خفض المصرف المركزي أمس مجددا سعر الفائدة على إعادة شراء شهادات الإيداع التي يصدرها للبنوك في الدولة(الريبو) من 3% إلى 25 .2% تماشيا مع المستوى الجديد لسعر الفائدة على الأموال الاتحادية للدولار الأميركي (سعر الفائدة قصيرة الأجل التي يحددها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي).
وكان مصدر مصرفي رفيع المستوى قد توقع في تصريحات ل«البيان الاقتصادي» هذا الخفض في ظل استمرار حالة التدهور التي يتعرض لها الاقتصاد الأميركي والتي تجبر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على اتخاذ هذه الخطوات في محاولات يائسة لإنعاش الاقتصاد الأميركي المتباطئ مشيرا إلى أن ارتباط العملات الخليجية ومن بينها الدرهم الإماراتي تجعل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مضطرة للاقتداء بالخفض الأميركي على أسعار الفائدة على عملاتها. وبهذا الخفض الجديد يكون إجمالي نسبة الخفض في سعر الفائدة 3% تمت على ست مرات متتالية خلال حوالي ستة أشهر فكان الخفض الأول الذي جرى في شهر سبتمبر الماضي الأول من نوعه منذ نحو 39 شهرا بعد قيام بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي حينها بخفض سعر الفائدة الرئيسية بنسبة نصف% من 25 .5% إلى 75 .4% بالنسبة للودائع قصيرة الأجل التي تبلغ آجالها في حدود شهر واستمرت عمليات تخفيض أسعار الفائدة إلى أن بلغ سعر الفائدة أمس 25 .2%.
وأوضح المصرف المركزي أن عملية إعادة الشراء (الريبو) التي يقوم بها المصرف المركزي مع البنوك العاملة في الدولة تعتبر الآلية التي يتم بموجبها تغيير أسعار الفائدة على درهم الإمارات في النظام المصرفي حيث تسترشد بها البنوك لقبول الودائع وللقروض التي تقدمها لعملائها.
وأكد مصرفيون أن هذا الخفض الجديد سيشكل ضغطا جديدا على الدرهم نظرا لأنه خفض لا يتماشى مع الأوضاع الاقتصادية بالإمارات التي تشهد انتعاشا كبيرا وزخما كبيرا.
وبالتالي فإن هذا الخفض من شأنه ان يرفع معدلات التضخم مؤكدين ضرورة التخطيط جديا لإعادة تقييم الدرهم القوي مقابل الدولار المتهاوي رغم السلبيات التي قد تصاحب مثل هذه الخطوة معربين عن اعتقادهم بان الوضع الحالي أيضاً محفوف بسلبيات عديدة أبرزها الارتفاع المتواصل في معدلات التضخم بالدولة نتيجة الخفض الكبير والمتتابع لأسعار الفائدة.
وتماشياً مع قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي خفضت السعودية والبحرين اللتان تربطان عملتيهما بالدولار أسعار الإيداع ثلاثة أرباع نقطة مؤوية بعد خفض الفائدة الأميركية بقدر مماثل في خطوة من المتوقع أن تغذي النمو الاقتصادي والتضخم.
إلا أن مصرفيين قالا إن السعودية التي حافظت على سعر صرف الريال دون تغيير منذ 22 عاما أبقت سعر الإقراض الرئيسي دون تغيير على 5 .5% ليتسع الفارق بين الفائدة التي تدفعها البنوك للمودعين وما تتقاضاه من المقترضين.
وأبقت الكويت وهي الدولة الوحيدة في منطقة الخليج التي تخلت عن ربط عملتها بالدولار على سعر الخصم الرئيسي دون تغيير عند 75 .5%. وتخلت الكويت عن ربط الدينار بالدولار في مايو الماضي ومنذ ذلك الحين ارتفعت قيمة عملتها بنسبة 54 .8%.
وخفضت البحرين التي تربط عملتها الدينار بالدولار سعر الإيداع لأجل أسبوع وهو سعر الفائدة الرئيسي بمقدار ثلاثة أرباع نقطة مؤوية وأبقت على سعر الإقراض دون تغيير بعد خفض الفائدة الأميركية اليوم السابق. وخفض البنك المركزي البحريني سعر الإيداع لأجل أسبوع إلى 75 .2% من 3% كما خفض سعر الإيداع لأجل ليلة إلى 75 .1% من 50 .2%. وأبقى البنك سعر إعادة الشراء لأجل ليلة دون تغيير على 25 .5%.
