أكدت أطراف من بينها الإمارات تأييدها لقيام صناديق الاستثمار السيادية التابعة للدول بدور بناء في تحقيق استقرار أسواق المال الدولية وذلك بعد اتفاقها مع الولايات المتحدة على مجموعة من المبادئ الطوعية لتنظيم عمل هذه الصناديق.
وقال بيان لوزارة المالية السنغافورية: إن صناديق الاستثمار السيادية ستواصل نموها بقوة. وتتضمن قائمة المبادئ التنظيمية التي أعلن عنها في الولايات المتحدة ضرورة التزام صناديق الاستثمار السيادية باتخاذ قراراتها الاستثمارية على «أسس تجارية». وتقدر مصادر مطلعة حجم أصول الصناديق السيادية بما بين 9. 1 و9. 2 تريليون دولار وتقول إنها قد تنمو إلى 15 تريليون دولار في غضون السنوات الثماني القادمة.
وأشار اتفاق المبادئ إلى أن الصناديق السيادية هي «مؤسسات استثمار مملوكة للحكومات ممولة من احتياطيات النقد الأجنبي لدى تلك الحكومات وحصيلة صادرات السلع وتستثمر في المؤسسات المالية على الصعيد الدولي».
وكان تقرير اقتصادي قد أشار إلى أن صناديق الاستثمار السيادية الإماراتية احتلت المركز الثاني في العالم من حيث حجم نشاطها خلال الـ 14 شهراً الماضية بعد الصناديق السنغافورية. وذكر التقرير الذي أعدته مؤسسة ديلوجيك أن الصناديق الإماراتية استثمرت خلال تلك الفترة 7. 10 مليارات دولار في حين بلغ حجم استثمارات الصناديق السنغافورية 7. 41 مليار دولار وجاءت الصين في المركز الثالث مسجلة 8 مليارات دولار.
وفي الوقت نفسه توقع التقرير استمرار صناديق الاستثمار السيادية الشرق أوسطية والآسيوية الغنية في ضخ المزيد من الأموال بهدف شراء حصص أقلية في شركات عديدة في مختلف أنحاء العالم. وقال التقرير إن الصناديق السيادية التابعة للدولة استثمرت خلال الشهرين الأولين من العام الحالي 4. 24 مليار دولار وهو تقريباً نصف إجمالي استثماراتها العام الماضي كله.
وكانت الصناديق السيادية السنغافورية الأنشط في هذا المجال وفقاً للتقرير حيث بلغ إجمالي استثمارات هذه الصناديق ممثلة في مجموعة تيماسيك هولدنجز وشركة استثمار حكومة سنغافورة «جفرنمنت أوف سنجابور إنفستمنت كوربورشن» منذ بداية العام الماضي وحتى نهاية فبراير الماضي حوالي 7. 41 مليار دولار تمثل حوالي 56% من إجمالي استثمارات الصناديق السيادية في العالم خلال الفترة نفسها.
وكان القطاع المالي الهدف المفضل لاستثمارات صناديق الاستثمار السيادية خلال الفترة الماضية حيث جذب 7. 60 مليار دولار من هذه الاستثمارات خلال الـ 14 شهراً الماضية. وفي المركز الثاني جاء القطاع العقاري وجذب استثمارات قدرها 7. 4 مليارات دولار ثم قطاع تجارة التجزئة وجذب 3. 2 مليار دولار.
وقال هنري بولسون وزير الخزانة في بيان بعد لقاء مسؤولين حكوميين من أبوظبي وسنغافورة بالإضافة إلى بعض الصناديق الأخرى إنها محل ترحيب في الولايات المتحدة واستعرض مبادئ تحكم أموال تلك الصناديق. وأضاف بولسون أن المبادئ التي أعلنتها الخزانة ينبغي أن توجه جهود صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية اللتين تعملان أيضاً على تطوير مجموعة من «الممارسات المرجعية» للصناديق.
وينص المبدأ الأول على أن الصناديق ينبغي أن تستثمر «على أسس تجارية بحتة». وبحسب مبدأ آخر يتعين على البلدان التي تستقبل المال عدم فرض حواجز أمام الاستثمار الأجنبي وهو ما يعكس مسعى إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش لتجنب فرض قيود على الصناديق لاسيما في وقت تشتد الحاجة إلى أموالها. وفي العام الماضي اشترت أبوظبي حصة بقيمة 5. 7 مليارات دولار في سيتي جروب في حين اشترت تيماسيك هولدنجز السنغافورية حصة بقيمة 4. 4 مليارات دولار في ميريل لينش.
