أكد عدد من الوزراء العرب أن الوطن العربي لديه إمكانيات ضخمة تمكنه من توفير احتياجاته من الغذاء سواء الزراعية أو الحيوانية أو الأسماك بفضل توفر مناخات متنوعة وأراضٍ خصبة وثروة حيوانية وبحرية هائلة.
واعتقد بعضهم أن العرب يملكون ثروات هائلة ومن غير المنطقي أن يستنزفوها في الاعتماد على الغير لاستيراد الغذاء في ما هم يملكون المقومات والإمكانات التي تصل بهم إلى حد الاكتفاء الذاتي، خصوصا وأنهم اتجهوا في السنوات الماضية إلى الصناعة وكان ذلك على حساب الزراعة التي شهدت إهمالا كبيرا. واستطلعت «البيان» آراء عدد من وزراء الزراعة والفلاحة العرب بحضور مدير عام المنظمة العربية للتنمية الزراعية حول مستقبل الزراعة في الوطن العربي: يرى الدكتور محمد سعيد الكندي وزير البيئة والمياه السابق، أن العرب باستطاعتهم تحقيق الاكتفاء الذاتي بالنسبة للغذاء سواء المواد الزراعية أو الثروة الحيوانية أو الأسماك بفضل الخصائص الغنية التي تملكها التربة في الوطن العربي والتنوع في المناخ من منطقة إلى أخرى ومثال على ذلك جمهورية السودان الشقيقة التي تتوفر فيها المياه والمساحات الهائلة للأراضي الزراعية.
ويؤكد الكندي على أن الجهود العربية إذا ما تمت بشكل منظم تحت مظلة المنظمة العربية للتنمية الزراعية، التي تسعى إلى وضع برامج لمكافحة الأمراض التي تتعرض لها الثروة الحيوانية بالتعاون مع جمعيات عالمية ناشطة في هذا المجال «كالفاو» وغيرها، وتعاونها الدائم مع الدول الأعضاء والمنظمات والمراكز البحثية الإقليمية والدولية.
فيما يتعلق بتقديم الاستشارة والدعم التقني والمؤسسي وبناء القدرات في شتى المجالات الزراعية ومساهمتها في تنفيذ برامج ومشروعات بحثية تتعلق بمسار اقتصاد الغذاء في الدول العربية وحرصها على نشر التقارير السنوية حول أوضاع الأمن الغذائي العربي لما له من دلالة تفيد كافة الدول بإعادة دراسة أوضاعها التي تتعلق بالأمن الغذائي لوضع الخطط والبرامج والسياسات الإستراتيجية المناسبة لتعزيز التنمية الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي المنشود.
ونوه الكندي إلى أن دولة الإمارات تدعم العمل العربي المشترك في المجالات الزراعية مشيرا إلى أن التكامل الزراعي العربي يعتبر من أهم العناصر الأساسية لإستراتيجية العمل بكافة الدول العربية، ولا تستطيع أي دولة في العالم اليوم مهما عظمت إمكانياتها المادية والبشرية أن تقف بمفردها بمعزل عن التكتلات الاقتصادية والإقليمية والدولية.
وأضاف أن سعي الدول العربية إلى وجود التكامل الزراعي العربي الذي يقوم على أسس قوية لهو ضرورة حتمية تتماشى مع سرعة تحرك دول العالم في ظل نظام العولمة ولهذا فإن التنمية الزراعية العربية تحظى بأولويات متقدمة في الجهود الإنمائية العربية، ويعتبر القطاع الزراعي في كثير من الدول العربية مصدرا للدخل لشريحة كبيرة من السكان، أضف إلى ذلك مساهمته في تحقيق الأمن الغذائي في بعض الدول العربية كما يوفر هذا القطاع المواد الأولية للعديد من الصناعات التحويلية.
