شهدت الساحة السينمائية المصرية خلال العامين الماضيين أفلاماً جريئة بها نسبة من الحرية لم تعهدها من قبل، بل إن البعض وقف بالمرصاد لنوعية أفلام مثل عمارة يعقوبيان وهي فوضى وحين ميسرة، ووجه أصابع اتهام إلى الرقابة على المصنفات الفنية ورئيسها علي أبو شادي، وأدت تجاوزاتها وسماحها لمواضيع سينمائية صدمة لدى المتلقي في مصر والعالم العربي، بل إن البعض الآخر رمى بسهام الإسفاف والهبوط في عنق الرقابة، عندما سمحت بأغنيات لمطربين ومطربات حملت من الإيحاءات والتلميحات ما أفسد الذوق العام.. «البيان» حملت كل الأسئلة وألقت بها في سلة علي أبو شادي، الذي كانت إجاباته مثل السير على أسلاك شائكة، فتحت العديد من الجراح، وأسالت الكثير من علامات الاستفهام الخطرة.. وكان هذا الحوار:
* ألا ترى أن لديك حساسية شديدة تجاه الإخوان المسلمين وكل ما هو إسلامي؟ ـ البلاد العربية يوجد بها تيارات إسلامية متشددة، وليس بها كلها جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل بلد حر في الطريق الذي يسلكه، والمنهج الذي يتبعه، وهنا إسلام وهناك أيضاً إسلام، وليس في ذلك قضية، بل القضية أن تفرض نوعا آخر من الإسلام غير الإسلام الوسطي الذي يعيشه ويعرفه المصريون في مصر، وتفرض ذوقك الذي يرتبط بمعيار الحلال والحرام ـ ودليل ذلك إذا مثل واحد مع واحدة وقال لها أنا متزوجك فهذا حرام ـ وفكرة الحلال والحرام 24 ساعة في التمثيل مرفوضة، فالتمثيل محاكاة وليس أصلا، مثل لعبة الاستغماية، وهو أيضاً باللغة الانجليزية play يعني كلمة لعبة.
ـ لعبة الشذوذ الجنسي في فيلمي عمارة يعقوبيان وحين ميسرة كانت عالية، وكثير من الناس لم يتقبلها؟
ـ لأن الناس تخشى أن ترى ما هي فيه، هذه أشياء مسكوت عنها طول الوقت، وبمعنى أن ظاهرة الشذوذ موجودة، ولا يستطيع أحد نكرانها، وفي دول كثيرة في المنطقة العربية يوجد بها نسبة شذوذ عالية جداً، ولا أحد يناقش القضية، رغم أنها خطيرة جداً، وهناك أيضاً زنا المحارم وله أسبابه وموجود، لا أحد يجرؤ على فتح هذه الملفات، وفكرة أن تناقش هذه المشكلة هي القضية، والأهم كيف نناقشها، والموقف في هذه الأفلام معروف، هل هي مع أو ضد قضية الشذوذ، في عمارة يعقوبيان كان الموقف ضد، وعوقب الطرف الشاذ.
ـ ما هو المسموح والممنوع من وجهة نظرك كرئيس للرقابة في قضية الشذوذ الجنسي؟
ـ إذا كان هناك في نهاية الفيلم تحريض على الشذوذ وترويج له، فأنا ضد ذلك تماماً، وإذا كانت المسألة دعوة للحريات، فذلك أمر آخر وليذهب إلى أوروبا كل داع للشذوذ يفعل فيها ما يريد، هو حر فيما يفعله، والأمر تماماً مثل المخدرات، إذا كنت أظهرها في الأفلام فهل معنى ذلك أنني أروج لها، الترويج إدانة، والدعاية للخمور المحرمة مرفوض، فإذا أدنت كل ذلك فأنا معه، وإذا كنت قدمته مجانيا لفرجة الناس فأنا ضده، وعندما تقدمه كنتيجة لأعراض وأمراض كثيرة في المجتمع، أنا مع ذلك حتى تعرف الناس أين المرض وتعالجه.
ـ هل أنت مع ظهور هذه الصورة الشاذة والمختبئة في المجتمعات العربية بهذا الشكل الصادم في الأفلام التي ظهرت مؤخراً؟
ـ طول عمرنا في حاجة لهذا الشكل الصادم، لأن «الطبطبة» على هذه الأمور لا تفيد، يعني هل السكوت عنها كل هذه السنوات أفاد، من المؤكد لا، وهي ظاهرة موجودة بالفعل، ومناقشتها ضرورة، والعلم أفضل من الجهل بها.
