إذا كان التضخم في العام الماضي وبداية هذا العام ظاهرة عالمية طارئة عانت منه العديد من الاقتصادات فإنه في حالة البلدان العربية محصلة لتراكمات طويلة التقت مع موجة عالمية من ارتفاع الأسعار وهو أمر يقتضي حسب المحللين الاقتصاديين التحسب إلى ما هو أخطر من ذلك إذا ما استمرت السياسات على حالها وإذا ما واصلت الأسعار في الأسواق العالمية ارتفاعها مما يطرح تحديات جمة على الحكومات. وبدأت المؤسسات المختلفة في طرح الحلول والمقترحات في محاولة لكبح جماح الغلاء الذي طال كل شيء.

وتتخوف الأوساط الاقتصادية العربية من أن يشكل بعض التجار والموردين الظاهرة ويقومون برفع الأسعار بشكل غير مبرر، مما يؤدي إلى المزيد من المعاناة في أوساط المستهلكين.

يخيم شبح التضخم النقدي وارتفاع الأسعار على الحياة العامة في سوريا، في ظل تناقض بين الأرقام المتفائلة التي يوزعها الفريق الاقتصادي في الحكومة السورية عن انتعاشة غير مسبوقة في الاقتصاد السوري، وارتفاع غير مسبوق في الأسعار مترافق مع انهيار في القوة الشرائية لليرة السورية، على الرغم من تراجع الدولار الأميركي.

وارتفعت أسعار السلع في السوق السورية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة بنسب فاقت التوقعات، وهي كانت قد ارتفعت العام الماضي عن العام الذي سبقه بنسب كبيرة أيضاً. فعلى سبيل المثال ارتفع سعر الحليب خلال الآونة الأخيرة أكثر من 30 بالمئة، والمواد الغذائية أكثر من 20 بالمئة والزيوت الغذائية أكثر من 70 بالمئة، أما المحروقات فهي الأخرى في طريقها إلى الارتفاع عبر رفع الدعم التدريجي عنها والذي بدأ بتنفيذه برفع سعر مادة البنزين 15 بالمئة تمهيداً لتعويمه في وقت لاحق.

أما الطامة الكبرى فتمثلت في ارتفاع أسعار العقارات التي بلغت في بعض المناطق أكثر من 700 بالمئة، ورغم أن سوق العقارات يعاني الآن من الجمود إلا أن الأسعار لم تنزل عن مستوياتها القياسية.

وترى الحكومة السورية الحالية أن المواطن السوري يحصد ثمارا سياسية اقتصادية ماضية، فأسباب تأثر المواطن بهذا الشكل هو أن الفجوة التي حصلت في الربع الأخير من القرن الماضي بين الرواتب والأسعار وتحديدا بين عام 1985 ـ 2000 لا يمكن أن تردم بست سنوات، فخلال تلك السنوات.

وهو عمر الإصلاح في سوري، ارتفعت الأسعار خلال تلك السنوات إلى 1200 بالمئة في وقت جمدت فيه الرواتب والأجور.. لكن الإجراءات التي اتخذت خلال السنوات الست الماضية أدت إلى سرعة في ارتفاع الرواتب أعلى من سرعة التضخم، إذ زادت الرواتب 4, 11 بالمئة سنويا وارتفعت حصة الفرد من الناتج المحلي 3, 2 بالمئة، وأصبح دخل الفرد سنويا 1500 دولار أميركي وسطياً.

الاقتصاديون غير الرسميون لديهم وجهة نظر أخرى في المشكلة إذ يرون أن الليرة السورية لم تستفد عملياً من انخفاض قيمة الدولار الشرائية، رغم أنها منذ الربع الثالث من العام الماضي 2007 باتت مرتبطة بوحدة السحب الخاصة أي الدولار واليورو والإسترلينيني والين. ويرى هؤلاء أنه من المفترض أن يقل تأثير انخفاض الدولار على الليرة السورية نتيجة هذا القرار. وهذا لم يحصل لأن الليرة السورية لم تحصد أي مكاسب من ذلك ولم تتجاوز نسبة ارتفاعها أمام الدولار 4 بالمئة.