وعلى الرغم من القلق المتزايد الناجم عن التضخم، أعلن الاحتياطي الفدرالي الأميركي انه لا يزال يضع النمو على رأس أولوياته، وهذا ما فسره المحللون بأنه وعد بتخفيضات مقبلة لمعدل الفوائد. وهكذا يكون الاحتياطي الفدرالي قد رسم صورة قاتمة للاقتصاد. وأشار إلى أن «الآفاق بشأن النشاط تراجعت أكثر»، مشيرا إلى الأوضاع الاقتصادية المتوترة في الأسواق وتفاقم أزمة الرهن العقاري.
ولمواجهة هذه المخاطر، كرر البنك المركزي الأميركي القول انه سيتحرك «في الوقت المناسب، إذا دعت الحاجة» لمواجهة المخاطر التي تلقي بثقلها على النمو، موجها بذلك رسالة واضحة.
وقالت تشارمين بوسكاس من «تي دي بنك» إن «اللهجة العامة للبيان تحمل على الاعتقاد ان هناك تخفيضات أخرى مقبلة على معدلات الفوائد».
وأضافت الاقتصادية التي تتوقع تخفيضات «كبيرة» على معدلات الفوائد على المدى القصير «إن النقطة الرئيسية هي تحرير الأسواق من التسليفات وتحريك الآلة. وسينتهي الاقتصاد بشكل طبيعي ببلوغ حد ما، ويمكن للاحتياطي الفدرالي ان يسهل وصوله إلى هذا الحد إذا ما عمل على تحفيزه بما يكفي».
وبعد قرار الاحتياطي الفدرالي، رأى بعض الاقتصاديين أن معدل الفائدة سيهبط إلى حدود 50 .1%، وحتى إلى 1% من الآن وحتى نهاية السنة. إلا أن الأسواق أدركت ولا شك الأمر نفسه وأنهت جلسة التداول على ارتفاع كبير في نيويورك في حين كانت تأمل في خفض نقطة واحدة على معدل الفائدة.
ولفت براين بيثوم من مؤسسة «غلوبال انسايت» إلى أن «ما حمل الأسواق على التصرف بايجابية هو أن الاحتياطي الفدرالي استجاب بحزم لتصاعد المخاطر الاقتصادية والأزمة المالية في الأشهر الستة الأخيرة».
وحرص البنك المركزي الأميركي على القول مرارا انه يبقى مستعدا للتحرك بالسرعة والتجدد اللذين تحلى بهما في الأسابيع الأخيرة، وذلك عبر خفض معدلاته بصورة طارئة.
وقال الاقتصادي المستقل جويل ناروف إن «الخفض المقبل لمعدلات الفائدة قد يحصل في أي لحظة، وليس فقط أثناء الاجتماع المقبل المتوقع في 29 و30 ابريل». ويشير المحللون أيضا إلى أن القرار كان مهما إلى حد انه اتخذ وسط تحفظات قوية داخل المؤسسة النقدية بالذات.
وصوت حاكمان ضد خفض معدلات الفوائد وهذا ما لم يحصل على الإطلاق منذ العام 2002، وذلك عبر تطرقهما إلى مخاطر تفاقم التضخم. وأشار البيان من جهة أخرى بشكل كبير إلى زيادة المخاوف التي تلقي بثقلها على الأسعار.
ولفت ناروف إلى أن «ذلك يعني أن الاحتياطي الفدرالي سيتحرك بسرعة، ما إن يستطيع، لاحتواء التخفيضات القوية لمعدلات الفوائد وزيادة السيولة بهدف الاحتفاظ بالتضخم تحت السيطرة». إلا أن الوضع لم يصل إلى هذا الحد بعد.
وإذا سار سيناريو الاحتياطي الفدرالي كما هو متوقع، فإن التهديد التضخمي سيستوعب ذاته تحت وطأة تباطؤ النمو. وفي الوقت الراهن، لا يلقي التضخم بأي ثقل على الاقتصاد. وقال ستيفن غالاغر من بنك «سوسيتيه جنرال» إن «الخيار بالنسبة إلى الاحتياطي الفدرالي لم يعد التضخم ضد النمو».
