آثار الارتفاعات الباهظة في أسعار السلع الأساسية والخدمات وصلت إلى حد عدم كفاية مرتب الموظف قضاء احتياجاته الشهرية، في بعض البلدان العربية، وأحدثت حالة من الغليان والخوف.

ومن خلال الرصد الذي قامت به «البيان» في بعض البلدان العربية والذي هدف لدراسة الظاهرة واستطلاع آراء المسؤولين والخبراء حولها، اتضح أن التضخم ظلل خريطة العالم العربي بأكمله حيث لم تنجو دولة أو منطقة منه، الأمر الذي ولد تغيرات كبيرة في التركيبة السكانية، ففي بعض البلدان حدثت هجرة عكسية وفي البعض الآخر تغيرت التركيبة الطبقية والسكانية بشكل واضح بسبب الآثار التي أفرزتها الظاهرة.وفي الواقع تنقسم مسببات التضخم في العالم العربي إلى جزئين ففي البلدان النفطية ذات الدخل العالي تتمثل المشكلة في زيادة حجم المعروض النقدي، أمام في البلدان العربية الفقيرة أو الأقل دخلاً فتبرز الظاهرة من خلال التباين الواضح بين مستويات الأسعار وسقوف أجور الموظفين.على الرغم من أن التضخم أصبح يشكل ظاهرة عالمية وأثار جل اهتمام الدوائر الاقتصادية والسياسية وبرز أثره واضحاً على معدلات النمو في الكثير من بلدان العالم، إلا أن العالم العربي يبدو حالة أشبه بالاستثنائية وذلك نظراً لانخفاض معدلات الأجور في بعض البلدان وتفاقم مشكلة البطالة، إضافة إلى اعتماد معظم الأسواق العربية على الاستيراد لسد حاجتها، وغيرها من العناصر المرتبطة بالجانب الاستهلاكي.

وأظهرت تقارير صدرت مؤخراً أرقاماً مخيفة للمستويات التي وصلت إليها معدلات التضخم، حيث تعدت النسب في بعض البلدان ال30% وهو رقم مرتفع للغاية بالمقارنة مع المستويات المعتادة. ولم تفلح استراتيجية زيادة الأجور في الحد من الظاهرة، إذ أثبتت التجارب أنه ورغم الزيادة الملحوظة في الأجور الرسمية بالأسعار الجارية خلال الفترة الماضية في العديد من البلدان، فإن الزيادة الحقيقية، بعد استبعاد أثر الزيادة في تكلفة المعيشة، ظلت محدودة.

ويرى محللون ماليون أن ارتفاع معدل التضخم خلال الفترة الأخيرة ينذر بخطر كبير جدير بالاهتمام من القطاعين الحكومي والخاص، وذلك بعد أن بدأت أعراض هذا التضخم في الظهور في ارتفاع أسعار السلع بنسب متفاوتة، وبشكل واضح في أسعار بعض السلع الغذائية.

وأطلق خبراء اقتصاديون التحذيرات من خطورة تجاهل هذه الأزمة التي تمثل تهديداً لنمو الاقتصاد ومعيشة السكان، مشددين على أن ازدياد أسعار الإيجارات والمواد الغذائية إلى هذه المستويات، بات يعني ضرورة تدخل الجهات الحكومية لسنّ تشريعات جديدة تساهم في كبح جماح معدلات التضخم المتنامية.

وتصل قيمة الفجوة الغذائية إلى قرابة 6, 18 مليار دولار سنويا لبعض المواد الأساسية كالسكر والقمح والزيوت والتي توجهت الدول المصدرة لها إلى استخدامها في مجالات الطاقة وكان لذلك أثر واضح في ارتفاع أسعار المواد الغذائية ما يجعل بعض الدول العربية تنفق جزءا كبيرا من عائداتها النفطية في استيراد المواد الغذائية.

تصاعدت حدة الجدل والمناقشات حول ظاهرة ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم المقدرة حاليا بنحو 7% في المئة في السعودية وآليات تعامل السلطات المعنية معها. ولوحظ أن الاقتصاد السعودي يشهد منذ بداية عام 2006 موجة من الارتفاع في المستوى العام للأسعار.

وهو ما يمكن رصده بوضوح في ارتفاع معدلات التضخم خلال هذه الفترة، فوفقاً للمؤشرات الرسمية تجاوز معدل التضخم النسب المعتادة خلال السنوات الأخيرة ليصل إلى نحو 3 في المئة بنهاية عام 2006م، ثم واصل ارتفاعه ليصل إلى نحو 83, 3 في المئة في يوليو 2007 قبل أن يصل إلى أعلى مستوياته ببلوغ 5, 6 حاليا وفقا لآخر تقرير صادر عن مؤسسة النقد العربي السعودي.

