مع تجاوز أسعار النفط حاجز المئة دولار، ورفع شركات توزيع المحروقات الثلاث «ايبكو» و«اينوك» و«إمارات» اعتباراً من أمس الاثنين سعر الديزل بنسبة تبلغ 3. 2%، وبزيادة 30 فلساً، ليصل سعر الجالون إلى 1. 13 درهماً.
وهي الزيادة الثالثة للديزل منذ مطلع العام الجاري، برزت مجدداً عملية الشد والجذب في تسيير التوازن الحرج بين كبح ضغوط التضخم، والحفاظ على قوة النمو بشكل مستدام وصحي، وقفز إلى قلب هذه المعادلة معضلة تسيير التوازن الحرج بين مصالح شركات توزيع المنتجات البترولية من جانب ومصالح القطاعات العقارية والصناعية من جانب آخر.
وتطل معالم هذه المعضلة الشائكة على الواجهة مع كل زيادة في أسعار المحروقات، نظراً لما ينطوي عليه هذا الارتفاع من تأثيرات بالغة على قطاعات الصناعة والعقارات والنقل من ناحية تصاعد التكاليف، في الوقت الذي تطلع فيه شركات توزيع المنتجات البترولية إلى ترك هذه الأسعار لقوى العرض و الطلب، بالنظر إلى كونها تعتبر في المحك النهائي شركات تجارية من حقها تحقيق أرباح مثل بقية شركات القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وتنذر أسعار النفط المرتفعة بتعرض شركات توزيع المنتجات البترولية لنزيف خسائر مستمر ناجم عن الخسائر المترتبة على فروق الأسعار بين أسعار المنتجات البترولية على المستوى العالمي، وأسعارها في الأسواق المحلية، وهو ما قد يجعل هدف الوصول إلى نقطة التعادل بين الإيرادات والمصرفات مطمحاً عزيز المنال على أجندة الأهداف الاستراتيجية لهذه الشركات.
ورغم عدم توافر معلومات شاملة وحديثة عن خسائر هذه الشركات، إلا أن هناك تقديرات تظهر من فينة لأخرى، فعلى سبيل المثال، توقع متحدث رسمي باسم شركة «اينوك» للبترول في مارس الجاري أن يزداد حجم خسائر الشركة من بيع البنزين في حال استمرار سعر برميل النفط فوق 100 دولار لتتجاوز ملياري درهم خلال العام الجاري مقارنة 2 1. مليار درهم خلال العام 2007 .
حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى مزيد من الخسائر للشركة، موضحاً أن شركة ايبكو التي لا تمتلك النفط الخام لذلك فهي مضطرة لشرائه بأسعار عالمية مرتفعة وبالتالي زيادة حجم خسائرها . وأضاف أن أسعار البنزين تفتقر إلى الدعم الحكومي على عكس دول الخليج والدول الأخرى لبيعه بالأسعار الملزمة مما يؤدي إلى قيام شركات توزيع البترول بدعم الأسعار المنخفضة للبنزين للمستهلكين حيث تؤثر هذه الحالة بشكل خطير وسلبي على السيولة النقدية لهذه الشركات التي تواجه مشاكل مالية كبيرة.
فروق الأسعار
كما تواجه مؤسسة الإمارات العامة للبترول (إمارات) وضعاً ضاغطاً ناجماً عن فروق الأسعار العالمية لبيع البنزين بالجملة وأسعار البيع المحددة محلياً، نتيجة لنهوض الدولة بمسؤوليتها الاجتماعية في مجال تسعير الوقود، مما يعني تكبدها وتكبد غيرها من الشركات العاملة في البلاد لخسائر كبيرة دورية، وتضع هذه الصيغة شركات بيع الوقود بالتجزئة في موقف صعب إي إنها معرضة للخسائر في حال تقلب الأسعار العالمية.
وتفيد هنا تقديرات المؤسسة في عام 2003 أن متوسط الخسائر الشهرية يبلغ 15 مليون درهم ( 1. 4 ملايين دولار) والتي يتم تعويضها من ارباح النشاطات الأخرى التي تمارسها إمارات وخاصة قطاع الزيوت وبيع وقود الطائرات.
وقد حققت إمارات في عام 2002 نمواً سنوياً بمعدل وسطي بلغ 12%، وبلغت العوائد الإجمالية نحو 5. 2 مليار درهم (681 مليون دولار) فيما بلغ صافي الارباح نحو 240 مليون درهم (6. 66 مليون دولار). وتقدر آراء بأن شركتي «اينوك» و«إيبكو» تخسران ما يصل إلى 5. 4 دراهم لكل جالون يتم بيعه، متضمناً تكاليف التخزين.
