث بارني التابعة لسيتي جروب مؤخراً، معلومات حول القوانين المختلفة والحمائية المتوفرة للمستثمرين على مستشاريها الماليين ومديري فروعها. وعلى وجه العموم فإن أي سندات يحتفظ بها العميل في شركة وساطة هي قانوناً ملك للمستثمر، وليست معرضة لمطالبة دائني الشركة.
قالوا في الأزمة الأخيرة
* إذا مررت بوقت عصيب، فإن أهم ما يخطر ببالك هو السيولة والثقة، ورأس المال.
جيمي دونكان الشريك العضو المنتدب في ساندرز أونيل أند بارتنرز في نيويورك
* التدابير الأخير التي اتخذتها البنوك المركزية لإنقاذ النظام المالي العالمي كانت ضرورية، لكنها غير كافية.
جوزيف اكرمان الرئيس التنفيذي دويتشه بانك.
«لقد طارت وظيفتي» أحد العاملين في «بيرستيرنز»
* البنوك الأوروبية في وضع أفضل من نظيرتها الأميركية، لكن لا أحد بمأمن.
ديريك هوفمان ـ بيكنج محلل في سانفور بيرنشتاين
* إن حلّت أزمة الثقة في النظام البنكي وسقط بنك بحجم بيرسترنز، فإن الناس سيصابون بالذعر.
سيمون موجان محلل في إم إف جلوبال في لندن
* لن نحتمل استغلال مضاربين في السوق، للظروف السوقية الراهنة، والإساءة عبر نشرهم شائعات كاذبة، والتربح من ورائها.
«سالي ديوار»، العضو المنتدب في سلطة الخدمات المالية البريطانية للأسواق المؤسسية والتجارية.
شركات الطيران الأميركية تواجه المزيد من المتاعب
قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إنه في ضوء الولادة الميتة للاندماج المقترح لشركتي دلتا اير لاينز، ونورث ويست ايرلاينز الأميركيتين المقترح، والاقتصاد المترنح، والارتفاع الصاروخي في أسعار الوقود، فإن صناعة خطوط الطيران الأميركية، يسير باتجاه جولة جديدة من الإفلاسات مع بداية العام المقبل.
وبالرغم من أن الرؤساء التنفيذيين لشركات الطيران الكبرى، لم يعلنوها صراحة في مؤتمر الطيران الذي عقدته جي بي مورجان تشيس، فإن تلميحاتهم، ونشراتهم الأخيرة لموظفيهم، كانت مفعمة بالتشاؤم لصناعة كانت منذ أشهر مضت، على يقين بأنها ستنهض من كبوة دامت عاماً.
ونقلت الصحيفة عن جلين تيلتون، رئيس مجلس إدارة ومدير تنفيذي يونايتد ايرلاينز، قوله لعامليه إن الصناعة تواجه تحديات جساماً، مضيفاً إن الشكوك المحيطة بالاقتصاد الأميركي كله، وارتفاع أسعار الوقود إلى مستويات قياسية، فرضت ضغوطاَ شديدة على الناقلات الأميركية.
ومن جهتها توقفت كونتننتال إيرلاينز عن «دفع 5. 1 مليار دولار إضافية ثمناً للوقود هذا العام، عن عام مضى»، وقالت ميريل لينش إنها تتوقع أن تسجل شركات الطيران الأميركية الثماني الكبرى، خسائر بقيمة 5. 1 مليار دولار هذا العام، مقارنة بتوقعات سابقة، عن تحقيق أرباح بقيمة 7. 1 مليار دولار.
لكن محلل جي بي مورجان، جيمي بيكر توقع خسائر أكثر فداحة تتراوح ما بين 4 ـ 9 مليارات دولار هذا العام، وكانت شركات الطيران، جمعت مبالغ نقدية كبيرة قدرت بنحو 25 مليار دولار نهاية 2007.
لكن مع اقتراب أسعار النفط الخام إلى 48. 109دولارات في بورصة نيويورك منذ أيام، فإن تلك المبالغ قد تنعكس بسرعة، واضعة الناقلات تحت طائلة العجز عن سداد التزاماتها تجاه المقرضين.
وعلى هذا الصعيد توقع بيل واليك محلل قروض شركات الطيران في فيتش للتصنيف الائتماني أن تتصاعد حدة الضغوط المالية هذا العام في غياب تراجع أسعار الوقود، والاندماج مضيفاً بأنه لو استمرت تلك الضغوط عام 2009، فإن بعض شركات الطيران ستجد نفسها بلا سيولة نقدية، بما يكفي لوضع نفسها تحت الفصل الثاني من قانون الإفلاس، والاضطرار لحل نفسها.
ترجمة ـ وائل الخطيب
