جزء من فضول، جزء من تردد، جزء من قلق، من حصار، من خيانة، من فرح، من شك، من رغبة، من وجع. هذه الأجزاء السابقة يجمعها المخرج السوري أمجد طعمة في ثنائياته المفعمة بالحركة والحوار والانفعال، ليصوغها حكاية مسرحية بسيطة يتوّجها الحب بداية ونهاية.

ينسج طعمة أجزاءه (عنوان العرض) من هوامش كتبها الصحافي الكبير طلال سلمان قبل عدة أعوام تحت عناوين مختلفة (أقول نسمة ـ تهويمات)، ليستخرج روح الكلمات ويعيد مسرحتها ضمن حوارات مختلفة لثلاث ثنائيات عاشقة تستخدم لغات متعددة (فصحة ـ محكية ـ رقص) لتعبر عن حبها للشريك.

ويبرر ذلك بقوله: هذه الحالات الثلاث تشبهني، أنت ترى في العامية أن هذا الموقف حدث معك، وبالفصحى تعتقد أن هذا الشيء فكرت أو حلمت به، وبالرقص تحس أن هذا الشيء موجود في عالم آخر ستجده فيما بعد، ببساطة هذه هي الأجزاء. العمل يرصد كافة حالات الحب (الانفعال ـ الشك ـ الفضول ـ الصمت)، حيث يبدأ العرض بمفردة حركية (حركة أرجل) تؤديها «رغدة شعراني» ويتصاعد تواترها عند بقية شخصيات العرض، لتنتهي بالسكون.

ويسرد العاشقان عبر ثنائياتهما المتتالية جملة من الذكريات في جو حميمي تارة مشحون تارة أخرى، وينتهي بهما المطاف إلى ممارسة الحب على الخشبة من خلال الرقص التعبيري الذي يجد المخرج أنه الشكل التعبيري الأنسب لذلك «طالما أنك لا تستطيع ممارسة الجنس على المسرح». ورغم أن البعض يأخذ على المخرج استخدامه جرعة زائدة من الصراخ لدى أحد العاشقين (شادي مقرش)، غير أنه يبرر ذلك بأن قصص الحب عندما تبلغ ذروتها تحمل انفعالاً زائداً ومبالغ فيه من قبل العشاق.

ما يميز العرض هو اعتماده على المسرح المكشوف، حيث تبقى الشخصيات على الخشبة مع تنقل الإضاءة بين ثنائية وأخرى، الأمر الذي يحول العمل إلى مشاهد تمثيلية منفصلة، والأهم من ذلك أن المخرج يلجأ إلى استخدام جميع «مفردات العاشقين» في العرض، حيث نشاهد الستائر الزرقاء الشفافة، إضافة إلى الكرسيين المتقابلين التي تأخذ الأولى شكلاً ذكورياً فيما تأخذ الثانية شكلاً أنثوياً، فضلاً عن الطاولة التي تحوي كأسين وشمعة حمراء، كل ذلك يضفي بعداً سحرياً على خشبة المسرح التي بدا المخرج موفقاً إلى حد كبير في رسم معالمها.

العمل ـ حسب المخرج ـ هو تجريب على مستوى النص والأداء والممثلين، كما أنه تجريب مع المتلقي، وحتى الموسيقى التي تأتي كعنصر مهم ومؤثر في تحريض المشاعر تخضع للتجريب، فهي تحتمل الخروج من البيت المجاور، كما تحتمل الخروج من جهاز الراديو.

ورغم أن طعمة يختم عمله بعبارة سلمان: «لا مفرد في حياتي، إن تحدثت سمع الناس صوتنا، إن كتبت قرأ الناس اسمنا، ولا مرة كنت وحدي»، لينتهي العرض بكلمة «أحبك» التي يتبادلها العاشقان، غير أنه (المخرج) يأتي في النهاية ليسدل الستار على عمله، حيث يطفئ الشمعة ليجلس على مقعده وحيداً كأي محبّ منسيّ في ضوء القمر، فيما يتبادل العاشقان في الخلف عبارات الغزل.

دمشق ـ حسن سلمان