فبعد انخفاض قيمة الدولار 30 بالمئة في العالم لم ينخفض أمام العملة السورية أكثر من 8 بالمئة وأقصى انخفاض له بلغ الشهر الماضي (يناير 2008) 46 ليرة بعد أن كان يتراوح بين خمسين ليرة تقريباً، وهو ما دفع السلطات النقدية السورية إلى شراء الدولار من السوق ثم طرحه للبيع لتحقيق أرباح مباشرة وتعزز الطلب الزائد على الدولار لتعادل سعره من ناحية أخرى، وبخاصة بعد أن وصل الفارق في السعر بين السعر الرسمي الذي يصدره المصرف المركزي وسعر السوق الهامشية (السوداء) إلى ليرة ونصف الليرة ما دعا إلى ضخ دولارات في السوق.

ويرى الاقتصاديون غير الرسميين أن التضخم ظاهرة عالمية وضرورية للاقتصاد، ولكنها في سوريا زادت عن سعر الفائدة المصرفية وهو ما يحذر منه الاقتصاديون لأنه في هذه الحالات سيضطر المودعون إلى سحب إيداعاتهم لأن التضخم أكثر من سعر الفائدة التي يحصلون عليها سنوياً، ونسبته كما يقول الاقتصاديون غير الرسميين وصلت إلى 17 بالمئة إلا أن التصريحات الحكومية تقول إنها 11 بالمئة وانخفضت أخيراً حسب تصريحات نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية عبدالله الدردري إلى 9 بالمئة.

ويقول الباحث الاقتصادي حسين عماش «إن التضخم أصبح سمة ملازمة للاقتصادات الحديثة ولكن المهارة الاقتصادية في تخفيضه وتقليل معدله، فهو يقاس بنقطة أساس وينسب إلى التغير السنوي عادة. وإذا كان التضخم بمعدلات تقل عن 5% فإن الاقتصاديين لا يرون فيه تأثيرا سلبيا على مؤشرات الاقتصاد السوري فهو ضمن المعدل المقبول في حياة اقتصادية معقدة، أما إذا زاد عن ذلك فتأثيره سيكون سلبياً على مجمل الاقتصاد الوطني».

ولا ينكر الاقتصاديون غير الرسميين أن ثمة أسباباً عالمية انعكست على سوريا، إلا أنهم يؤكدون وجود سبب خفي ومهم في سوريا، وهو أن الحكومة تمول عجز الموازنة العامة للدولة من خلال إصدارات نقدية غير مغطاة سلعياً أو خدماتياً.

فالمصرف المركزي الذي يتبع لرئيس الحكومة مباشرة ووزارة المالية جزء من الحكومة. وعندما تكبر كتلة الديون التي تستدينها وزارة المالية من المصرف المركزي لتغطية عجز الموازنة نرى أن الدولة السورية تلغي هذه الديون بقانون. ولذلك تصبح لدينا كتل نقدية في السوق غير مغطاة سلعياً ولا خدماتياً ما يعني زيادة في نسبة التضخم والتضخم في معناه البسيط هو انخفاض القيمة الشرائية لأي عملة.

نمو سلبي

ويتساءل المحلل الاقتصادي السوري عدنان عبدالرزاق في حديثه ل«البيان» عن نسب النمو الحقيقية التي يعيشها الناتج الإجمالي في سوريا، ويوضح «هل تطرح نسبة التضخم من نسب النمو لنكون أمام نسبة نمو حقيقية؟. فإن كان الجواب نعم فهذا يعني أن سوريا من أعلى دول العالم نمواً. وإذا جمعنا نسبة الفائدة 6 بالمئة كما يقول الرسميون إضافة إلى 9 بالمئة نسبة التضخم فنحن أمام نسبة نمو تصل إلى 16 بالمئة وهو ما لم يحققه أي اقتصاد في العالم على مر التاريخ فالصين وهي سيدة النمو في العالم لم تتجاوز 10 بالمئة.