وبالتالي، تقع شركات توزيع البترول بين فكي الكماشة من حيث الخسائر الناتجة عن مبيعات البنزين، وضرورة رصد المزيد من الاستثمارات المالية لإنشاء العديد من محطات البترول لمنع حدوث مشكلة تكدس وطوابير سيارات في منافذ بيع البترول عاماً بعد الآخر.
ضغوط التضخم
ويزداد الوضع تعقيداً على أرضية التحذيرات التي أطلقتها بعض التحليلات من أية زيادات في أسعار الوقود المحلية تواكب أسعار خام النفط الدولية التي من المتوقع أن تحافظ على مستوياتها المرتفعة، حيث حذّر بعض المحللين من أن مثل هذا التحرك سيولد ضغوطاً تضخمية تفضي إلى عرقلة الجهود المبذولة والرامية إلى ضبط إيقاع ارتفاع الأسعار.
وأفادت آراء بعض المحللين أنه إذا ما قامت شركات الوقود بزيادة أسعار الجازولين والمحدد من قبل الحكومة وإذا ما سلكت أسعار الديزل مسار الصعود، فإنه من المقدر أن تنعكس هذه الزيادة في تكلفة الإنتاج بالنسبة للصناعات وأسعار المنتجات الزراعية والمصنعة، ومن ثم، فإنه في حالة صعود أسعار الوقود، سينقل المنتجون التكلفة إلى المستهلكين عن طريق تسعير منتجاتهم بمستويات سعرية أعلى، وبالتالي، تحتاج الإمارات أن تضع نصب عينيها ارتفاع التضخم وارتفاع أسعار الوقود.
وتفيد آراء بأنه من المتوقع أن تنعكس أي زيادات في أسعار الديزل على تكلفة الإنتاج بالنسبة للصناعات وأسعار كافة المنتجات الزراعية والصناعية، وذلك في حالة ما إذا قامت شركات توزيع المنتجات البترولية برفع أسعار الجازولين، حيث سيقوم المنتجون بنقل هذه الزيادات إلى المنتجين عن طريق رفع أسعار منتجاتهم.
وأوصت هذه الآراء بأن تراقب الدولة عن كثب صعود التضخم وارتفاع أسعار الوقود. وكان معالي المهندس سلطان بن سعيد المنصوري وزير الاقتصاد قد صرح مؤخراً بأن الحكومة تستهدف الوصول بمعدل التضخم خلال العام الجاري 2008 إلى 5% مقابل 9% العام الماضي، موضحاً أن الدولة تخطط لتنفيذ مجموعة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية الرامية إلى الحد من الغلاء ومكافحة ارتفاع الأسعار.
وقد سجل التضخم في الإمارات 3. 9% في عام 2006 وهو أعلى مستوى منذ 19 عاماً، وقال بنك أبوظبي الوطني في مذكرة الشهر الماضي إن التضخم ربما يكون قد ارتفع إلى 9. 10% العام الماضي. وفي هذا السياق، يتخوف قطاع المقاولات من قيام شركات توزيع المحروقات برفع أسعار الديزل، مما يشكل تحدياً كبيراً أمام المقاولين والشركات العاملة.
الأمر الذي دفع جمعية المقاولين في الإمارات إلى تقدير أن ارتفاع أسعار الديزل قد أدى إلى ارتفاع بأسعار مواد البناء بنسبة تتراوح ما بين 10 ـ 15 بالمئة معتبرة أن ذلك بات يهدد شركات المقاولات إذ أن ما تمثله تكاليف المحروقات وخصوصاً الديزل بالنسبة للتكاليف الكلية قد تصل إلى 10 بالمئة، حيث ترتفع أسعار المواد المرتبطة بشكل مباشر.
مثل النقل وتشغيل الآليات بنسبة مقاربة لنسبة الزيادة، بينما تصل الزيادة إلى مثلي حجمها في التكاليف غير المباشرة، حيث يتم احتساب الزيادة في كل مرة ضمن سلسة الأعمال المرتبطة، مثل قطاع الاسمنت الذي تنعكس أسعار الديزل على كلف(تشغيل المصانع) والنقل (نقل المواد الخام ومن ثم نقل المنتج) وكذلك الأمر بالنسبة للخرسانة الجاهزة.
