قال معالي سلطان بن سعيد المنصوري وزير الاقتصاد إن دول مجلس التعاون الخليجي قدمت نموذجاً لبيئة استثمارية متميزة، ساهمت في جذب رؤوس الأموال الأجنبية، في ظل القدرة التنافسية والمزايا الاستثمارية المغرية، والمؤشرات الإيجابية التي شهِدها اقتصاد هذه الدول من حيث الحجم والنمو، مما مَثَّل دعامةً قويةً للأسواق المالية.
خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، ونمو العديد من القطاعات الأخرى غير النفطية، وتحقيق الشركات لمعدلات ربحية مرتفعة، فضلاً عن تدفق المزيد من الاستثمارات إلى الأسواق المحلية مدفوعة بعوامل جذب عدة، يأتي في مقدمتها الاستقرار السياسي والاجتماعي، والتطور والتحسن المضطرد في البيئة التنظيمية والرقابية، مما ساعد على إيجاد فرص استثمارية ملائمة لحجم المستثمرين.
وأكد وزير الاقتصاد في الكلمة التي افتتح بها الملتقى الثالث لسوق الأسهم تحت عنوان التكامل بين أسواق المال الخليجية وألقاها نيابة عنه عبد الله الطريفي الرئيس التنفيذي لهيئة الأوراق المالية والسلع إن احتضان دولة الإمارات العربية لهذه الفعالية إنما يأتي من منطلق إيمانها بالدور المهم الذي يمكن أن تضطلع به الأسواق المالية في مسيرة التنمية المستدامة ودفع عجلة الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى الوظيفة الحيوية لهذه الأسواق باعتبارها قناة لتعبئة المدخرات المحلية وتوجيهها نحو مجالات إنتاجية وتوفير التمويل طويل الأجل للمشروعات الاقتصادية المختلفة.
وقال لقد أثبتت التجارب الاقتصادية خلال العقدين الماضيين وجود ارتباط قوي بين وجود سوق مالية نشطة ونجاح برامج الإصلاح الاقتصادي، كما أظهرت الأثر الجلي للأسواق المالية في تحفيز القطاع الخاص (المحلي والأجنبي) على الاستثمار، نظراً لتمتعها بميزات السيولة وتوزيع المخاطرة والتعرف اليومي والمنتظم على العوائد المحققة.
وأكد أن المستجدات التي طرأت على الساحة الاقتصادية، وكذلك التداعيات التي ترتبت على مبدأ العولمة، قد ألقت بظلالها على كافة الأسواق العالمية، بما فيها أسواق المنطقة، وأصبحت الحاجة ماسة -بدرجة أكبر- للعمل المشترك من أجل اللحاق بركب التقدم الاقتصادي العالمي، في عالم يتطور سريعاً، وتحكمه المصالح والتكتلات الاقتصادية.
ولعل هذه الأسباب مجتمعة كانت الدافع وراء الدعوة التي أطلقتها دولة الإمارات لتعزيز التنمية والتكامل الاقتصادي العربي من أجل السعي إلى تحقيق المواءمة والتوافق بين القوانين والأنظمة المطبقة، لا في الأسواق الخليجية فحسب، ولكن في كافة الأسواق المالية العربية، وكذلك الارتقاء بالمستوى التشريعي والتنظيمي لهذه الأسواق بما يحقق العدالة والكفاءة والشفافية.
فضلاً عن تَيْسِيِِر سبل التعاون في تنظيم الإصدارات العامة للأوراق المالية، وتشجيع الإدراج والتداول المشترك في الأسواق العربية، وتعزيز الاستثمارات البينية، ونشر الوعي الاستثماري لدى المستثمرين في الأسواق العربية، وقد وجدت هذه الدعوة صدى لها تمثل في تأسيس اتحاد هيئات الأوراق المالية العربية واختيار دولة الإمارات العربية المتحدة مقراً له، وأنيط بهذا الاتحاد مسؤولية العمل على تحقيق هذه المهام ورسم خارطة طريق لها لكي تدخل حيز التنفيذ.