أما إذا كانت نسبة النمو غير مطروحة من التضخم فالفائدة 6 بالمئة ونسبة التضخم 9 بالمئة أي أن النمو هو ناقص ثلاثة، أي لدينا نمو سلبي».

ويضيف عبدالرزاق: « عند الحديث عن التضخم لابد من النظر إلى ميزان المدفوعات وأخص بالذكر عمليات التجارة الخارجية ولا أذيع سراً إذا قلت إن الميزان التجاري السوري سلبي ويعاني من تبعات وبخاصة بعد تناقص إنتاج النفط في سوريا من 630 ألف برميل يومياً إلى 385 ألف برميل الآن.. وأيضاً لابد هنا من الإشارة إلى أن سوريا ليست بلداً صناعياً ومعظم موادها الأولية مستوردة والثقافة السورية هي ثقافة دولارية والدولار يتذبذب وسوريا تستورد».

ينظر المواطن السوري باستغراب إلى الأرقام التي توزعها الحكومة والتي تقول له إن اقتصاد بلاده في أحسن حال، وإلى أسعار السلع التي حلقت عالياً في الأشهر الأخيرة ومن المتوقع أن تحلق أكثر بعد رفع الدعم أو «إعادة توزيع الدعم» كما تحب الحكومة أن تسمي العملية، فيلعن الانفتاح الاقتصادي ويحن إلى أيام الرخص المرتبطة بعصر الانغلاق ووزارة التموين.

مسببات سلعية وليست نقدية

يقول الدكتور أديب ميالة حاكم مصرف سوريا المركزي «إن التضخم في سوريا يعود لأسباب سلعية وليست نقدية، فسوريا تعاني من تضخم زاحف تمثل لارتفاع الأسعار فارتفع من 6, 4% عام 2004 إلى 4, 7% عام 2005 ثم إلى 3, 10% عام 2006، وفي حين أن الرقم القياسي لأسعار المستهلك اظهر ارتفاعاً، تشير الأرقام إلى أن هناك انحساراً في معدلات الكتلة النقدية بكل من المعنيين الواسع والضيق».

ويرى ميالة أن السياسة النقدية في سوريا مستقرة، لكن هناك ارتفاعا كبيرا في أسعار المنتجات الغذائية والعقارات حيث يساهم الغذاء بنسبة 40% من التضخم والعقارات بنسبة أقل، وبالتالي فالتضخم ليس ناتجاً عن الإصلاح كما يروج له البعض لكن سيرورة الإصلاح سرعت في كشف المكامن التضخمية، وهذا التضخم سيعود إلى نسبه السابقة».

وما يزيد البلبلة في أوساط الاقتصاديين السوريين تناقض الأرقام التي تصدرها الجهات الرسمية، فعلى سبيل المثال أظهرت الأرقام التي أعلنها المكتب المركزي للإحصاء عام 2006 أن معدل التضخم كان خلال ذلك العام 9, 17% لكن المكتب نفسه عاد فأعلن في عام 2007 أن معدل التضخم عام 2006 كان 5, 10%.

وفي الوقت نفسه أجرت الحكومة السورية دراسة حول أسباب ارتفاع الأسعار بشكل جنوني حددت فيها أربعة أسباب وراء هذه الظاهرة وهي أحوال الطقس والتي أدت إلى تلف خمسين بالمئة من الموسم الشتوي للخضار والفواكه، وتزايد أعداد العراقيين الذين أصبحوا يشكلون ما نسبته 5, 7 بالمئة من عدد السكان في البلاد، والنمو الذي تشهده سوريا والذي يمكن التأكيد أن نسبته وصلت إلى 5 بالمئة، وازدياد الطلب الناجم عن ارتفاع الدخول.

دمشق ـ تيسير أحمد