توقعات برفع الأسعار
وترددت مؤخراً أنباء عن تطلع شركات توزيع المنتجات البترولية لقيام الحكومة بزيادة أسعار الجازولين التي حافظت على مستويات من دون تغيير على مدار ما يزيد على عامين. ويبلغ سعر أرخص أنواع الجازولين في السوق المحلي نحو 75. 5 دراهم للجالون، أي 5667. 1 دولار، فيما يبلغ في المملكة السعودية، وهي أكبر دولة منتجة للنفط نحو 91. 0 دولار في عاصمتها الرياض.
وفي الكويت تبلغ أسعار الوقود 78. 0 دولار للجالون فيما يتم بيعة ارخص بكثير في فنزويلا، وذلك عند سعر 12. 0 دولار للبرميل، وفي الولايات المتحدة التي تعتبر أكبر دولة مستوردة للنفط، يبلغ متوسط سعر التجزئة للجازولين حوالي 787. 2 دولار للجالون، ويبلغ سعر الجازولين في بومباي عاصمة الهند التجارية نحو 40. 2 للجالون.
ورغم أن أسعار الوقود في الدولة تعتبر أرخص بالمقارنة مع مثيلاتها في أوربا والولايات المتحدة، إلا أن بعض آراء المحللين أوصت بإعطاء الأولوية لضبط أسعار الوقود، باعتبار أن الاستهلاك المحلي للوقود يشكل جزءاً يسيراً من الصادرات النفطية للإمارات، وأنه من الصعب حدوث تغير ملحوظ في عائدات البلاد من الصادرات النفطية المزدهرة حتى لو حتى تخصيص كمية أكبر من النفط الخام للاستهلاك المحلي.
مخاطر التضخم
وتشير آراء محللين إلى أن شركات توزيع المنتجات البترولية المحلية تسعى إلى إقناع الحكومة بزيادة الأسعار، ونقلت تقارير صحافية عن مصادر في صناعة النفط قولها بأن شركات توزيع المنتجات البترولية يأملون بأن تسمح الحكومة بزيادة أسعار الجازولين والتي بقيت عند هذا المستوى لمدة تزيد على عامين.
ويعتبر القطاع البترولي في الدولة المساهم الرئيسي في بناء قاعدة التنمية الاقتصادية الشاملة وذلك لأن إيرادات صادرات الدولة من النفط الخام والغاز الطبيعي تعتبر مورداً رئيسياً لمواردها المالية، وتلعب دوراً بارزاً في تنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية ومتطلباتها وتمثل قيمة الصادرات البترولية نسبة كبيرة من إجمالي صادرات الدولة.
وتحتل الإمارات المركز الثالث من حيث احتياطي النفط في العالم حيث ارتفعت من 30 مليار برميل من النفط في السبعينات إلى نحو 8. 97 مليار برميل بنهاية العام 2004 فيما ارتفع احتياطها من الغاز الطبيعي من 626 مليار متر مكعب إلى أكثر من 6 تريليونات متر مكعب .
لتحتل بذلك المرتبة الثانية عربياً والرابعة عالمياً من حيث الاحتياطي العالم من الغاز الطبيعي وتعد الإمارات تاسع اكبر دولة منتجة وسادس اكبر دولة مصدرة للنفط في العام، تمتلك الإمارات العربية المتحدة احتياطيات من الغاز تبلغ ( 1. 6 ) تريليونات متر مكعب حالياً وهذا يضعها في المرتبة الخامسة على المستوى العالمي بعد روسيا وإيران وقطر والمملكة العربية السعودية.
وقد قامت الدولة بزيادة أسعار المحروقات في سبتمبر 2005، بسبب الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية. وبذلك ارتفع سعر جالون البنزين (اوكتين 95) 25. 6 دراهم (70. 1 دولار) بعد ان كان 75. 4 (29. 1 دولار) بينما أصبح سعر البنزين (اوكتين 98) 75. 6 دراهم (83. 1 دولار) بعد ان كان 25. 5 دراهم (43. 1 دولار).
أما جالون الديزل فقد أصبح سعره 7. 7 دراهم (09. 2 دولار) بعد ان كان 30. 6 دراهم (71. 1) دولار. وتبلغ سعة جالون البنزين في الإمارات أربعة لترات. وبلغت الزيادة في سعر جالون البنزين (95) أكثر من 31 بالمئة في حين بلغت نسبة زيادة جالون بنزين (98) أكثر من 28 بالمئة نسبة زيادة جالون الديزل أكثر من 22 بالمئة.
