سارع مروان فاهم (28 عاما) إلى مالك شقته في مبنى بعجمان مطالبا إياه بتخفيض قيمة إيجاره السنوي بينما قطب المالك حاجبيه وهو يرى مروان ملوحا له بإحدى الصحف التي نشرت بشكل بارز قرار الإعفاء الجمركي على واردات الحديد والاسمنت.
وكانت حجة مروان التي ساقها ليقنع المالك مرسومة بعناية «فكل ملاك العقارات رفعوا الإيجارات وتسببوا في التضخم وكانت حجتهم ارتفاع تكلفة مواد البناء وارتفاع تكاليف البناء وهاهي مواد البناء ستتوفر معفاة بنسبة 5 % من رسوم الجمارك وبذلك لن ترتفع أسعار الإيجارات»!!
لم تكن الحجج التي أمطرها مروان مقنعة بالنسبة للمالك الذي صمت في البداية لينطلق لاحقا في شرح أسباب ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات ولم ينس زج مصطلحات كبيرة مثل فك الارتباط وإعادة التقييم وزيادة الطلب مقابل العرض وتأخر تسليم المشاريع وجودة البناء وأسعار التنفيذ لينتهي النقاش برسالة حمّلها المالك على كتف ابتسامة تقول باختصار «إذا لم يعجبك الإيجار غادر فورا»!!
وليس مروان سوى احد الذين تسببت فرط حماستهم في فهم خاطئ لتأثيرات قرار الإعفاء الجمركي لواردات الاسمنت والحديد على مستوى الدولة والتي يعتقد البعض بأنها ستساهم إلى حد كبير وبشكل مباشر وفوري في إيقاف الإيجارات وأسعار بيع العقارات وردعها وإجبار الملاك على تخفيضها لكن ما يجب فهمه هو أن نتائج ذلك «الإعفاء» .
كما يقول الدكتور احمد سيف بالحصا رئيس جمعية المقاولين ستساهم في مكسبين مهمين الأول توفير مادتي الاسمنت والحديد اللتين يعاني السوق من شحهما بسبب الطلب المتزايد في سوق الإنشاءات فارتفعت أسعارهما على أيدي التجار بعد ارتفاع أسعار موادهما الخام محليا وعالميا فيما يتعلق بالاسمنت، أما المكسب الثاني فينحصر في تثبيت أسعار تكاليف البناء والعمل على استقرارها ما يؤدي إلى تثبيت تكلفة المشاريع ومن ثم ثبات أسعار البيع والتأجير على المدى البعيد.
ويؤشر الدكتور بالحصا إلى مسألة مهمة وهي بأن إعفاء تلك الواردات من الرسوم لا تعني بالضرورة تناقص أسعار الاسمنت والحديد فنحن نتوقع بأن أسعار الاسمنت الذي سيتم توريده سيصل إلى السوق المحلية بالأسعار السائدة وربما أكثر بقليل.ويوضح بالحصا ذلك بقوله يجب التفريق بين المكاسب المهمة التي ستتحقق عقب تطبيق قرار الإعفاء على صعيد توفير المواد والقضاء على شح المعروض وهذا سيقود إلى تثبيت تكاليف التنفيذ وبين ان نتحمس كثيرا لنعتقد بان ذلك سيصل إلى درجة انخفاض الأسعار.
فالقرار جاء ليساهم بقوة لإنهاء معاناة قطاع الإنشاءات الذي يعاني من نقص هائل في مادة الاسمنت والحديد ولم يأت لتخفيض أسعارهما حرصا على إبقاء السوق في المعترك التنافسي. لكن ـ يضيف بالحصا ـ هذه الخطوة لن تمنع من المساهمة في استقرار الأسعار على المدى البعيد فيما يتعلق بالإيجارات وأسعار بيع العقارات.
خطوات أخرى
وجاءت آراء المهندس رياض كمال الرئيس التنفيذي لـ «آرابتك القابضة» مؤيدة لما ذهب اليه بالحصا فالإعفاء الجمركي ليس من شأنه العمل بشكل مباشر وفوري كبح جماح سوق الإيجارات او أسعار بيع العقارات فهذا الأمر كما يقول كمال «تحديد القيمة أمر والإعفاء أمر آخر».
