تعاني معظم البورصات الخليجية والعربية من العديد من الاختلالات الهيكلية، وفي مقدمتها سيطرة الاستثمار الفردي، وضعف الاستثمار المؤسسي، واستحواذ سيولة المضاربين على حصة الأسد من تداولات الأسواق اليومية، بالإضافة إلى ضعف الاستثمار الطويل ومتوسط الأجل، مقابل سيطرة الاستثمار قصير الأجل، وبالمقابل ضعف الوعي الاستثماري لنسبة هامة من المستثمرين والمتداولين في الأسواق.
وبالتالي عدم معرفتهم بأسهم الشركات القوية وأسهم الشركات الضعيفة مما يؤثر سلباً على كفاءة القرارات الاستثمارية وبالتالي كفاءة توزيع السيولة على الفرص الاستثمارية المتوفرة داخل الأسواق المالية، وسيطرة سيولة المضاربين على الأسواق تساهم في عدم استقرارها واستمرارية تذبذب مؤشراتها .
وبالتالي انخفاض مستوى كفاءة هذه الأسواق وارتفاع مستوى مخاطرها بسبب سيطرة العواطف والإشاعات على قرارات المضاربين وبالتالي نلاحظ خلال هذه الفترة تراجع مؤشرات الأسعار للعديد من الأسواق الخليجية والعربية دون وجود مبررات منطقية أو موضوعية لهذا التراجع .
كما أن التراجع في الأسعار عادة ما يكون جماعياً أي يشمل جميع الشركات سواء الشركات القيادية أو الشركات الهامشية والعكس صحيح، وضعف الاستثمار المؤسسي في معظم الأسواق لا يساهم في استقرارها وارتفاع مستوى نضجها باعتبار أن القرارات الاستثمارية للاستثمار المؤسسي سواء بالبيع أو الشراء عادة ما تستند إلى العديد من العوامل والمعايير الاستثمارية والمالية .
ولا تستند إلى العواطف أو الركض خلف الجموع وبالمقابل فإن استمرارية سيطرة سيولة الاستثمار الفردي المضارب في معظم أسواق المنطقة أسهمت بتراجع سيولة عدد كبير من الشركات المدرجة مقابل تركز السيولة على عدد محدود من الشركات، فعلى سبيل المثال فإن 80% من سيولة الأسواق الإماراتية تتركز على حوالي 23 شركة مدرجة في السوق، بينما تستحوذ باقي الشركات وعددها يتجاوز المئة شركة، على 20% من السيولة.
وهذا بالطبع ساهم بانخفاض الفرص الاستثمارية المتوفرة داخل الأسواق المالية وخفض من مستوى عمقها وحيث يفضل المستثمرون وخاصة الاستثمار المؤسسي شراء أسهم الشركات التي تتمتع بسيولة عالية أي سهولة شرائها وبيعها لأن لأهم من شراء أسهم أي شركة سهولة بيعها بالوقت المناسب والسعر المعلن وبالتالي الاستثمار في الفرص البديلة في الوقت المناسب.
وباعتقادنا أن الأسواق المالية في المنطقة وخاصة بعد اتساع قاعدة المستثمرين فيها إلى أضعاف ما كانت عليه قبل عدة سنوات حريصين على الحفاظ على حقوق ومدخرات هؤلاء المستثمرين.
وبالتالي أصبحت بحاجة إلى خلق صانعي الأسواق، وهي إضافة نوعية بدلاً من الإضافات الكمية من الوسطاء المرخصين وحيث تجاوز عددهم في بعض الأسواق حاجز المئة وسيط ونسبة هامة منهم يشجعون المضاربة لتحقيق عمولات ومكاسب سريعة والمعلوم أن صانعي الأسواق يلعبون دوراً بالغ الأهمية في معظم الأسواق المالية العالمية وغيابهم برأي المتخصصين عادة ما يؤدي إلى تهميش آليات السوق وانخفاض كفاءتها وارتفاع مخاطره.
وفي ظل وجود صناع للسوق فإن تدفق عروض البيع على أسهم الشركات المختلفة عادة ما يقابله طلبات شراء والعكس صحيح وبالتالي المساهمة في خلق حالة من التوازن بين العرض والطلب وانحسار الفجوة بين سعري الشراء والبيع ورفع سيولة أسهم الشركات القوية والوصول بها إلى الأسعار العادلة وعادة ما يختص صانعي الأسواق بأوراق مالية أو بأسهم شركات محددة كل منهم بحسب ما خصص لهم من تلك الأوراق.
وبحسب معلوماتي الشخصية فإن عدد المتخصصين في بورصة نيويورك يتجاوز (350) شخصا والشخص المتخصص عادة ما يقتصر عمله على عدد محدود من الأوراق المالية وفي الأوقات التي تنشط فيها الأسواق فإنه يتعامل أو يتخصص بأسهم شركة واحدة وبسبب التخصص يصبح صانع السوق ملما بأسهم الشركات التي يتعامل بها من حيث سجل إنجازاتها وكفاءة إدارتها وتوقعات نمو ربحيتها وسلامة مركزها المالي والسعر العادل لأسهمها.
وبالتالي يتدخل صانع السوق في الوقت المناسب للشراء والبيع ويعلن يومياً عن أسعار البيع والشراء لأسهم الشركات المتخصص بها وفي بعض الأسواق يحدد الكميات التي يكون مستعداً لشرائها وبيعها والأسعار المعلنة.
ولأهمية هذا الموضوع فإن حوالي (50) شخصية اقتصادية ومالية واستثمارية سوف يجتمعون في نهاية هذا الشهر على طاولة مستديرة بدعوة من بنك أبوظبي الوطني وبدعم من هيئة الأوراق المالية لمناقشة مدى الحاجة إلى صانع للأسواق في الإمارات والدور الذي يمكن أن يلعبه في هذه المرحلة وآليات خلق هذه الوظيفة.
زياد الدباس