وأوضح إن الإنجازات التي حققتها الأسواق المالية الخليجية في الآونة الأخيرة إنما هي محصلة للمبادرات الجادة التي اتخذتها على درب التطوير والتحديث، سواء من حيث تعديل القوانين المتعلقة بالأسواق المالية بما يعمل على تنشيط وتعميق هذه الأسواق، أو من حيث الفصل بين الدور الرقابي والدور التنفيذي في قطاع الأوراق المالية، أو التحديث التقني لأنظمة التداول بهدف رفع سرعة وكفاءة التعامل في الأوراق المالية.
ووضع نظم لرفع مستوى معايير وقواعد السلوك المهني لشركات الوساطة العاملة في المجال، وفتح الباب أمام رؤوس الأموال الخارجية وإدراج الأوراق المالية غير المحلية للتداول في الأسواق المالية. وفي المقابل فإن هذه المنجزات لا ينبغي أن تصرف انتباهنا عن التحديات التي يواجهها قطاع الأوراق المالية عموماً في دول الخليج والمنطقة العربية، التي يتعين التعامل معها وفق منهج علمي مدروس، والتي تعود في الأساس إلى حداثة العهد بهذه الأسواق، باعتبارها أسواقاً ناشئة.
ويأتي في مقدمة هذه التحديات ضرورة الرفع من درجة الوعي الاستثماري وزيادة الاستثمار المؤسسي والتقليل من نسبة المضاربة، فضلاً عن زيادة الأدوات الاستثمارية التي يتركز معظمها في الأسهم.
ومن هنا تأتي أهمية هذا الملتقى الذي يتناول فيه الخبراء والمتخصصون على طاولة البحث هذه القضايا المختلفة بالشرح والتحليل، وذلك عبر محاور عدة تتمثل في تنويع أدوات الاستثمار في الأسواق المالية الخليجية، ودور الإعلام والتوعية في دعم المستثمرين بالسوق المالي، وتكامل الأسواق المالية الخليجية.. سواء على مستوى التشريعات أو القرارات المتخذة أو الأنظمة المالية والتقنية.
وأكد أن جلسات هذا المؤتمر ستسفر عن نتائج إيجابية تصب في مصلحة الأسواق المالية على وجه الخصوص واقتصادات المنطقة على وجه العموم، كما لا يفوتني أن أنوه بالدور المهم الذي تؤديه مثل هذه المؤتمرات والفعاليات في نشر وتعزيز ثقافة الاستثمار في الأوراق المالية وإلقاء الضوء على القضايا المهمة ذات العلاقة بالسوق المالي وتشخيص الصعوبات والتحديات وإيجاد حلول ومقاربات منهجية للتعامل معها.
من جانبه أكد المهندس صلاح الشامسي رئيس مجلس إدارة اتحاد غرف التجارة والصناعة في دولة الإمارات على أهمية المحاور التي سيناقشها الملتقى والتي تدور حول واحدة من أبرز الظواهر الهامة التي تسعى إلى تحقيقها معظم دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي، ألا وهي ظاهرة التكامل بين أسواق المال الخليجية التي تعتبر محصلة عرضية لسياسة الانفتاح الاقتصادي وحرية التجارة التي تتميز بها اقتصاديات دول مجلس التعاون وهذه الحالة لم تغب عن ذاكرة مجتمع المال وأصحاب القرار وإنما كانت ولا تزال محط اهتمامهم ومتابعاتهم الهادفة للوصول إلى سوق مالية خليجية مشتركة.
وقال إن أسواق المال الخليجية أصبحت جزءا رئيسيا ضمن النسيج المالي العالمي، كما أنها أصبحت رقما أساسيا في العمل المصرفي الإقليمي والدولي، ولعل تزايد أعدادها ونمو حجمها دوليا بنسبة تناهز 23%، يعني أن هذه الأسواق ستضاعف من حجم أصولها كل أربع سنوات على الأقل. مشيرا إلى تنامي أعداد الشركات العاملة في أسواق المال الخليجية بشكل كبير حيث وصلت إلى أكثر من 642 شركة مساهمة خليجية موزعة على دول المجلس وأن القيمة السوقية لهذه الأسواق تقارب الـ 1060 مليار دولار كما أن قيمة التداولات تقارب الـ1001 مليار دولار بنهاية شهر يناير 2008.
