مع تردد اسم شركة كونكو فيليبس بوصفها الشركة الرابحة بعقد مشروع تطوير احتياطيات الغاز الطبيعي الكبريتي في إمارة أبوظبي، تقفز شركة بترول أبوظبي (أدنوك) إلى قلب مشهد تتعايش فصوله الكثير من الشركات النفطية في المنطقة، ويتمثل في كيفية إدارة تحديات الجدوى الاقتصادية التي تحف هذا المشروع الإستراتيجي والحيوي.
وبالتالي، تدير شركة أدنوك جملة من التحديات والتي لا تتوقف عند مستوى معالجة التحديات التقنية والتكنولوجية، بل تشتمل كذلك على إدارة تحديات الجدوى الاقتصادية، بأن يرتكز المشروع على منطق اقتصادي يبرر اعتماده كمصدر لإمدادات الغاز الطبيعي ضمن سلة تحتوي على مصادر وبدائل متنوعة تكفل القدرة على الوفاء بالطلب المحلي المتصاعد على موارد الغاز الطبيعي. وتؤمن في الوقت ذاته تنفيذ الالتزامات التعاقدية بتصدير الغاز إلى الأسواق الخارجية، فضلا عن إتاحة كميات الغاز المطلوبة لإعادة حقن الحقول النفطية لتحسين عملية الاستخلاص المعزز للنفط.
وبرزت تحديات الجدوى الاقتصادية لمشروع الغاز الطبيعي الكبريتي على أرضية الصعود الصاروخي في تكلفة الإنتاج والإنشاءات والتي قادت مع التحديات الفنية ـ بحسب تقرير نشرته مجلة ميس مؤخرا - إلى إخضاع المشروع للتمحيص والدراسة بعناية فائقة. والمفاضلة بين مختلف العروض المقدمة من جانب الشركات المشاركة في المناقصة، بل والمفاضلة بينه وبين البدائل الأخرى للحصول على الغاز الطبيعي، وقادت التكلفة العالية إلى إرجاء عملية إرساء عقد تطوير حقل شاه بطاقة إنتاجية تبلغ مليار قدم مكعب يوميا.
الجدوى الاقتصادية
وقد جرى طرح التساؤلات حول الجدوى الاقتصادية للمشروع، مع بروز تقديرات تتجاوز بكثير التقديرات الأولية، حيث نقلت نشرة ميس عن مصادر وثيقة الصلة بتقييم العروض المقدمة لتطوير حقل شاه للغاز الطبيعي الكبريتي أن أسعار الإنتاج المقدرة لتغطية تكاليف الإنتاج والتطوير بلغت 5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وذلك بحسب تقديرات الشركات المقدمة لعروضها، فيما تتراوح تكلفة إنتاج الغاز في الحقول الأخرى في أبوظبي بين 1 و 5. 1 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وأدى هذا التقييم إلى وضع المشروع بأسره موضع الدراسة المتأنية، حيث صار من المتعين تقرير أفضل السبل لتلبية الطلب المحلي في المستقبل.
وكانت التكلفة الأصلية المقدرة لتطوير حقلي غاز شاه وباب تبلغ حوالي 10 مليارات دولار، وطرأت تغييرات كبيرة في التقييمات الأولية بسبب حسابات تكلفة المشروع في دوائر أعمال النفط والغاز العالمية، وذلك منذ طرح وثائق المشروع في ديسمبر 2006، ومن ثم، وعندما كان يجري ترديد رقم 10 مليارات دولار، فإن المعنى المقصود هنا هو تكلفة مشروع حقل شاه فقط.
قاعدة التكاليف
ورغم أن تكلفة 5 دولارات لمليون وحدة حرارية أوروبية ـ بحسب تقرير ميس - غير قابلة للتحمل بالمعايير المحلية، إلا أنها تعد أكثر اقترابا من الأسعار التي تدفعها الأسواق الغربية للغاز الطبيعي والذي تحصل عليه من المسافات البعيدة عبر خطوط الأنابيب الناقلة للغاز الطبيعي المسال، بيد أن هذه التكلفة تفوق بكثير ما يدفعه المستهلكون تقليديا في منطقة الخليج، وهو ما لا يترك حيزا كبيرا لتحقيق هوامش أرباح مرتفعة، ولكن مع الدعم المقدم للإمدادات المحلية، فإن هذه التكلفة تمثل عبئا على الخزانة العامة.