ومن ثم، تبلورت معادلة ذات طرفين متناقضين تشكل تحدياً صعباً في دنيا المال والأعمال، يتمثل طرفها الأول في إنجاز التوسعات التي تكفل لشركات تحقيق الرسالة التي وضعتها نصب عينيها بأن تكون شركات ذات مصداقية في مجال الطاقة على المستويين المحلي والدولي.
وان تكون إحدى القسمات الرئيسية المعبرة عن الدولة كمركز للتجارة والاقتصاد، أما الطرف الثاني من المعادلة، فيتمثل في نهوض الدولة بمسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية في مجال تسعير الوقود بما يسهم في خفض الأسعار وكبح ضغوط التضخم.
ارتفاع أسعار الديزل في الأسواق العالمية
وقد قفز متوسط سعر الجازولين في الولايات المتحدة خلال الأسبوعين الأخيرين المنتهيين بتاريخ 24 فبراير بواقع 16% ليصل إلى 10. 3 دولارات للجالون، وذلك بحسب الدراسة المسحية التي أجراها تريبي ليندبيرج محلل الصناعة النفطية وشملت 7000 محطة توزيع بالولايات المتحدة.
وفي 19 فبراير، سجلت عقود الجازولين الآجلة في بورصة نيويورك التجارية سعراً بلغ 6169. 2 دولار للجالون، وأظهر تقرير صادر عن وزارة الطاقة الأميركية في 21 فبراير أن استهلاك الجازولين خلال الأسبوعين الأخيرين زاد بنسبة 3. 2% ليصل إلى 13. 9 ملايين برميل يومياً.
وعلى نفس المنوال، قفز سعر التسليم الفوري للديزل في أوروبا إلى مستوى قياسي، وذلك بناء على تكهنات بصعود الطلب العالمي على النفط رغم مخاطر تباطؤ وتيرة النمو في الولايات المتحدة، وارتفع سعر الوقود للتحميل الفوري في منطقة (أمستردام ـ روتردام ـ آنتويرب) بواقع 25. 1 دولار أو 25. 1% ليصل إلى 884 دولاراً للطن المتري.
وهو ما يعادل السعر القياسي الذي بلغه في 20 فبراير، وذلك بحسب البيانات التي جمعتها وكالة بلومبرج، كما قفز سعر الديزل في ألمانيا ـ بحسب بيانات بلومبرج في 22 فبراير ـ بواقع 75 سنتاً ليصل إلى 921 دولاراً للطن، وأغلق في 21 فبراير في بورصة إنتركونتينتال بلندن عند سعر قياسي بلغ 921 دولاراً للطن.
وفي السياق ذاته، قفزت علاوة المتاجرة على الديزل في آسيا لأعلى مستوياتها في أربعة أشهر نتيجة لتقلص إنتاج المصافي، وزيادة الاستهلاك في الصين والشرق الأوسط، حيث قفزت العلاوة إلى 30. 1 دولار لبرميل، وذلك بحسب البيانات التي قامت وكالة بلومبرج بتجميعها والمنشورة بتاريخ 21 فبراير.
وقد رفعت كل من الصين واندونيسيا وارداتهما من الديزل لتزيد مولداتها الكهربائية بالوقود، وذلك بعدما تقلصت إمدادات الفحم بسبب سوء الأحوال الجوية، كما قلصت منطقة الشرق الأوسط لصادرتها من المنتجات البترولية، وتحولت إلى شراء الشحنات من سوقي سنغافورة وكوريا الجنوبية لتلبية احتياجات طلبها المحلي الآخذ في الصعود، فعلى سبيل المثال.
وبحسب أقوال جاسون لي بشركة «إس كيه نيتويركيس» بسيول لوكالة بلومبرج بتاريخ 22 فبراير، تحولت الإمارات مؤخراً إلى إلى مشترٍ منتظم، حيث تقوم بشراء ما يتراوح بين شحنتين أو ثلاثة شهرياً، كذلك، تحولت إيران إلى استخدام الغاز البترولي وزيت الوقود للتغلب على مشكلة نقص الغاز الطبيعي.
وورد في تقرير صادر عن مؤسسة «فاكتس إنيرجي» أن المولدات الإيرانية تستهلك يومياً زيت وقود بمقدار 42 مليون لتر أي ما يعادل 11 مليون جالون، وغازاً بترولياً بحجم مقداره 30 مليون لتر يومياً. وقد قلصت المصافي في آسيا من إنتاجها نتيجة انخفاض أرباح معالجة النفط الخام في الشهر الماضي، ومن ثم، ومع قيام المصافي بالسحب من المخزون، ارتفعت أسعار المنتجات المكررة بما في ذلك الجازولين والنافثا.
دبي ـ مجدي عبيد