التقنيات الحديثة
ويؤكد الشيخ سالم بن هلال بن علي الخليلي وزير الزراعة بسلطنة عمان الشقيقة على أن مستقبل الزراعة في الوطن العربي جيد إذا ما أحسن الإنسان العربي استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة وعمل على تطوير الإمكانات المتاحة، وهي إمكانات جيدة لم تصل إلى الامتياز، وقال علينا أن نأخذ بالأسباب فالعلم اليوم تطور في كافة المجالات.
في مجال الزراعة أيضا لابد أن يؤخذ بالتقنيات الحديثة والوسائل التي وصلت إليها قناعات الإنسان، وإذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار هذه الجوانب فهناك دول تملك إمكانات تساعد على نجاح وتوفير الاحتياج العربي من الغذاء كالسودان والعراق والصومال وبلاد الشام وغيرها من الدول العربية التي تنعم بوفرة المياه وتربة غنية بالعناصر، ويبقى جهد الإنسان وهذا ما يجب أن نعول عليه وان ندعمه ونروج له لان الإنسان على قدر ما يزرع يحصد.
وأكد الخليلي على أن الاستثمار في جمهورية السودان سيلبي حاجة الوطن العربي من الغذاء وأهمها القمح بشرط أن تتاح المناخات المناسبة للاستثمار بفضل الإمكانات الهائلة التي تملكها ويمكنها أن تغطي الاحتياج العربي مع وجود فائض للتصدير إلى الخارج.
مستقبل الأجيال
يؤكد الدكتور السعيد بركات وزير الفلاحة والتنمية الريفية بجمهورية الجزائر الديمقراطية الشعبية أن الدول المصدرة والمنتجة للبترول والنفط لا تستفيد كما يجب من عائدات صادراتها النفطية بسبب القيم العالية التي تدفعها مقابل الغذاء، ولذا بات من الضروري أن يفكر العرب بشكل جدي في كيفية الاستثمار في التقنيات الزراعية والبحث العلمي، كي نضمن لأولادنا والأجيال القادمة رغيف الخبز، وهنا لا يمكن التفكير بمستقبل أولادنا والأجيال القادمة إذا لم نسع لاستغلال الدراسات والبحوث العلمية السابقة، والاستثمار في البحث العلمي، ولا يعقل أن نفكر في الاستثمار في البترول وأراضينا الزراعية تتصحر.
ويرى السعيد أن النجاح في توفير الاكتفاء الذاتي من الغذاء للوطن العربي يرتبط بعدة معايير لابد الأخذ بها وعلى رأسها الاستثمار والاستفادة من البحوث والدراسات العلمية التي أجريت في هذا الجانب والأخذ بها ولا يعني أننا نسعى للاستفادة من بحوث الغير أنهم أفضل منا، ولا يمكن التفكير بالعيش الرغد لدى بعض الدول العربية وأسعار القمح والحليب ترتفع بشكل جنوني وتستنزف مدخراتنا المالية، بالإضافة إلى التغيرات المناخية التي يأتي على رأسها الشح في الأمطار.
ويستغرب السعيد الإعراض والتجاهل العربي للثروات التي يملكها العرب ومثال على ذلك الأراضي الزراعية في جمهورية السودان وتتجاوز المئة ألف هكتار ووجود نهري النيل اللذين يغذيان المنطقة، مشيرا إلى أن الجزائر قطعت شوطا كبيرا خلال العشر سنوات الأخيرة في المجال الزراعي، إذ تجاوزت الأراضي الزراعية المليون هكتار مؤخرا بعد أن كان خلال السبع السنوات الماضية قرابة 700 ألف هكتار أضيف إليها قرابة 517 ألف هكتار من الأشجار المثمرة.
تراجع الاهتمام
يقول الدكتور عادل سفر وزير الزراعة والإصلاح الزراعي للجمهورية العربية السورية إن الوطن العربي يقع ضمن منطقة جافة وشبه جافة بمعنى أن كمية الأمطار والمخزون الماء فيها متوسط إلى ضعيف أحيانا لكنها تعتمد بشكل أساسي على الزراعة وخاصة أن هناك عددا من الدول العربية الناتج الإجمالي تبعها زراعي بغض النظر عن الدول النفطية.