وقال لقد لجأت معظم دول مجلس التعاون في الآونة الأخيرة إلى إجراء إصلاحات في أسواقها المالية شملت تطوير الأطر التشريعية والرقابية، وزيادة الوعي الاستشاري لدى الجمهور، والسماح لغير المواطنين بتملك حصص محددة في الشركات ،إضافة إلى تحسين إجراءات وشروط إدراج الشركات في الأسواق ، وتنظيم عمليات اكتتاب الشركات المساهمة.
وأشار إلى ان أسواق الأسهم في دولة الإمارات العربية المتحدة شهدت خلال العام 2007، ارتفاعا قياسيا في تدفق الاستثمارات الأجنبية، سواء من جانب المستثمرين الأفراد أو المحافظ الاستثمارية، الأمر الذي ساهم في زيادة صافي استثماراتهم بشكل غير مسبوق.
على انه من المتوقع ارتفاع قيمة التداول في سوق الأسهم خلال العام الجاري في ظل استعداد العديد من المحافظ الاستثمارية للدخول إلى السوق وتحقيق اكبر قدر ممكن من المكاسب مع ارتفاع وتيرة الحديث عن استقرار عام في أسواق الأسهم الإماراتية خلال العام الجديد.
وقال يأتي انعقاد الملتقى الثالث لسوق الأسهم (التكامل بين أسواق المال الخليجية) كمسعى جديد تبذله الأطراف المعنية الممثلة للجهات الحكومية ومجتمع الأعمال لتسليط الأضواء على الخطوات والإجراءات الجديدة التي تم اتخاذها على صعيد دول المجلس في إطار متابعة حالة التقلبات في أسواق المال العالمية وفي ظل المتغيرات والآليات المستحدثة في هذا القطاع الحيوي ، وتبادل الخبرات والتجارب بين الجهات ذات العلاقة بدول المجلس في هذا المجال والاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى المنظمات العالمية النوعية والشركات المتخصصة.
وقال عبد الرحيم حسن نقي الأمين العام لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي ان الملتقى الثالث للأسهم هذا العام يعقد تحت شعار التكامل بين أسواق المال الخليجية، وهو يأتي في توقيت مناسب، حيث شهدنا مطلع هذا العام ولادة السوق الخليجية المشتركة، مما يضعه على خارطة الفعاليات الهامة التي تهدف إلى دعم دور أسواق المال الخليجية في تفعيل قيام السوق الخليجية المشتركة، خاصة وأن تحرير تشريعات وعناصر الاستثمار المشترك يعتبر أحد أهم مكونات ومتطلبات قيام هذه السوق.
وأكد أن أسواق الأسهم الخليجية باتت تستوعب جزءاً كبيراً من سيولة الأفراد والمؤسسات، كما باتت تمثل قناة هامة للاستثمار، ومصدرا تمويليا للعديد من المشاريع الاقتصادية الحيوية.
وقد شهدت أسواق الأسهم قفزات نوعية وكمية كبيرة خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى انه وعلى الرغم من التطور الذي شهدته أسواق الأسهم في دول المجلس الا ان هذه الأسواق ما زالت تعاني من تركيز التداول على أسهم شركات محدودة دون غيرها، مما يؤدي إلى عدم القدرة على تنويع الاستثمارات، كما أن هناك محدودية في الأدوات الاستثمارية التي تتركز في أسهم الشركات العامة.
كما تعاني أسواق الأسهم الخليجية أيضا محدودية الاستثمار المؤسسي، واعتمادها بصورة أساسية على الاستثمارات الفردية، حيث تظهر دراسات متخصصة ان المستثمرين الأفراد في البورصات الخليجية يشكلون 97 في المائة ما يعني أن 3 في المائة فقط من اللاعبين في السوق هم من الصناديق الاستثمارية.
رغم أن الاستثمار المؤسسي يسهم في استقرار الأسواق المالية بصورة عامة، باعتبار أن أغلب توجهات استثماراته طويلة الأجل وكبيرة نسبيا، ومبنية على حسابات واقعية دقيقة.