ولكنه سيمكن الموردين من زيادة المعروض والقضاء على النقص الحاصل في السوق لكنه لن يقلل أسعار تلك المادتين لأنهما تعانيان ارتفاعات سعرية عالمية وليست محلية فقط وبالطبع لا يمكن إنكار أن إعفاء تلك الواردات من الرسوم سيؤدي إلى تقليل التكلفة بنسبة 5% بالنسبة للمالك والمقاول الذي سيستفيد من أمرين الأول سد النقص وتوفر المادة وتوفير بنسبة طيبة لأبرز مادتين من مواد البناء الرئيسية.
ولكن كمال يعتقد ان ثمة خطوات أخرى اذا تم اتخاذها ستسرع من خلق الاستقرار الذي ينادي فيه الجميع خاصة اذا «قامت وزارة الاقتصاد باتخاذ خطوات مماثلة بشأن مصانع الاسمنت المحلية من خلال إلزامها بالوصول بطاقتها الإنتاجية إلى أقصاها وعدم التعذر بإجراء الصيانة» حسب تعبيره.
ويرى كمال ان من المنطقي «تحديد سعر كيس الاسمنت مع تحديد هامش الربح لتلك الشركات، وعدم إطلاق العنان لها لفرض أسعار غير معقولة على أصحاب البناء والمقاولين، مؤكداً أن المبادرة الطيبة التي اتخذها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله)، تأتي في سياق حرصه على دعم القطاع الخاص أيضاً الذي يعتبر شريكاً رئيسياً في دفع عجلة التنمية والبناء بالدولة، بالإضافة إلى تخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين».
أمنية
وتمنى كمال «أن لا يواجه سوق الإنشاءات المزيد من الأزمات فهناك مهام كبيرة يتولى تنفيذها». وقد تبدو أمنية المهندس الأول في ارابتيك القابضة صعبة حتى في الظروف المختبرية!! حيث عاش قطاع التشييد أزمات متتالية ولا تعد أزمة مواد البناء سوى واحدة من ذلك المسلسل الذي يعرفه جيدا الدكتور احمد سيف بالحصا نظرا لقربه من هموم المقاولين بوصفه رئيسا لجمعية المقاولين بالدولة .
ولكن بالحصا يبدو أكثر المتحمسين إلى مفهوم «إذا كانت هناك أزمة فلنتجاوزها لا ان نتوقف عند أعتابها نوزع اللوم والعتب بحق وبدونه» فهو يتواصل مع وزارة الاقتصاد بشكل يكاد يوميا خصوصا عند اندلاع أزمة أو مشكلة يتعرض لها المقاولون.
وهو مؤمن تماما بأن الوزارة تؤدي واجبها بشكل رائع ولا تدير ظهرها لكل الاقتراحات التي تقدمها الجمعية وغالبا ما تتخذ القرارات بالتشاور معها وهو أمر مهم بالنسبة لقطاع تعتمد عليه الدولة في انجاز مهام جسيمة تتعلق بالبنية التحتية ومشاريع التنمية.
ولا يمانع بالحصا عند وصف شركات المقاولات بـ «المطلبية» ويقول «صحيح ان طلبات المقاولين في اطار القطاع الخاص كبيرة وعديدة ولكنها تأتي في سياق ما عهده القطاع من رعاية كريمة من القيادة الرشيدة لهذا القطاع بوصفه شريكا مهما في التنمية الشاملة».
وبات واضحا ان يعزز قرار الإعفاء مسيرة القطاع العقاري ككل، بالإضافة إلى بقية القطاعات المرتبطة بصورة مباشرة مثل قطاع النقل والمواصلات، وقطاع الخدمات، لاسيما عقب الارتفاع الخيالي الذي شهدته المنتجات الإسمنتية وعلى رأسها الطابوق والانترلوك، واللوائح الجدارية والمعدات الخرسانية المسلحة.
وتبرز أهمية قطاعي العقارات والمقاولات حيث يلعبان دوراً كبيرا ولا يستهان به في الناتج المحلي حيث بلغت نسبة مساهمتهما نحو 8% من الناتج الإجمالي لعام 2007 كما يعدان من بين أكثر القطاعات نمواً. أن تأثيرات القرار سوف تنعكس إيجاباً على أسعار الاسمنت بالسوق المحلية، وسوف تشجع المقبلين على البناء على تسريع انجاز معاملاتهم، خصوصاَ وان بعض الملاك عمد إلى تأجيل البدء في مشروع البناء مع الارتفاع الذي شهده قطاع الإنشاءات.
تحليل ـ مشرق علي حيدر