ـ لكن المجتمعات العربية حالياً غير ممهدة لاستقبال مثل هذه الأفكار؟
ـ المجتمعات العربية ليست قاصرة، بل لديها حالة ذعر من أن ترى نفسها في المرآة، وترى أين أماكن التشوه وتعالجه، ولن تستطيع معالجة هذا التشوه إلا إذا شاهدته، والتطهير والتغيير يأتي من الفن، وهذه صورة الحياة على الشاشة والمسرح، وحتى رمز الشر إبليس كان عنصراً مؤثراً جداً في القرآن، وعنصر الشر هذا سمح له بإبداء وجهة نظره، فما الذي نخاف منه، هل ارتداء الملابس الكثيرة سيخفي الطفح الجلدي على أجسامنا؟!
للكبار فقط
ـ لماذا لم تضع لافتة للكبار فقط على فيلم حين ميسرة مثلما فعلت في عمارة يعقوبيان؟
ـ لافتة للكبار فقط في عمارة يعقوبيان كانت ضرورية، فهناك محاولة من الفتى الشاذ أن يبرر للصعيدي في الفيلم أسباب إغرائه، وأنه ليست هناك مشكله.. وأمور أخرى أردت ألا يفهمها الصغار فهما خاطئا، فهي صورة ساخرة، والفيلم يسخر من هذا التبرير المنحط، ومع ذلك وضعت لافتة للكبار فقط تفادياً لأي لغط أو تصور لدى بعض المتلقين، أما في حين ميسرة فالأمر مختلف.. ومشكلة التعامل مع الأفلام تتركز في انتزاعها من السياق، على طريقة ولا تقربوا الصلاة، دون إكمال وأنتم سكارى، فالآية لابد أن تقال كلها، والفيلم كذلك لابد أن يرى كاملاً، وهذه المناطق لو فيها تزايد أو تحريض على ذلك، أو فيها رغبة حتى لعدم إدانة هذا، كنت رفضتها تماماً ولن أسمح بها.
ـ هل ترى أن هناك مساحة حرية كبيرة موجودة في عهدك سمحت لهذه الأفلام أن يراها المشاهد؟
ـ وقبلي أيضاً كانت هناك مساحة حرية سمحت بعرض «حمام الملاطيلي» و«قطة على نار»، وكان فيهما تناول للشذوذ، لماذا لم يكن المجتمع في ذلك الوقت رافضاً لهذا، ويعتبرها مناقشة ظواهر، ولم يكن يتعامل معها على أنها حلال أو حرام أو يقترب منها بخوف، فالمتلقي تغير، أصبح أكثر محافظة وأكثر تطرفاً.
ـ تقصد أن المتلقي في المجتمعات العربية لديه ازدواجية؟
ـ التناقض من أن تقول شيئاً وتفعل شيئاً آخر، ومجتمعاتنا العربية تعيش ازدواجية هائلة، فالمتلقي يفعل سراً ما يرفضه جهراً، وهذه مشكلة ـ فالبعض يضع في سيارته زجاجات خمر، ويظهر أمام الناس انه شيخ ـ ولا يوجد مجتمع بدون أخطاء، بل يجب أن نواجه هذه الأشياء.
ـ لماذا لم تتغير قوانين الرقابة، هل آن الأوان لإحداث تغيير ما فيها؟
ـ لا للتغيير وهذه مصيبة أخرى، لأنها ستُوجِد مزيداً من الرقابة، مزيداً من حماية الأخلاق، مزيداً من عدم وعدم، وستجد نفسك محاطاً بكمية لاءات لا حدود لها، شأن ما حدث بعد قضية فيلم «المذنبون» سنة 76، حين أضاف الدكتور جمال العطيفي 22 محظوراً، وإذا أردت الآن دخول هذه القوانين للتغيير في مجلس الشعب المصري، فمعنى ذلك أن تقول على الفن السلام، فالأمر لن يتعدى الظهور بالحجاب بل بالنقاب، وأن مبدأ الحلال والحرام سيكون هو الأصل في الرقابة.
ـ إذن كل قلقك واعتراضك على تغيير القانون هو جماعة الإخوان المسلمين؟
ـ إنهم يقلقون الدنيا كلها، كل المشكلات تأتي من هذا التيار الذي يحاول أن يبتز الداخل وكل المجتمع، والآن أصبح الشخص العائد من الخليج المحمل بهذه الأفكار والذي يستطيع أن يدفع ثمن تذكرة السينما له ولأسرته، فيفرض الأفكار التي أصطحبها معه من هناك يتحكم في عمل الرقابة.