ومع صعود تكاليف المواد الأولية والتكنولوجيا والمعرفة والخبرة، يبرز جليا للعيان حجم المشاكل والتحديات التي تواجهها الدول المنتجة للغاز الطبيعي والتي قد تفضي إلى التخلي عن بعض المشروعات الموضوعة، حيث تقود تكاليف التطوير الباهظة إلى رفع التكلفة إلى مستويات عالية.
وكان من المقرر الإعلان عن إرساء عقد المشروع قبل نهاية عام 2007، ولكن جرى تأجيل اتخاذ القرار بشأن اختيار الشركة التي ستتولى تنفيذ المشروع، وأرجعت تصريحات لمسؤول في «أدنوك» منشورة بتاريخ 7 نوفمبر 2007 أسباب التأجيل إلى إجراء تقييم للعروض الفنية والتجارية للمشروع، مشيراً إلى أنه لا يزال الوقت مبكراً للحديث عن اختيار شريك أو أكثر في مشروع التطوير.
تقسيم المشروع
وقد جرت مطالبة الشركات في بادئ الأمر بتقديم عروض لاستغلال حقلي شاه وباب معا، لكنها تم رفع حقل باب من بنود المناقصة، على اعتبار أنه أكثر تعقيدا بسبب قربه من مناطق مأهولة، وبالتالي، تمت تجزئة المشروع إلى مناقصتين منفصلتين.
وعبر معالي محمد بن ظاعن الهاملي وزير الطاقة عن هذا التحول في إدارة هذا المشروع الضخم بقوله آنذاك إن شركة أبوظبي الوطنية للنفط، قد تطور المشروع الآن، والذي يتضمن تطوير حقلي شاه وباب، على مرحلتين بعد تلقي استجابات متعددة من الشركات. وأضاف الهاملي أن بعض الشركات قد تكون تقدمت لحقل واحد. مشيراً إلى أن حقل شاه أصبح مؤكداً وأن حقل باب يمكن أن يطور في مرحلة ثانية، وأوضح الهاملي أنه جرى تلقي عروض لكل حقل على حدة، وعروض أخرى للحقلين معاً.
وظهرت العلامات الدالة على زيادة التكلفة بعدما جرى الكشف مؤخرا عن تحديات تعترض برنامج السعودية الطموح لإقامة مصفاة للنفط، فضلا عن المشاكل التي واجهت شركة البترول الوطنية الكويتية في العام الماضي في إرساء مشروع مصفاة زور، وقاد مثل هذا الوضع إلى خلق حالة من عدم اليقين بشأن ما ستؤول إليه ميزانيات برامج التطوير والإنتاج في المستقبل.
ويحتوي احتياط الغاز الطبيعي الحمضي في أبوظبي - بحسب ما ورد في مجلة «أويل ريفيو ميدل إيست في عددها الصادر مؤخرا - على نسبة كبريت تتراوح بين 30 إلى 50 %، وهو ما جعل من الضروري استخدام مواد غير قابلة للتآكل والصدأ خاصة في عمليات الإنتاج والنقل ومعالجة الغاز بسبب السمية العالية.
كما أن هناك حاجة لإقامة سلسلة إنتاج كاملة محكمة السد ومانعة التسرب، كما شكلت مسألة التخلص من كميات الكبريت ضخمة تحديا رئيسيا، ويحتوي حقل باب على الغاز الجاف، وبالتالي، يحتاج هذا الحقل إلى تدابير أمنية بالنظر إلى وقوعه بالقرب من المنطق المأهولة بالسكان.
وتفيد تقديرات أدنوك أن نسبة كبريتيد الهيدروجين في الغاز الحمضي تتراوح بين 13 و 30 %، وقد أقرت شركة أدنوك بأنها تمكنت من تطوير مكامن تصل فيها نسبة هيدروجين الكبريت إلى 10 % ولكنها تحتاج إلى التكنولوجيا لتطوير مكامن تحتوي على نسبة أعلى من هيدروجين الكبريت (كبريتيد الهيدروجين).