واجتمع بولسون ونائبه روبرت كيميت مع مسؤولين من بينهم حمد الحر السويدي عضو المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي وثارمان شانموجاراتنام وزير مالية سنغافورة ومسؤولين من جهاز أبوظبي للاستثمار ومؤسسة سنغافورة للاستثمار .
وهما صندوقان سياديان. وتضغط وزارة الخزانة منذ الخريف الماضي لكي يطور صندوق النقد الدولي ميثاق شرف لصناديق الثروة السيادية التي تنشط بشكل متزايد في شراء أصول أميركية مستغلة احتياطياتها المتزايدة من العملات الأجنبية من ارتفاع أسعار النفط ومن التجارة الدولية.
وتدعو المبادئ التي اتفق عليها صناديق الثروات إلى زيادة الإفصاح عن أهدافها بغية «الحد من عدم التيقن في أسواق المال وبناء الثقة في البلدان المستفيدة». وقالت الخزانة: إن على الصناديق أن تعتمد قيوداً داخلية فعالة ونظماً قوية لإدارة المخاطر. وبحسب المبادئ المقترحة يتعين على الدول المتلقية للمال بالإضافة إلى الموافقة على عدم فرض حواجز أن تتأكد من قانونية القواعد التي تغطي الاستثمار الأجنبي.
وضخت صناديق الثروة السيادية في الآونة الأخيرة مليارات الدولارات في شركات وول ستريت المتعثرة لكن حتى الآن لم يحقق المستثمرون الذين تساندهم دول وحكومات مردوداً كبيراً. وبحسب مؤسسة ديلوجيك ارتفعت استثمارات الصناديق السيادية 153 بالمئة في 2007 لتصل إلى 5. 48 مليار دولار وقد أبرم الجانب الأكبر من الصفقات مع بنوك كبرى في الأشهر الأخيرة من العام الماضي.
وقدمت الصناديق السيادية سيولة كانت البنوك الأميركية في أمس الحاجة إليها بعد عمليات شطب هائلة ترتبط برهون عقارية لأصحاب الجدارة الائتمانية المنخفضة وأصول أخرى عالية المخاطر. لكن الآن الصناديق نفسها تترنح مع اتساع نطاق أزمة الائتمان وتراجع قيمة الأصول.
وتسعى بلدان مثل الصين إلى استغلال فوائضها النقدية وضخها في استثمارات خارجية. وقال مصدران مطلعان على بيانات احتياطيات النقد الأجنبي في الصين: إن الاحتياطيات ارتفعت بمقدار 3. 57 مليار دولار في فبراير الماضي لتصل إلى 6471. 1 تريليون دولار بعد زيادتها 6. 61 مليار دولار في يناير.
ومن المتوقع أن تغذي هذه الأرقام الجدل الدائر حول استمرار تدفق أموال المضاربين على الصين لأن هذه الزيادة تزيد أكثر من ثلاث مرات على التدفقات الخاصة بالفائض التجاري والاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال شهر فبراير. وكان الاقتصاديون قدموا تفسيرات مختلفة لزيادة الاحتياطيات في يناير عندما بلغت 5898. 1 تريليون دولار ومن هذه التفسيرات المضاربة وزيادة عمليات الإقراض بالدولار.
وبلغ متوسط الزيادة في الاحتياطيات الصينية العام الماضي 5. 38 مليار دولار. وتتزايد الاحتياطيات مع إقبال البنك المركزي الصيني على شراء أغلب الدولارات التي تتدفق على البلاد. (وكالات)
أبرز استثمارات الصناديق السيادية خلال الفترة الأخيرة
*جهاز أبوظبي للاستثمار
الأصول: 875 مليار دولار
اشترى جهاز أبوظبي للاستثمار ما قيمته 5. 7 مليارات دولار من الأوراق المالية القابلة للتحويل الإلزامي من سيتي جروب والتي ستحول إلى أسهم في 2010 و2011 بأسعار في نطاق 83. 31 إلى 24. 37 دولاراً للسهم.
* التقاعد الحكومي «جلوبال»:
الأصول: 8. 386 مليار دولار
من بين حيازات الصندوق حصة 36. 0 بالمئة في سيتي جروب و27. 0 بالمئة في ليمان براذرز و35. 0 بالمئة في ميريل لينش و33. 0 بالمئة في مورجان ستانلي.
* تيماسيك هولدنجز
الأصول: 100 مليار دولار
اشترى الصندوق ما قيمته 4. 4 مليارات دولار من أسهم ميريل لينش بسعر 48 دولاراً للسهم. بيعت الأسهم بالخصم وذلك جزئياً مقابل اتفاق بعدم بيعها لمدة عام.
