حققت جمعية حتا للثقافة والفنون حضوراً طيباً في أيام الشارقة المسرحية بتقديم عرضها (هاوي) تأليف وإخراج علي جمال، ويمكن القول إن هذا العرض الذي لعب بطولته الفنان القدير سيف الغانم هو أحد أهم العروض المسرحية التي قدمت حتى الآن ضمن الفعاليات.

(هاوي) هو تسمية محلية قديمة لذلك الرجل الذي يجول في الأحياء، ويبيع الماء للناس في البيوت حيث لا حياة من دونه، والعمل يسير باتجاه عرض مصير هذا (الهاوي) الآن بعد أن مضى الزمن، وصارت هناك وسائل عصرية وتقنية في إيصال المياه إلى البيوت.

يتمسك (هاوي) بذكرياته والحياة التي كان يعيشها في الماضي برفقة زوجته المخلصة، ولأجل هذا تبدأ الذكريات فيما بينهما بأخذ شكل له علاقة بالحنين لتلك الأيام، ولكن ستكون هناك مشكلة يواجههم بها القدر، وهي ابنهم الغائب والذي يلعب دور القوى الحالية في المجتمعات الجديدة والتي ترغب ببناء حضارة جديدة.

وهكذا يبدو الأمر انه صراع بين الماضي والمستقبل بين الجمال والحنين والوفاء من جهة والإسمنت والبنوك والشوارع من جهة أخرى.. وهي مقارنة قد لا يجدي الحديث عنها في أوقات كهذه لأن النتائج محسومة سلفاً.

الابن يريد عقد البيت كي يبيعه ويستثمر بثمنه، والوالد يرفض لأن هذا البيت هو ما تبقى له من الروح، ولا يستطيع أن يقدمه لابنه أيا كانت الظروف.. الوضع يحتدم ولا يرى الولد بداً من قتل أبيه في مشادة حامية بينهما.

قدم المخرج مادة فنية تقوم على قراءة لجوهر الحدث وتعميقه من خلال لعبة الإضاءة وبعض الأغراض المسرحية المتناثرة. وربما طغى السرد أحيانا في بداية العرض المسرحي، وهذا ساهم في خلق حالة من الملل.

وأمام خشبة شبه فارغة كان لا بد من مجال ما للعب، ولكن يبدو أن المخرج قد اختار منتصف المسرح والميمنة، وأبقى على المساحة التالية فارغة، وهذا يعتبر خطأ تكتيكياً إذا جاز لنا هذا في علاقة المخرج مع فضاء الخشبة، ولكن هذا بطبيعة الحال لا ينفي انه استفاد من كل الأغراض المسرحية استفادة مطلقة، وأيضاً من الإضاءة المسرحية التي لعبت دوراً كبيرا في تحقيق مشهدية اقتربت من مشاهد السينما.

على العموم، ينفرد العرض بتقديم أداء متميز للممثلين فيه، ولفت الفنان سيف الغانم الأنظار إلى لياقته وحضوره الكبير على الخشبة، وقد أجاد لعبة الدفاع والهجوم في التواصل مع زملائه إجادة الخبير العارف، وتبقى المشاهد التي جمعته بابنه واحدة من جماليات هذا العرض، وقد بدا الجمهور متأثراً جداً، وهو يشاهد الولد يقتل أبيه، وثمة عبارات استهجنت الأمر، ما يدل على التفاعل الذي كان بين الخشبة والصالة.

الخلخال .. أين الخلخال ؟

قدم مسرح الشباب في دبي عرضه (الخلخال) تأليف سالم الحتاوي وإخراج سالم باليوحة ، وفيه يجري الحديث عن علاقة رجل براقصة كيف مضى بهما الوقت، لكي يكتشف الرجل ان غيرته شديدة على عشيقته، وأنه لن يكون مضطرا للبقاء معها، فليجأ في ساعة انفعال إلى قتلها، وربما يحتاج نص كهذا إلى بعض من الشعرية في التناول.

وهذا الأمر كان في حسبان الكاتب سالم الحتاوي وهو يبني العمود الفقري للعرض، ومضى المخرج في إضافات نوعية للعرض، بحيث صارت لعبة الزمن هي الحد الفاصل بين متابعة تقليدية لقصة متهالكة، أو شد العرض والمضي به عبر جديد سيعلن عنه الحتاوي الآن.

ويمضي العمل في اتجاه تعريف المشاهد بأجواء العاشقين، وكيف تطورت الأحداث لتلقي بظلال الموت أخيراً ، وهنا كان لا بد من استعادة العمل المسرحي (عطيل) لشكسبير، حينما تحولت الغيرة إلى مادة مثيرة يقتل فيها عطيل زوجته ، ولكن يميل العرض الى السرد والى الثرثرة، لذا عمد المخرج للحد من هذا الكلام باتجاه الأفعال.. أين هي الأفعال التي يفترض أنها ستغني العمل؟

اللغة التي كتب بها الحتاوي العرض، كانت حافلة بالصور والأحاسيس الجميلة ، وزاد من تلك الأحاسيس المواويل التي صاغها عبد الله صالح متكئا على كلام ولحن ومشاعر حقيقية تناغمت وأجواء العمل. (الخلخال) الذي بحثنا عنه فلم نسمع إلا صوته، تجربة جديدة قدمها مسرح الشباب في دبي من إشراف ناجي الحاي. وكم كنا نتمنى لو كان الحاي المعروف بخبرته الكبيرة في هذا المجال، أن يكون فاعلا في الإشراف على الإخراج لجهة تفعيله وتفعيل حماس الشباب أكثر.

ندوة تطبيقية حول «هاوي»

قال الدكتور يوسف عيدابي إن المخرج والمؤلف علي جمال هو ابن من أبناء أيام الشارقة المسرحية، والمسرح بحاجة إلى أجيال صادقة وفاعلة في الحياة المسرحية الإماراتية، ولفت إلى أن دعم الشباب هو شكل من أشكال استمرارية المسرح، وأشار الحتاوي إلى أن العرض يحتاح إلى أسباب قبل النتائج والبحث في بعض المبررات التي جعلت الابن يغضب من والده ويؤدي لهذه النتيجة الكارثية ، أما بلال عبد الله فأظهر تعاطفه مع الولد ضد الأب. وشكرالمخرج علي جمال الجمهور والنقاد على ملاحظاتهم، طالباً وقفة مع الممثلين والعاملين في المسرحية تقديراً لعطائهم جميعاً، فوقف ووقف معه الجميع .

ندوة «الخلخال»

تحدث المخرج التونسي المنصف السويسي عن جماليات الخشبة الفارغة، مشيراً إلى أن عروضاً كهذه تسير باتجاه تقديم أداء فاعل للممثل على خشبة فارغة هو ما يأمله ويطلبه المسرح الحقيقي ، وأمل المسرحي قاسم مطرود أن يبتعد المسرح عن التلفزيون وأفلامه القصيرة والطويلة، فالمسرح عالم ساحر بكل ما تحمله الكلمة من معنى .

المفكرة

يقدم في السابعة من مساء اليوم عرض (على جناح التبريزي وتابعه قفه) لمسرح وزارة الثقافة والشباب في القاعة رقم 1، في حين تقدم مسرحية (الميدان يا حميدان) لمسرح دبي الأهلي في القاعة المجاورة.

الشارقة ـ جمال آدم