ولذلك نلاحظ أن هناك أزمة غذاء عالمية وعلى الدول العربية دق ناقوس الخطر والتوجه إلى الاهتمام بالزراعة خصوصا أنها أساس لأي تطور صناعي أو خدماتي أو اقتصادي وعلى اعتبار أن القاعدة الزراعية هي التي بنت اقتصادات العالم سابقا وهناك مثل حي على ذلك نشاهده في الولايات المتحدة الأميركية التي تولي اهتماما كبيرا بالزراعة، وتعتمد عليها بشكل واضح.
وأضاف الدول العربية أولت القطاع الصناعي وتطوير المعامل اهتماما كبيرا على حساب الزراعة وللأسف فقدت الزراعة ولم تستطع النهوض بالصناعة بالمستوى الذي يغطي احتياجاتها، وحاليا هذا الموضوع من خلال العمل والجهد العربي المشترك يولي اهتماما كبيرا جدا وخاصة ضمن المتغيرات المناخية الموجودة حاليا والتي كان لها أثر واضح العام الماضي في نقص الغذاء وإنتاج الحبوب على مستوى العالم وبنسبة تصل من 30 إلى 40 في المئة .
ونحن في سوريا ومن خلال الاعتماد على التقنيات الحديثة والأساليب الزراعية المتطورة كان تأثرنا معقولا إلى حد كبير مقارنة بدول أخرى مثل اليونان التي تجاوزت خسائرها 60 في المئة من محصولها الزراعي على الرغم أنها تملك أراضي زراعية رطبة ضمن التقنيات الزراعية المتطورة والاهتمام الذي تشهده الزراعة بينما خسائر في محصول القمح تراوحت ما بين 10 إلى15 في المئة، وهذا عائد إلى الخبرة الزراعية الجيدة.
الاكتفاء الذاتي
يؤكد المهندس محمد الأمين كباشي عيسى وزير الزراعات والغابات بجمهورية السودان أن الوطن العربي يمتلك أراضي كبيرة واسعة وخصبة ومياهاً متوفرة وبالذات في جمهورية السودان وجمهورية مصر والدول العربية تتمتع بخصوصيات لا تتوفر عند الدول الأخرى مثل زراعة النخيل التي تشتهر بها منطقة الخليج العربي وصناعة الدجاج التي تعتبر الأكبر على مستوى الوطن العربي، فلماذا لا نستفيد من هذا التنوع في الوطن العربي ونتيح لرجال الأعمال الاستثمار بدون أي قيود .
وقال نحن في السودان وضعنا كل التسهيلات أمام المستثمرين وخصوصا العرب ونفضلهم عن غيرهم من المستثمرين، ونوفر لهم كافة التسهيلات الممكنة حتى أنه يجد الاهتمام أفضل من السوداني نفسه، والهدف في النهاية حماية الأمن الغذائي العربي وخصوصا أن الحرب القادمة حرب مياه وقوت.
وخلال الاجتماعات العربية المتعلقة بالزراعة في الوطن العربي اقترحنا أن نركز على المشاريع الرائدة كالحبوب الزيتية، وفي السودان يمكننا زراعة السمسم وزهرة الشمس وفول الصويا والفول السوداني والذرة الشامية وبذرة القطن وكلها يمكن أن تستخلص منها الزيوت ويمكن توفير هذه المشاريع تحت مظلة المنظمة العربية للتنمية الزراعية.
وهناك رجال أعمال من دول الخليج بادروا في الاستثمار في السودان، وفي السودان وخلال عامين يمكننا أن نكتفي ذاتيا من القمح مثل دول ومناطق عربية أخرى يمكن تحقيق اكتفاء ذاتي مثل شمال السودان وسوريا والأردن ومصر، ولو اجتمعت كل هذه الدول يمكن تحقيق الاكتفاء الذاتي لكل الوطن العربي.