وحذر آخر تقرير أعدته المجموعة المالية »هيرميس« عن السعودية من انه إذا استمرت زيادة التضخم بمعدلات سريعة، فإنها ستتزايد الضغوط على الحكومة لرفع إنفاقها على الأجور والمرتبات. وأكد أن انخفاض معدل نمو الإنفاق الحكومي سيكون له أثر محدود للغاية على معدلات التضخم الذي ينشأ وبدرجة كبيرة عن قصور العرض في سوق الإسكان.

وتوقع أن ينمو التضخم بمعدلات سريعة ليبلغ 6, 4 في المئة في عام 2008 نتيجة الارتفاع المستمر في تكاليف الإيجارات وبدرجة أقل إلى زيادة تكاليف مواد الطعام. لافتا إلى أن السيولة القوية في الجهاز المصرفي، والتي ترجع بدرجة كبيرة إلى زيادة الودائع الحكومية، تضيف سببا آخر لزيادة الضغوط التضخمية.

ودعا عبد الرحمن الخضيري وهو مستشار اقتصادي إلى المزيد من الشفافية فيما يتعلق بالبيانات التي تصدرها الجهات الرسمية وفي مقدمها مؤسسة النقد، مشيراً إلى أن المعلومات الصادرة عن المؤسسة بشأن آخر الإحصائيات المتعلقة بالاقتصاد في البلاد وكذلك الخطط المتبعة لمعالجة التضخم المتنامي لابد لها من توضيحات وتفاصيل.

ومن جهتها أوضحت النشرة الشهرية الأخيرة لمصرف الراجحي انه وعلى الرغم من الطفرة التي يشهدها القطاع النفطي مع اقتراب سعر البرميل من المئة دولار والإنتاج اليومي إلى 9 ملايين برميل إلا أن النمو الحقيقي للاقتصاد السعودي يواجه خطر ارتفاع معدلات التضخم والذي بدأ في إثارة المخاوف منذ أواخر العام 2006م.

وكان معدل التضخم قد ارتفع إلى أعلى مستوى له في سبع سنوات بالغاً 4, 4% في أغسطس 2007م ومن الأرجح أن يزيد على 4% لكامل العام 2007م ما لم يتم تقييد السيولة وتخفيف اختناقات سوق العمل. ويعزى التضخم بصورةٍ رئيسية إلى ارتفاع إيجارات المنازل بمعدل 6, 9% وارتفاع المواد الغذائية بمعدل 6, 6% والخدمات الطبية بمعدل 5, 6%.

وتشكل الزيادة السنوية الكبيرة في عرض النقود خلال الأشهر القليلة الماضية إشارة لتوقع المزيد من الارتفاع في معدل التضخم. كما من المرجح أن تؤدي زيادة الطلب لدواعي الاستهلاك والاستثمار ولاسيما بقطاع التشييد إلى مواصلة الضغط على الأسعار.

وقد ساهمت أيضاً اختناقات سوق العمل في رفع تكاليف الإنتاج ومعدلات التضخم عبر ارتفاع تكلفة العمالة، كما أسهم أيضاً ارتفاع تكاليف بعض المواد الخام في ذلك. وقامت المملكة في 24 نوفمبر 2007م بخفض تكاليف الاقتراض لتخفف الضغوط على العملة المحلية في ظل تكهناتٍ برفع قيمة الريال حيث أقدمت مؤسسة النقد العربي السعودي على خفض سعر الفائدة على الريال بمقدار 50 نقطة على اتفاقيات إعادة الشراء العكسية إلى 25, 4% نقطة.

وقال الخضيري إن حزمة القرارات الصادرة من قبل مجلس الوزراء قبل أسبوعين تعمل على الحد من ارتفاع نسبة التضخم بشكل أساسي وتهدف إلى خفض النسبة مستقبلاً، مشيرا إلى أن متوسط ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة في السعودية خلال عام 2007 ارتفع عما كان عليه في عام 2006 بنسبة 01, 4 %.

وأكد أن الزيادة في رواتب موظفي الدولة بنسبة 5 % تتواءم مع ارتفاع تكلفة المعيشة خلال العام الماضي عما كانت علية عام 2006، وأضاف «إن القرارات الأخيرة الصادرة عن مجلس الوزراء والتي لا يمكن فصل بعضها عن بعض تعتبر بمثابة برنامج لمكافحة التضخم والحد من ارتفاع نسبة التضخم في المستقبل».