* مؤسسة سنغافورة للاستثمار
الأصول: 100 مليار دولار
اشترى الصندوق حصة تسعة بالمئة في يو.بي.اس قيمتها نحو 75. 9 مليارات دولار. كما اشترى الصندوق ما قيمته 88. 6 مليارات دولار من سيتي جروب.
* شركة الصين للاستثمار المحدودة
الأصول: 200 مليار دولار
اشترى الصندوق حصة بثلاثة مليارات دولار في مجموعة بلاكستون الأميركية للاستثمارات الخاصة. بيعت الأسهم بخصم 5. 4 في المئة وبموجب الاتفاق لا يمكن بيعها لأربع سنوات. كما اشترى الصندوق خمسة مليارات دولار من الأوراق المالية القابلة للتحويل إلى أسهم في مورجان ستانلي عام 2010.
* الهيئة العامة للاستثمار
الأصول: 225 مليار دولار
استثمر الصندوق ثلاثة مليارات دولار في سيتي جروب وملياري دولار في ميريل لينش.
تحولات كبيرة في خريطة توزيع الأموال العربية في الخارج
شهدت الأموال العربية المستثمرة في الخارج زيادة كبيرة خلال السنوات الماضية، وبالذات بعد زيادة أسعار النفط، حيث تشير توقعات معهد التمويل الدولي إلى تنامي صافي الأصول الأجنبية المعلنة لدول المجلس من 176 مليار دولار في 2001 إلى ما يقارب التريليون دولار عام 2007 مع تغير ملحوظ في خارطة توزيعاتها.
حيث كانت الأصول تتوزع في 2001 على المحافظ الاستثمارية في الأوراق المالية مثل الأسهم والسندات في حين شهد العام الماضي 2007 تغيراً في خارطة توزيع الأصول حيث ارتفعت حصة الأسهم الأميركية إلى 8. 28% والدين الأميركي طويل المدى 20% واستثمارات أجنبية مباشرة بحصة تبلغ 4. 15%.
وفي دراسة لصندوق النقد العربي حول تحليل التدفقات الرأسمالية العربية إلى الخارج أعدها الباحثان الدكتور علي الصادق والدكتور علي البلبل، توصلا من خلال تحليل أنماط واتجاهات تلك التدفقات إلى ثلاث نتائج لتدفق رأس المال إلى الخارج جميعها ذات آثار سلبية. وأولى هذه النتائج هي أن تدفق رأس المال إلى الخارج يؤدي إلى زيادة حصة القطاع العام في الإنفاق الاستثماري ( والاستهلاكي) أكثر مما كان متاحاً وبالتالي زيادة حجم دور الحكومة.
وهكذا وبشكل مقلوب لمقولة «المزاحمة»، فإن تراجع القطاع الخاص من خلال تدفق رأسماله إلى الخارج يدفع القطاع العام لتولي حصة اكبر في الاقتصاد. إن هذه النتيجة تنطبق على التجربة العربية حيث حصة الإنفاق الحكومي من الناتج المحلي الإجمالي، بالرغم من انخفاضها عبر الزمن، ظلت مرتفعة نسبياً عند 34% مقارنة بحوالي 21% للدول النامية.
وثانياً، يقلص تدفق رأس المال إلى الخارج القاعدة الضريبية بنقل الثروة الخاصة خارج سلطة الإدارة الضريبية الوطنية. وهذا النقل يزيد عجز الميزانية إضافة إلى تدهور في توزيع الدخل بنقل عبء الضريبة من رأس المال إلى العمل.
ومرة ثانية تنطبق هذه الحالة على تجربة البلدان العربية حيث نصيب الإيرادات الضريبية من مجمل إيرادات الحكومة لا يزيد على 36% مقارنة بنحو 69% للبلدان النامية و75% للبلدان المتقدمة، الأمر الذي يزيد اعتماد البلدان العربية على الضرائب غير المباشرة الارتدادية للحصول على إيرادات إضافية.
والنتيجة الثالثة هي الأهم، وتنظر إلى تدفق رأس المال إلى الخارج كتحويل الادخار من الاستثمار المحلي إلى الاستثمار المالي الأجنبي، وبذلك تقليص معدل النمو الاقتصادي الذي كان يمكن أن يتحقق، وبالتالي إغلاق خلق فرص عمل لاستيعاب العمالة المتنامية.
وحول أسباب تنامي رؤوس الأموال الخليجية والعربية الموظفة في الخارج، تقول الدراسة: إن هذه الظاهرة هي نتيجة للسلوك الطبيعي وتطور الأنشطة الاقتصادية الناجمة عن التفاعل بين نمو الثروة والتجارة الخارجية والتكامل المالي الدولي. فنمو الثروة يزيد الطلب على الأصول المالية، وتقليص المخاطر إلى الحد الأدنى ينطوي على الاحتفاظ بهذه الأصول في محفظة استثمارية متنوعة.