وتشير مجلة أويل ريفيو إلى أنه من المعتقد أن إنتاج مليار قدم مكعب من الغاز يوميا من حقل شاه سوف يدر فقط 500 مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز القابل للتسويق، وذلك بعدما يجري تخليصه من الكبريت والسوائل، وهو ما يجعل الجدوى الاقتصادية للمشروع محل تساؤل مع بلوغها مستويات تفوق بكثير الأسعار التي تدفعها أبوظبي ثمنا للبدائل الأخرى.
الجائزة الكبرى
ورغم انطواء مشروع تطوير احتياطات الغاز الكبريتي في حقل شاه على تعقيدات تكنولوجية وتقنية بالنسبة للشركات العالمية، إلا أن المشروع يعد بمثابة «جائزة كبرى» لمن يرسو العقد عليه، فهو يكفل تحويل الشركة العالمية الفائزة إلى رائد عالمي في مجال تطوير مستودعات الغاز الطبيعي الكبريتية.
وذلك في ضوء واقع مؤداه أن معظم احتياطيات الغاز الطبيعي الكبريتية مازالت غير مستغلة، بسبب ما تنطوي عليه هذه العملية من تعقيدات تقنية وفنية، وبالتالي، يقدم المشروع نموذجا قابلا لأن تقتفي أثره الدول المالكة لاحتياطيات غاز طبيعي ترتفع فيه مستويات الكبريت.
ومن ثم، من المقدر أن تجني الشركة العالمية الكثير من المكاسب، إذا ما حالفها الحظ وفازت بمشروع تطوير احتياطيات حقل شاه، حيث يقود هذا الفوز إلى دعم حظوظها في الفوز بمشروعات أخرى مماثلة، وذلك في ضوء بروز منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوصفها الأسرع نموا في العالم في إنتاج الغاز الطبيعي، بالنظر إلى إطلاق دول المنطقة مشروعات استثمارية جديدة وتزخر المنطقة تصل تكلفة بعضها مليارات الدولارات.
وتحتوي كذلك هذه المنطقة على احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي تبلغ 23. 81 تريليون متر مكعب، وهو ما يزيد على خمسي الاحتياطيات العالمية، وبالتالي تشغل هذه المنطقة موقعا متميزا في تصحيح التوازن المختل بين ازدهار الطلب على موارد الطاقة في الدول الآسيوية الصاعدة وعلى وجه الخصوص الصين. وتراجع الإنتاج في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية.
ولكن ما يكسب هذا البديل أهمية خاصة، هو الصعود الضخم في الطلب المحلي على الغاز الطبيعي بسبب النمو السياحي والمالي والصناعي، حيث تحتاج الإمارات المتحدة - بحسب تقديرات مجلة أويل ريفيو - إلى زيادة إنتاجها من الغاز أو الغاز الحمضي بنسبة 15 % سنويا خلال السنوات العشر المقبلة.
وفي السياق ذاته، أفادت التقديرات الإحصائية الصادرة عن شركة «بي بي» في يونيو 2007 أن استهلاك الغاز الطبيعي في الإمارات سيتضاعف ليصل إلى 87 مليون متر مكعب يوميا بحلول عام 2010، بالمقارنة مع 37 مليون متر مكعب يوميا في عام 2006.
ومع صعود الطلب على الغاز الطبيعي بمعدل يبلغ 10 % سنويا، تبرز مخاطر بروز مشكلة عجز في إمدادات الغاز الطبيعي، وتجلت هذه المشكلة في منتصف العام الماضي، حيث صرح معالي محمد بن ظاعن الهاملي وزير الطاقة في يونيو 2007 بأن نقص إمدادات الغاز دفع الإمارات إلى تحويل نحو 50 % من الغاز المخصص لزيادة إنتاج النفط إلى محطات توليد الكهرباء.
وتخطط شركة أدنوك لمضاعفة إمدادات الغاز المحلية في 2009، وجاء الحديث عن هذا الأمر على لسان إسماعيل الرمحي مدير إدارة تصنيع الغاز في ادنوك والذي صرح مؤخرا بأن الشركة تنوي ضخ 6. 3 مليارات قدم مكعب للشبكة الوطنية يوميا في 2009 مقارنة بمبيعات الغاز المحلية الحالية وتبلغ حوالي ملياري قدم مكعب.
وأوضح أن الشركة تطور العديد من المشروعات لملاحقة النمو الهائل للطلب على الغاز في أبوظبي، مشيرا إلى أن الطلب على الغاز نما بحوالي عشرة في المئة في المتوسط سنويا على مدى السنوات الأربع والثلاثين الماضية.
