شهدت الأسواق اليمنية في الآونة الأخيرة تصاعدا كبيرا لأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية مما ترك أثرا شديد الوطأة على القوة الشرائية عند أفراد المجتمع اليمني الذي يعاني أصلا من تدني المداخيل. وتشير المعطيات الإحصائية إلى أن البلاد واقعة تحت تأثير موجة تضخمية دائمة.
وليس مجرد صدمة عارضة فالسمة الغالبة على الحياة الاقتصادية هي ارتفاع الأسعار المتتالي والمستمر خلال العام 2007 وحتى مطلع العام الجاري فقد تجاوزت الزيادة في بعض أسعار المواد الأساسية كالقمح والألبان ومشتقاتها والأدوية خاصة منها الأدوية المستوردة من منطقة اليورو حدود الـ 100% فقد انتقل متوسط سعر كيس القمح من 3000 آلاف ريال إلى 7 آلاف ريال أما العلبة الزبادي من 25 ريالا في المئة إلى 50 ريالا وتضاعفت أسعار الخضر والفواكه وتراوحت نسبة الزيادة في أسعار الأدوية مابين 40 إلى 68% مما أثقل كاهل الفرد اليمني الذي يبقى دخله غير قادر على مجاراة هذه الزيادات المتواترة للأسعار.
ومع أن الحكومة عمدت إلى اتخاذ عدد من التدابير الرامية إلى الحد من تزايد الأسعار وبادرت إلى مراقبة الأسواق ومنع الاحتكار وملاحقة المتلاعبين بالأسعار قضائيا كما رفعت من مستوى الأجور بالبدء بتطبيق المرحلة الثانية من الإستراتيجية الوطنية للأجور إلا أن ذلك لم يجد نفعا في الحد من الموجة التضخمية التي أصبحت سمة ملازمة للاقتصاد اليمني خلال السنوات الأخيرة إذ تراوحت الزيادة في الأجور ما بين 70% عام 2005 و25% مطلع العام الجاري بينما المعدل التراكمي لارتفاع أسعار المواد الأساسية الاستهلاكية خلال الست السنوات الماضية تجاوزت تلك الأرقام بكثير.
وحسب الإحصائيات الرسمية التي تقيس التضخم على أساس الحسابات القومية لنهاية كل عام وهو أمر غير دقيق فقد تراوحت نسبة التضخم ما بين 11 إلى 5, 15% خلال السنوات الست الأخيرة مما عد انتكاسة لبرنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية الذي طبقته الحكومات المتعاقبة بدءا من العام 1995 م .
والذي كان قد حد من التضخم إلى ما دون 6% إلا أن هذه النسبة عادت منذ العام 2003 للزيادة وبلغت 5, 15% العام 2006 طبقا للتقرير الاقتصادي العربي الموحد ومرشحة لأن تتجاوز هذا الرقم العام 2007 الذي عرف زيادة كبيرة في الأسعار وهو ما ذهب إليه مشروع قانون الموازنة اليمنية للعام الجاري 2008 الذي قدر مستوى التضخم من يناير 2007 وحتى أغسطس بـ 13% وأنه سيرتفع العام الجاري إلى حوالي 5, 11% طبقا لقانون الموازنة للسنة المالية الجارية.
ويرجح المحللون الاقتصاديون أن يتجاوز معدل التضخم السنة الجارية الرقم المتوقع في قانون الموازنة بكثير استنادا إلى السوابق المتواترة التي أكدت غير مرة أن المعدل التقديري دوما يقل عن المستوى الفعلي حيث ظلت قوانين المالية السنوية للأعوام الخمسة الماضية تحدد سقفا للتضخم لن يتجاوز الـ 10% بيد أن ذلك السقف كثيراً ما تم تجاوزه وهو ما تؤكده إحصائيات المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين) والتي تؤكد أن الاقتصاد اليمني واقع تحت ضغط موجة تضم مقيمة .
وليست طارئة زاد من حدته في الفترة الأخيرة جملة من العوامل أبرزها انتهاج الحكومة لسياسة إنفاق توسعية عبرت عنها في لجوئها المتتالي إلى فتح اعتمادات إضافية لست سنوات متتالية آخرها فتح اعتماد إضافي في ديسمبر من العام الفارط بمقدار 267 مليار ريال وهو ما يمثل أزيد من 20% من إجمالي الموازنة خصص منه 70% للنفقات الجارية مما انعكس على ارتفاع الطلب .
ومن ثم ارتفاع التضخم وعلاوة على ما تتركه مثل هذه السياسة المالية من رفع لمعدل التضخم فإن الحالة اليمنية تعاني من إشكال مركب يساهم في رفع ذلك المعدل ما يعرف بالتضخم المستورد الناجم عن ارتفاع المواد الأساسية في السوق الدولية كالقمح والدقيق والأرز والأدوية من جهة وارتباط الريال اليمني بالدولار الأميركي من جهة أخرى إذ أن هذا الأخير تراجعت قيمته بشكل ملحوظ لينسحب على تراجع سعر العملة اليمنية مقارنة بغيرها من العملات وخاصة في منطقة اليورو فقد بلغ تراجع قيمة العملة اليمنية خلال الفترة 1998 وحتى 2006 فقط 41% طبقاً لمسح ميزانية الأسرة الذي يذهب إلى تبيان أن تدهور العملة فقط ساهم بـ 89% من ارتفاع الأسعار.
صنعاء ـ عبدالكريم سلام