ومثل هذه التدفقات تزداد مع التوسع في التجارة الدولية لأن الشركات المنخرطة في التجارة الدولية ترغب في الاحتفاظ بأرصدة تشغيلية من الصرف الأجنبي. والنقطة المهمة هي أن تدفق رأس المال إلى الخارج له علاقة ضئيلة بمعدل عائد الاستثمار في الاقتصاد المحلي.
ولكن في ظل صدمات خارجية مثل شروط تبادل تجاري أقل أو أسعار فائدة أجنبية أعلى، فإن تدفق رأس المال يتأثر بمعدلات العائد المحلي لأن هذه الصدمات تخلق فرقاً بين أسعار الفائدة الأجنبية والمحلية، وبالتالي تحفيز التدفق إلى الخارج.
إلا أن الدراسة تتساءل لماذا تذهب رؤوس الأموال العربية إلى البلدان المتقدمة وليس البلدان النامية، مع أن العائد على رأس المال في البلدان النامية يجب أن يكون أعلى منه في البلدان المتقدمة بسبب ندرة رأس المال وبالتالي نسبة رأس المالي إلى العمل المنخفضة.
وهذا يجب أن لا يحفز فقط بقاء رأس المال في الوطن، بل يجب أيضاً أن يجلب تدفق رأسمال أجنبي اكبر إلى الداخل. ولكن الواقع يشير إلى أن كثيراً من رأس المال يتدفق إلى خارج البلدان النامية، وأن أكثر من 75% من تدفقات رأس المال تتجه نحو البلدان المتقدمة.
ويمكن أن يكون ذلك ناجماً عن السياسات والهياكل الاقتصادية السائدة. وإذا تناولنا السياسات الاقتصادية فقط نستطيع تحديد مثل هذه السياسات بثلاث: النقدية وسعر الصرف والمالية. فالسياسة النقدية المتسمة بالكبت المالي في ظل تضخم مرتفع تؤدي إلى أسعار فائدة حقيقية سالبة.
وسياسة سعر الصرف الهادفة إلى المحافظة على سعر صرف حقيقي غير قابل للاستمرار تولد توقعات بتخفيض العملة مستقبلاً مما يخفض قيمة الأصول المحلية. وأما السياسة المالية التي تفرض ضرائب تمييزية على دخل رأس المال، وتبقي عجز الميزانية، فإنها تجعل الأصول الأجنبية ملاذاً لرأس المال أكثر مكافأة.
وفي ضوء ذلك كله من غير المستغرب أن تكون نتيجة هذه السياسات زيادة مخاطر الاحتفاظ بأصول محلية وان تسبب ارتفاعاً في تدفق رأس المال إلى الخارج. وإذا استمرت هذه السياسات، فإن أثرها المشوه على تخصيص الموارد والهيكل الاقتصادي يستطيع أن يقلص ارتفاع العائد على رأس المال.
وتبين هذه الملامح شيئين مهمين: أولاً، تضع المؤسسات، بالإضافة إلى السياسات والحوافز والعوامل الخارجية، الإطار الذي يحدد تدفق رأس المال إلى الخارج وبالتالي النمو الاقتصادي، ثانياً، وكنتيجة لذلك فإن بقايا السياسات الاقتصادية القديمة غير السليمة والمؤسسات غير الفاعلة هما المسؤلان عن انخفاض الإنتاجية الحدية لرأس المال في البلدان العربية التي تقدر بنحو 15% مقارنة بحوالي 21% للدول النامية و5. 16% للدول المتقدمة.
إن العائد المنخفض لرأس المال يشرح بدوره لماذا يتحول رأس المال إلى الخارج ولماذا يتجه نحو الاستهلاك وليس الاستثمار. وأخيراً تتناول الدراسة العوامل المؤثرة في عودة رؤوس الأموال إلى الداخل فتقول: إن هذه العودة يجب أن تنطوي على عمليتين.
الأولى معنية بتشجيع المدخرين بإعادة استثماراتهم الأجنبية إلى الوطن (الجزء الزائد عن اعتبارات التنويع)، والثانية معنية بإيجاد وتشجيع المستثمرين لتحويل هذا الأصول الأجنبية إلى ثروة عينية محلية.
إن العوامل التي تؤثر على قرارات المدخرين وأصحاب رؤوس الأموال هي: معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي مقابل الأجنبي، سعر الفائدة الأجنبية مقابل المحلية وانخفاض العملات المتوقع، ودرجة المبالغة في سعر الصرف الحقيقي، والمخاطرة السياسية، وتطور القطاع المالي.
حسن العالي ـ المنامة