ـ كم هو حجم المنع في الرقابة؟
ـ لا يصل إلى واحد من الألف
ـ في أي نوع من الفنون؟
ـ في كل شيء عدا الأغاني، فكثير ما تعرض علينا أغاني كارثية، وهي ليست مكتوبة لا نعرف معناها، والغريب أن الأغاني الرديئة تحقق مبيعات أكثر من أي شيء آخر، فمن المسؤول عن هذا، ولماذا يشتري الناس الأغاني الرديئة، ويشاهدون أفلاماً رديئة، لماذا لا يقاطعون الأعمال السيئة؟
سلاح ذو حدين
ـ ولكن ألا ترى أن الرقابة بتسهيلاتها ساهمت في هذا الوضع السيئ؟
ـ هذه ليست وظيفتي، لسبب بسيط هذا سلاح ذو حدين، سلاح الفن وهو وجهات نظر، يعني أنه إما أن أحكم وجهة نظري، أو أن آخذ كل الاتجاهات، ولكن أنا أو غيري يحكمنا في النهاية القانون.
ـ لماذا لا تعترف بأن الرقابة هي التي أفرزت لنا كل ما هو هابط؟
ـ الرقابة لا تصنع أفلاماً، ولا تكتب الأغنيات، ولا تلحن ولا تضع المسرح، الرقابة تصرح، والأصل في كل شيء في الدنيا هو التصريح لا المنع، المنع مسألة استثنائية، والمواجهة مهمة الإعلام الصحافة والتلفزيون، مهمة المثقفين والطليعة أن يتولوا إفهام الناس هذا جيد وهذا رديء.
ـ إضافة إلى الأغاني هناك مساحة عري كبيرة جداً على الشاشة.
ـ السينمائيون أكثر حرصاً في هذه المسألة من الرقابة، وأرى أن المساحة التي تتعرى فيها المرأة الآن هي واحد في المئة من المساحة التي كانت تتعرى فيها في السبعينات.
ـ ولكن كيف يمكن معالجة مشاهد الجنس والشذوذ والتعبير الفج على الشاشة؟
ـ المتلقي هو الذي اختلف، هل كان يمكن أن نتحدث عن فساد مسؤول كبير ووزير منذ ثلاثين أو أربعين عاماً؟.. عندما نتطرق إلى السياسة نأخذ كل الحرية، فوصلنا في الصحافة إلى حتى الهجوم على رئيس الجمهورية، وحين نتحدث في بقية الأشياء تقوم الدنيا ولا تقعد، وعلى سبيل المثال، فيلم عمارة يعقوبيان، الذي ينتقد كل شيء ألا يعني هذا أننا في حالة حرية وشجاعة، يتركون الفيلم كله، ويركزون على مسألة الشذوذ، إنه فساد أخلاقي تماماً كالفساد السياسي والأمني، وهذا ما قلته لأعضاء الإخوان في مجلس الشعب، لتحذف السياسة وتحذف ما يمس الأخلاق، فمن يريد حرية فعليه أن يتحمل الحرية لا أن ينتقي ما يعجبه ويترك الباقي.
مشكلة هاني رمزي
هاني رمزي يعلم أن مشكلته مع الأمن وليست مع الرقابة، لأنهم هم من غيروا عنوان فيلم «ضابط وأربع قطط»، وللأسف بعد إرسال الفيلم لي أبلغ الجرائد وعندما نشرت فكرة الفيلم أزعج ذلك الأمن، فطلبوا سيناريو العمل، وهذه المشكلة نتعرض لها باستمرار، حيث نحاسب على أفلام نشرتها الصحف ولم تصلنا أو لم يكن قد صرحنا بها.
نوبة أحمد عيد
أنا مندهش من نوبة السياسة التي طلعت فجأة على أحمد عيد، وأصبح مؤلفا وكاتب سيناريو، صحيح هو ممثل كويس وشخص جميل، لكن فيلمه الجديد يتناول عائلة فاسدة «مجموعة أفاقين ولصوص وقطاع طرق» تحكم لهم المحكمة بأرض قديمة بنى عليها قسم شرطة، فيذهبون ليعيشوا فيه، ولك أن تتخيل كم الملابسات والمفاجآت والإسقاطات، والموضوع كاملاً نشرته الصحف، فأرسل الأمن تعميماً بمنع تناول الشرطة والقوات المسلحة: خصوصاً بعد فيلم «هي فوضى».
حوار: أسامة عسل