وفي إطار نمو الطلب الضخم على النفط، وإطلاق العديد من البرامج لزيادة الطاقة الإنتاجية، تتزايد الحاجة لإعادة حقن الحقول النفطية بالغاز تحسين عملية الاستخلاص المعزز للنفط، وتفيد تقديرات هنا بأن احتياجات الإمارات من الغاز لإعادة الحقن في حقول النفط تبلغ نحو 2. 1 مليار قدم مكعب يوميا.
وعليه، تتزايد أهمية مشروع تطوير احتياطات الغاز الطبيعي الكبريتي، وذلك على الرغم من طرح علامات استفهام حول المقومات الاقتصادية الرئيسية للمشروع، حيث باتت أبوظبي بشكل خاص والإمارات المتحدة بشكل عام تواجه وضعا ينطوي على الكثير من التحديات ناجمة عن صعود الطلب المحلي على الغاز الطبيعي والذي صار يشكل عنصرا ضروريا لتنفيذ خطط التنمية الصناعية والعمرانية التي تتبناها الدولة.
وبناء على هذه الأهمية الكبيرة لمشروع تطوير احتياطيات الغاز الكبريتي، ترجح تقديرات الواردة في تقرير مجلة «أويل ريفيو» بأنه قد يتم قبول التكاليف عند مرحلة معينة، وذلك على الرغم من بروز احتمالات بأن تتريث لبعض الوقت إلى حين أن تبرد سخونة سوق الإنشاءات خلال عام أو ثلاثة أعوام، بيد أن مثل هذا الوضع يؤشر على أن الإمارات بشكل عام وأبوظبي بشكل خاص ربما صار من المستوجب عليها أن تتحرك بعيدا عن بيئة يكون بإمكانها فيه أن تعتمد كليا على الطاقة الرخيصة.
ولكن يبقى صعود الطلب المحلي على الطاقة الكهربائية محفزا قويا لارتياد الإمارات مجالات جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية، وذلك على الرغم من التكلفة العالية، وهو ما يفسر السبب الكامن وراء تبني الإمارات الخيار الكهرونووي، ويوضح كذلك مغزى التمسك بالعمل على المضي بالمشروع قدما إلى الإمام، رغم ضخامة التحديات.
تصاعد الطلب الإقليمي
تقود شركة «آرامكو» جهود المملكة السعودية الرامية إلى زيادة طاقتها الإنتاجية من موارد الغاز الطبيعي، وتركز في مسعاها هذا على تطوير احتياطيات الغاز غير المستغلة لتلبية الطلب المحلي المتصاعد على الطاقة الكهربائية والمياه المحلاة.
واستغلال الفرص المتاحة في أسواق الغاز الطبيعي المسال، والغاز الطبيعي المنقول عبر خطوط أنابيب، كما تبحث السبل التي من شأنها أن تشجع نمو صناعات المصب (التكرير ـ التوزيع) مثل البتروكيماويات والألمنيوم والصلب والمرافق.
ومن المقدر ـ بحسب تقديرات شركة بي بي - أن يصل الطلب على الغاز الطبيعي الجاف في المملكة السعودية إلى 411 مليون متر مكعب يوميا بحلول عام 2030، وذلك من مستواه الحالي البالغ 156 مليون متر مكعب يوميا، وقد شهدت بعض المشروعات الصناعية بما في ذلك مشروع جبيل الثاني للبتروكيماويات تأجيلات بسبب نقص المادة المغذية الغاز الطبيعي.
وهو ما قاد بشركة آرامكو إلى تبني خطط توسع سريعة لمواردها من الغاز الطبيعي في الربع الخالي والبحر الأحمر وتخطط المملكة السعودية زيادة احتياطياتها بمقدار الخمس أو 4. 1 تريليون متر مكعب بحلول عام 2011، بهدف دعم نموها الصناعي.
وفي عمان، تركز خطة تطوير الموارد الهيدروكربونية التي تصل تكلفتها 13 مليار دولار على قطاع الغاز الطبيعي، وتشير التقديرات الرسمية العمانية إلى إنها تمتلك ما يتراوح بين 566 مليار و7. 1 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي.
دبي ـ مجدي عبيد