وقال ان الأسواق تعاني كذلك من تدني مستويات الإفصاح والشفافية، واحتكار للمعلومات، وعدم التزام الشركات المساهمة العامة بمعايير محاسبية موحدة عند إعداد بياناتها المالية الدورية، حيث تتفاوت جودة هذه التقارير من شركة لأخرى، كما يتأخر موعد صدور هذه التقارير.
وإذا كانت المعلومات هي روح الأسواق المالية والمصدر الرئيسي لاتخاذ قرارات الاستثمار سواء بالبيع أو الشراء، فإن المستثمرين في العديد من أسواق الأسهم الخليجية يعانون غياب عدالة الحصول على المعلومات المهمة التي تؤثر في أسعار أسهم الشركات المدرجة في هذه الأسواق، الأمر الذي ينعكس على كافة هذه الأسواق وصديقتها.
كما ان النظام التجاري والاستثماري في هذه الأسواق غير متجانس، خاصة على مستوى حرية الاستثمارات الأجنبية، حيث تتفاوت في نسب وأشكال السماح للمستثمرين الأجانب بالاستثمار في أسواقها.
وأكد ان أسواق المال الخليجية تواجه كذلك العديد من التحديات العالمية، حيث أن البورصات في الدول الأوروبية والكثير من الدول النامية هي مملوكة للقطاع الخاص وتدخل في الكثير من مشاريع الدمج والشراء والتوسع والمنافسة على استقطاب الشركات، في حين أن بورصاتنا مملوكة للحكومات وقراراتها حكومية وسياسية، في حين بات للشركات المساهمة الخليجية مطلقة الحرية في إدراج أسهمها في أي سوق تشاء وهي سوف تبحث دون شك عن الأسواق الأكثر سيولة واستقرار وشفافية وحماية للمستثمر.
وقال ان جميع هذه المشكلات والتحديات تقف عائقا في سبيل دمج أسواق الأسهم الخليجية، مما يتطلب دراستها وتذليلها أولا، حتى تكون هذه الأسواق أكثر اتساقا وانسجاما.
وأعرب عن تفاؤله في ان تسهم المداولات القيمة والمعمقة التي ستجري في الملتقى في الخروج بتوصيات محددة حول آليات العمل المناسبة لتحديث البورصات وتطويرها من الناحيتين الفنية والتنظيمية بما يساعد على زيادة حجمها وقدرتها الاستيعابية، والعمل كذلك على تحديث قوانين الشركات، ووضع حوافز لإنشاء شركات مساهمة، وتسهيل عمليات تحويل الشركات المغلقة إلى شركات مساهمة يتم إدراج وتداول أسهمها من خلال البورصة، وتسريع خطوات توحيد تشريعات وأنظمة تملك وتداول وإدراج وتسوية الأسهم في أسواق المال الخليجية.
وختاما، اسمحوا لي ان أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى كافة الجهات التي شاركتنا تنظيم هذا الملتقى الهام، والشكر موصول إلى الجهات الراعية والداعمة. كما لا يفوتني ان أشكركم جميعا على تجشمكم عناء السفر للمشاركة في الملتقى متمنيا التوفيق والنجاح لأعماله ومهامه، وللمشاركين فيه تحقيق أفضل النتائج التي تسهم في تحقيق غاياته.
ويناقش الملتقى الذي يشارك فيه نخبة من المتخصصين الذي يمثلون أسواق المال الخليجية العديد من القضايا خلال يومين وفي مقدمتها قضية تكامل أسواق المال الخليجية- الواقع والطموح وتوحيد أنظمة الأسواق المالية والمعلوماتية في أسواق المال الخليجية.
كما يناقش الملتقى العديد من أوراق العمل ومنها دور شركات التقنية في تفعيل الاستثمار بين الأسواق العربية ودور شركات الوساطة في تطوير وتسهيل التداول في الأسواق المالية ومدى أهمية تنويع أدوات الاستثمار في أسواق المال ودور المعرفة في دعم المستثمرين.
أبوظبي ـ ناصر عارف
تصوير: سعيد دحلة
