لا شك أن الاستثمار في الأسواق المالية أصبح أحد الخيارات المفضلة لشريحة مهمة من المستثمرين في المنطقة، وعادة ما يهدف الفرد من الاستثمار إلى زيادة ثرواته والمحافظة عليها في ظل الارتفاع المتواصل في نسب التضخم، وبالتالي الانخفاض المستمر في القوة الشرائية للأموال النقدية، وقاعدة المستثمرين في الأسواق المالية العربية اتسعت بشكل كبير خلال السنوات الخمس الماضية في ظل ارتفاع العائد وسهولة الاستثمار ودخول وسائل التكنولوجيا الحديثة.

وبالمقابل، محدودية فرص الاستثمار البديلة، خاصة بالنسبة لصغار المستثمرين، والاستثمار في الأسواق المالية يحمل معه مخاطر متنوعة، وأول هذه المخاطر هو عدم تأكد المستثمر من الحصول على العائد المتوقع، فقد يتحقق أو لا يتحقق نظراً إلى العديد من المخاطر النظامية وغير النظامية التي تحيط بعملية الاستثمار، وضعف الوعي الاستثماري يجعل شريحة كبيرة من المستثمرين تنظر إلى العائد وتتجاهل مخاطر الاستثمار في الأسواق.

كما أن الاستثمار في الأوراق المالية بطبيعته استثمار طويل الأجل، أي أن المستثمر يحتاج إلى مدة زمنية طويلة نسبياً حتى يستطيع التمتع بفوائد ومزايا هذا الاستثمار، والأمثلة لدينا كثيرة جداً حول المكاسب الكبيرة التي حققها عدد كبير من المستثمرين في أسهم العديد من الشركات القيادية.

واللافت للانتباه أن نسبة مهمة من المستثمرين في الأسواق المالية الخليجية والعربية، وخاصة المستثمرين الجدد الذين دخلوا الأسواق قبل عدة سنوات يفضلون المضاربة، أي الدخول والخروج السريعين على الاستثمار طويل الأجل، بحيث أصبحت سيولة المضاربين تشكل حوالي 80% من سيولة بعض الأسواق.

والمعلوم أن الفرق بين الاستثمار والمضاربة ينحصر بصورة أساسية في اختلاف العوائد المتوقعة والمخاطر المحتملة ومدة الاستثمار، وانخفاض الوعي الاستثماري يرفع مستوى مخاطر المضاربين في الأسواق المالية، وبالتالي لاحظنا حجم الخسائر التي تعرض لها صغار المضاربين خلال الفترة الزمنية الماضية.

والملاحظ خلال هذه الفترة وسبب التذبذب المستمر في مؤشرات الأسواق المالية وتعدد المخاطر النظامية وغير النظامية، وخاصة بعد دخول الاستثمار الأجنبي المؤسسي والارتباط النفسي والمادي بين أسواق المنطقة والأسواق العالمية تحول بعض المضاربين إلى الاستثمار طويل الأجل، والبعض أصبح يفضل الاستثمار في الأسواق المالية من خلال صناديق الاستثمار المشتركة.

كما أن قرارات هيئة الأوراق المالية بفصل حسابات العملاء لدى شركات الوساطة يخفض أيضاً حجم المضاربة في السوق، والانخفاض التدريجي في نسبة سيولة المضاربين في الأسواق المالية تساهم في رفع تدريجي في مستوى كفاءة الأسواق ومستوى نضجها، وبالتالي تصبح الأسواق أكثر استقراراً ولا تتأثر سلباً بعوامل هامشية أو غير منطقية.

بحيث تنتقل صناعة القرار الاستثماري إلى العقل والمنطق بدلاً من العواطف والمشاعر والاعتماد على الشائعات والسير خلف الجموع، وبالتالي انحسار الفجرة بين الأسعار السوقية لأسهم الشركات المدرجة وأسعارها العادلة.

وتتوزع السيولة على جميع الفرص المتوافرة داخل الأسواق بدلاً من تركزها على أسهم عدد محدود من الشركات، ما ساهم في تخفيض الفرص الاستثمارية المتوافرة داخل هذه الأسواق، ولا يختلف اثنان على أهمية وجود المضاربين في الأسواق، فهم حسب أدبيات البورصات كالملح في الطعام، قليلة مطلوب ومفيد وكثيرة ضار، ووجودهم يساهم في خلق سيولة دائمة في الأسواق أي بائعين ومشترين على أسهم الشركات المدرجة، بينما ترتفع مخاطر الأسواق عندما تصبح المضاربة هي الأساس والاستثمار طويل الأجل هو الاستثناء.

وإذا كانت نسبة المضاربين تشكل حوالي 80% خلال هذه الفترة، فإنني أتوقع انخفاض هذه النسبة إلى 50% خلال العام 2010، والحصة الباقية من نصيب الاستثمار المؤسسي والاستثمار طويل الأجل، وهذا بالطبع سوف يساهم في انخفاض مخاطر الأسواق وتحسن عوائدها.

وبالتالي نمو قاعدة المستثمرين فيها والذي بدوره يؤدي إلى توسيع الملكية في المجتمع وتوزيع مكاسب التنمية على مختلف شرائح المستثمرين.

زياد الدباس