ومضى يقول «لا شك أن ظاهرة التضخم هي ظاهرة عالمية وما يمكن التأكيد عليه بالنسبة للسعودية أنها ظاهرة مستوردة نتيجة عوامل خارجية وحزمة القرارات الأخيرة تساعد على امتصاص هذه الظاهرة».

وأشار إلى أن عدم إغفال شريحة من المواطنين قد تكون الأكثر تضررا من ارتفاع معدلات التضخم وذلك من خلال زيادة مخصصات الضمان الاجتماعي للأسر الفقيرة بنسبة 10 % علاوة على ما سبق من إعانات يدل على حرص حكومة خادم الحرمين الشريفين على دعم كافة فئات المجتمع لمواجهة معدلات التضخم الحالية.

ومن جهته شنّ عبدالرحمن الزامل الخبير الاقتصادي وعضو مجلس الشورى هجوماً لاذعاً على بعض الوزارات والأجهزة الحكومية، قائلاً: (لقد تراخت هذه الأجهزة في مواجهة الأزمات المتوقعة التي تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم في البلاد. وقال «أزمة الإسكان هي إحدى أهم القضايا التي ساهمت في إذكاء نار التضخم في السعودية.. أسعار العقارات ستبقى في ازدياد وليست هناك مؤشرات على انخفاضها).

وأضاف قائلاً «واصلت الأجهزة الحكومية أسلوبها الحالي للتعامل مع أزمة الإسكان، فإننا نتوقع ارتفاعاً حاداً في معدل الزيادة في الأسعار.. في الوقت الراهن بند الإيجارات يستنزف من 30 إلى 35 في المئة من دخل الأفراد السعوديين.. ونهاية 2009 سترتفع هذه النسبة إلى نحو 50 في المئة».

وتخوض عدة جهات رسمية وشعبية مناقشات مستمرة لإيجاد حلول عاجلة للجم معدلات التضخم المتصاعدة وارتفاع الأسعار غير المسبوق في السعودية خاصة في أسعار السلع الغذائية والإيجارات ومواد البناء وأسعار الخدمات حيث تدخل مجلس الشورى بحض الحكومة على معالجة أسباب التضخم وارتفاع الأسعار التي باتت تهدد عشرات الآلاف من السعوديين والمقيمين.

المعروض النقدي أكبر المخاطر

توقع محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي حمد السياري استقرار التضخم في الاقتصاد السعودي عند معدلاته التي تحققت مع نهاية العام الماضي، والبالغة 1, 4%، حيث قال «لا أتوقع أن يتسارع معدل التضخم، بل يستقر». وارتفع معدل التضخم السنوي في السعودية إلى 7% في يناير بسبب صعود الإيجارات وتكاليف الغذاء. ورفع البنك المركزي الاحتياطي الإلزامي للبنوك مرتين في غضون شهرين لإجبار البنوك على إبقاء المال في خزائنها محاولا كبح نمو الائتمان.

وذكرت إحصائية صادرة عن مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما» أن نمو المعروض النقدي الذي يعد مؤشرا على التضخم المستقبلي تراجع قليلا إلى 6, 19% في ديسمبر من 6, 21% قبل شهر. وأشارت الإحصائية إلى أن عرض النقود (ن 3) وهو أوسع مقياس للنقود المتداولة في الاقتصاد السعودي بلغ 76, 789 مليار ريال بنهاية ديسمبر الماضي مقارنة مع 58, 660 مليار ريال قبل عام.

وأكد سعيد الشيخ كبير اقتصاديي البنك الأهلي أن التضخم قد يبلغ في المتوسط ما بين 5 و7% مقارنة مع 1, 4% العام الماضي.

وقال إن زيادة استقدام العمالة سنرفع الطلب على السلع والخدمات وزيادة إنفاق الحكومة ستفرض ضغطا. وأوضح الشيخ أن المملكة قلصت نسبة الديون من الناتج المحلي الإجمالي إلى 19% من 92%.

وأضاف أن الإنفاق الحكومي نما في المتوسط بنسبة 14% سنوياً على مدى السنوات الأربع حتى عام 2007. وقال إن ارتفاع أسعار المستهلكين «تحد كبير للحكومة». وسجل معدل التضخم في السعودية أعلى مستوياته فيما لا يقل عن 27 عاما في يناير سيبقى «مرتفعاً» في الأشهر الستة الأولى من العام قبل أن يتراجع في النصف الثاني.

الرياض ـ عبدالنبي شاهين