لم يكن غريباً أن يفوز فيلم «لا وطن للمسنين» بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل سيناريو وأفضل ممثل مساند لخافيير بارديم ولكن الغريب أن قوة دور انطون شكور أو خافيير بارديم دفعت الفيلم بعيداً عن الحدث الرئيسي وجعلت اهتمام المتفرج ينصب حول وحشية انطون شكور وسعيه للقتل الرحيم كما تقتل الأبقار.

ولكن كل هذا يجب ألا يدفعنا بعيداً عن العمق الذي يأخذنا إليه الفيلم من خلال القصة الأساسية وهي قصة المأمور ايد توم (تومي لي جونز) الذي هو نتاج أسرة انخرطت في حفظ الأمن أباً عن جد ولكن بعد أكثر من 20 عاماً من العمل مأموراً وجد أن الأحداث من حوله لم تعد تحتمل وأحس ان غربته في وطنه أكبر وان قدرته على التغيير صارت أقل وأقل فلم يعد كونه رجل أمن كافياً لدرء الجريمة، فأسلافه لم يستخدموا العنف أبداً في عملهم.

ولكنه اليوم يرى الوحشية في كل ما حوله.. غربته الكبرى انه في وطنه في مدينته في قريته في مركز الشرطة الذي هو سيده لا يملك الإحساس بالأمان.. هل أصبح عجوزاً كما يوحي عنوان الفيلم أم أن هناك عوامل أكبر تدفعه للإحساس بالعجز والغربة..أحلامه وهما في الفيلم حلمان، حلم يشير إلى فشله وعجزه وحلم آخر ينبئه بالنهاية القريبة وان عليه تتبع أسلافه إلى عالم آخر يدفعانه للتسليم بأن ما يدور من حوله أقوى منه وان سيادته المطلقة لم تكن كما كانت.. عجزه هنا انه في موقف لا يستطيع أن يغيره مثل التركيبة السكانية عندنا أو مثل الاحتلال الأميركي للعراق حيث يجد العراق نفسه أسيرا لقوى أكبر منه.

في (لا وطن للمسنين) هناك مساران للأحداث، مسار جذب كل الاهتمام ومسار آخر وهو الأكثر عمقا ولكنه لم يتطرق له الكثير من المحللين والنقاد.. نحن هنا أمام الشريف أو المأمور ايد توم الذي يحس أن ما يدور من حوله أصبح غريبا حيث يذكر انه ألقى القبض على فتى قتل صديقته لا لدافع معين سوى رغبته في معرفة كيف يكون القتل..

هذه الدوافع المتضاربة وهذه المبادئ المعكوسة هي أساس القصة التي تحكي أيضا قصة مطاردة بين قاتل مأجور ورجل قرر أن يحتفظ بالنقود التي وجدها نتيجة صفقة مخدرات فاشلة بدلا من أن يفعل الصواب بتسليم الأموال إلى جهات الأمر.. ايد توم يعرف جيدا إلى أين تتجه الأحداث وهو بخبرته الواسعة يعرف ماذا حدث ويعرف كيف ستتطور الأحداث ومن هنا رأيناه يتجه إلى منزل لولين موس الذي قرر الاحتفاظ بالنقود ولكنه يجد نفسه وقد تأخر قليلا..

انطون شكور وصل قبله ولكنه لم يجد لولين ولا زوجته ومن هنا بدأت مطاردة ثلاثية بين رجل يهرب بالمال ورجل آخر يريد انجاز مهمته مهما كلفه الأمر.. الشريف يحمل خبرته والقاتل المأجور يتبع جهاز تعقب بين النقود المسروقة.. الشريف يتجه إلى الزوجة ويطلب منها إخباره إذا ما اتصل بها زوجها بينما القاتل لا يتردد في استخدام اسطوانة الغاز لقتل كل من يقف في طريقة..

لولين موس هو الآخر لا يقل عنادا ورغبه في الحصول على المال وفتح صفحة جديدة بعيدا كل من حوله.. بالنسبة لانطون كان الخيار المتاح للولين هو التسليم وإعادة المال ثم قتله، أما الخيار الثاني فكان قتل زوجته أيضا.. لولين يعرف أن الأمر أصبح أكبر وان عليه إما الهرب أو التخلص من انطون لإنقاذ زوجته وحياته.

مبادئ معكوسة وأحداث لم يتعودها المأمور تدفعه للتفكير بعيدا عن كل هذه الأحداث هل حان وقت التقاعد هل حان الوقت بالنسبة له للتسليم ان التغيير من حوله أكبر وان النتائج قد لا تكون كما يريد هو أو بمعنى ليست كما تربى من مبادئ وقيم.

ايثان وجول كون في هذا الفيلم يقدمان قصة يمتزج فيها أسلوبهما المعروف بإحداث ومواقف أكثر عمقا وربما كان هذا الفيلم احد أهم وأفضل أعمالهم، ولكن لا وطن للمسنين يتفوق في جوانب عديدة وخاصة في شخصية الشريف التي تعكس توجها شديدا نحو الواقع العام والتطور الذي قد لا يكون دائما جميلا..

هل ما نراه في هذا الفيلم يعد تحذيرا بأن رياح التغيير قد تدفع الكثير من الشرفاء للتنحي والانزواء لأن قوى الشر كانت أكبر واقسى.. فعدا المأمور تستطيع التعاطف معه في هذه القصة، فكل الدوافع الأخرى تحمل الكثير من الشوائب وحتى المأمور نفسه رغم كل شيء ورغم أدائه لواجبه إلى أن هناك إحساسا أكبر بالعجز والغربة يصبغ الأحداث بصبغة داكنه من العنف والقتل وقبل ذلك اليأس والاستسلام.

وتناقض إنساني آخر قاد هذا الفيلم نحو الانفعالات المتضاربة، ففي حين رأينا لولين موس لا يتردد في الاستيلاء على الأموال إلا أن توسل المهرب المكسيكي للحصول على المياه سيطر عليه وأعاده إلى مكان الأحداث من جديد حاملا زجاجة ماء ليجد نفسه في وسط الأحداث ويكشف نفسه للمهربين الذين انطلقوا خلفه بعد أن عطبوا سيارته ومن ثم عن طريق السيارة يكتشف الشريف تورط لولين ويحاول اللحاق به للسيطرة على الوضع قبل تفاقمه.

دبي ـ محمد سلطان ثاني