انعكاسات مباشرة على تكاليف الإقراض
قال جون سفاكياناكيس الاقتصادي لدى بنك ساب السعودي الذي يملك بنك اتش.اس.بي.سي حصة فيه ان خفض سعر إعادة الشراء «الريبو» العكسي ثلاثة أرباع النقطة المئوية لى 25 .2 في المئة من ثلاثة في المئة سيؤدي على الأرجح إلى خفض تكاليف الاقتراض للشركات مما يسهم في تعزيز النمو الاقتصادي وخلق الوظائف. وأضاف «من المرجح أن يرتفع النمو ويزيد التضخم». وتابع «هذا ثمن يستحق دفعه في بلد يدخل فيه 300 ألف شخص سوق العمل كل عام».
ويتوقع سفاكياناكيس ارتفاع النمو الاقتصادي إلى 5 .5 في المئة هذا العام وان يصل معدل التضخم السنوي إلى 2 .5 في المئة. وقدر أن معدل البطالة سيبلغ 15 في المئة. ويدفع ربط العملة دول الخليج إلى الاقتداء بالسياسة النقدية الأميركية للحفاظ على الجاذبية النسبية لعملاتها.
وفي وقت تعمل فيه الولايات المتحدة على خفض الفائدة لإنعاش اقتصادها فان اقتصاد دول الخليج يزدهر بفضل ارتفاع أسعار النفط لخمسة أمثالها منذ عام 2002 الأمر الذي رفع التضخم إلى مستويات قياسية أو شبه قياسية. كما أن انخفاض الدولار مقابل العملات الرئيسية جعل الواردات أكثر كلفة مما أدى لارتفاع الأصوات مطالبة برفع قيمة العملة.
وقالت مجموعة «اتش. اس. بي. سي» هولدنجز المصرفية في تقرير سابق ان هناك فرصة بنسبة 40 في المئة أن تطبق دول الخليج وخاصة الإمارات وقطر تعديلات على سياسات الصرف الأجنبي في العام المقبل مشيرة إلى ضعف الدولار وانخفاض أسعار الفائدة الأميركية وصعود إيرادات النفط والتضخم المتنامي.
وارتفع التضخم السنوي في السعودية إلى سبعة في المئة في يناير ليسجل أعلى مستوى منذ 25 عاما على الأقل مما غذى تكهنات بأن المملكة قد ترفع قيمة عملتها أو تتخلى عن ربطها بالدولار لمحاولة خفض كلفة الواردات.
تقلبات أسعار الصرف تغير خريطة المدن
أدى انخفاض قيمة الدولار بشكل كبير وقوة اليورو في المقابل إلى تعديل ترتيب المدن الأكثر غلاء في العالم حيث أصبحت مدينة نيويورك الأميركية أكثر جاذبية ليقوم المواطن الأوروبي بزيارة تسوق إليها، في حين أصبحت برشلونة أكثر غلاء من هونغ كونغ بنسبة 22%.
جاء ذلك في تقرير «أسعار ودخول» الذي نشره بنك «يو.بي.إس» الذي صنف كل من أوسلو، وكوبنهاغن، ولندن ضمن المدن الأكثر غلاء في العالم. وبرغم ذلك، فإن التقلبات التي تعانيها العملات الأجنبية بالإضافة إلى تأثير أسعار الإسكان ومستوى التضخم دفعت مدناً لم تكن منذ عامين ضمن قائمة المدن الأكثر غلاء، إلى الصدارة.
وفيما يتعلق بمدينة دبلن، التي وضعتها دراسة بنك «يو.بي.إس» الأخيرة في عام 2006 في المركز الثالث عشر، فإنها تحتل في الوقت الحالي المركز الرابع متجاوزة في ذلك زيورخ، المركز المالي في سويسرا التي احتلت المركز الخامس. ويلي زيورخ ستوكهولم، ثم هلسنكي، وجنيف، وباريس وفيينا.
وفي المقابل، تحتل نيويورك الآن المركز الثامن عشر ضمن المدن الأكثر غلاء حيث تأتي بعد فرانكفورت وأمستردام، وأمام برشلونة بمركزين في حين تأتي مدريد بعد برشلونة بأربعة مراكز.
وعلى عكس ذلك، فإن مدن جنوب آسيا وأميركا اللاتينية تعد الأقل تكلفة إلا أن هناك بعض الاستثناءات.
وتعد العاصمة الفنزويلية كاراكاس مثالا ملحوظا حيث ارتفعت عشرة مراكز لتحتل المركز السابع والثلاثين أمام موسكو التي تعتبر مدينة ذات مستوى معيشة غال في أوروبا.