عقبة النقل
يشير الدكتور سالم اللوزي مدير عام المنظمة العربية للتنمية الزراعية، إلى أنها المرة الأولى التي يصل فيها القادة العرب خلال قمة الرياض التي عقدت العام الماضي إلى اتخاذ قرار موحد لإيجاد إستراتيجية لتنفيذ خطة موحدة تهدف إلى تنمية زراعية شاملة في الوطن العربي لتنفيذ خطة زراعية عربية للعقدين القادمين، وتعتبر المرة الأولى التي يولي فيها العرب اهتماما بالزراعة التي تعني الأمن الغذائي، في الوقت الذي تصل فيه الفجوة الغذائية العربية إلى قرابة 6, 18 مليار دولار وذلك يعني الفرق بين الصادرات العربية والواردات من المواد الغذائية.
ويبدأ تنفيذها فعليا من هذا العام 2008، وهذه الإستراتيجية فيما لو طبقت على مستوى الوطن العربي سنتمكن من تخفيض هذه الفجوة التي تعتبر كبيرة جدا والدول العربية جادة لتطبيقها للوصول إلى رؤى أن يكون لدينا أمن غذائي آمن فهناك أمراض نباتية أو حيوانية كلها تؤثر على ثرواتنا مثل أنفلونزا الطيور وحمى الوادي المتصدع والسوسة الحمراء وغيرها من الآفات الزراعية أو الأمراض الحيوانية العابرة للحدود بالإضافة إلى التغيرات المناخية، وإذا ما استطعنا مكافحتها عن طريق المكافحة البيولوجية نستطيع أن نؤمن للأسرة العربية الواحدة مستقبلا غذائيا آمنا.
وقال هناك ثلاثة أنواع من المواد الغذائية استطاع الوطن العربي أن يحقق الاكتفاء الذاتي في ثلاث مجموعات من السلع الغذائية منها الأسماك والخضار والفواكه، ومجموعة متوسطة وتشمل الثروة الحيوانية اللحوم الحمراء والبيضاء ومشتقات الألبان، وتتمثل الفجوة الغذائية في الحبوب والسكر والزيوت التي تتراوح نسبة الإنتاج منها من 50 إلى 80 في المئة.
وأكد اللوزي على أن السودان هي المرشح الأول لتوفير احتياجات العرب من الغذاء ولتقليص الفجوة الغذائية كونها تمتلك أراضي خصبة شاسعة ومياهاً بكميات تكفي لقيام مشاريع زراعية كبيرة، ومصر ولكن المياه فيها غير كافية والمغرب والجزائر تعتمد على مياه الأمطار وسوريا والعراق تحتاج إلى الامتداد الأفقي، فإذا ما توجه الاستثمار الزراعي إلى السودان حينها يمكن أن نحقق الاكتفاء الذاتي في الغذاء، لا سيما وان منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي أقرت في العام 2005 تسهل عملية انتقال المنتجات الزراعية بين الدول العربية بدون رسوم جمركية شريطة أن تكون خالية من المبيدات الحشرية أو مواد المكافحة السامة التي تضر بالمستهلك العربي.
ومع وجود هذه الاتفاقية إلا أن النقل يقف عائقا أمام انتقال المنتجات الزراعية بين الدول العربية، وخصوصا الدول التي تقع في شمال إفريقيا والدول العربية الآسيوية، وحتى بين دول شمال إفريقيا نفسها كالجزائر والمغرب وموريتانيا وتونس .
والتي تحتاج إلى وجود مشاريع ضخمة تتعلق بالبنية التحتية التي تسهل من عمليات النقل واقصد به هنا الجوي والبري والبحري. وأشار اللوزي إلى وجود مؤتمر اقتصادي بمستوى القمة من المقرر أن يعقد في دولة الكويت نهاية العام الجاري ويناقش عددا من المشاريع الكبيرة التي تتعلق بمجالات النقل والزراعة والربط الكهربائي والمياه وغيرها.
تحقيق: سليم المستكا

