استقرت أسعار النفط للعقود الآجلة قرب 106 دولارات للبرميل في التعاملات الآسيوية أمس غير بعيدة عن أعلى مستوى لها على الإطلاق مدعومة بهبوط حاد للدولار عزز مشتريات الصناديق الاستثمارية وعزوف منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» عن زيادة إنتاجها من الخام.

وفي إحدى مراحل التداول كان الخام الخفيف للعقود تسليم ابريل مرتفعا 16 سنتا عند 63. 105 دولارات للبرميل مقارنة مع أعلى مستوى له على الإطلاق البالغ 97. 105 دولارات. وجاءت المكاسب في أعقاب قفزة بلغت 5 دولارات أثارها هبوط مفاجئ في مخزونات النفط الأميركية. وارتفع خام القياس الأوروبي مزيج برنت 8 سنتات إلى 69. 102 دولار للبرميل. وقال احد المتعاملين في آسيا «أوبك حريصة على الحفاظ على أسعار النفط. إنهم ليس لديهم طاقة إنتاجية فائضة كبيرة لضخ الخام إلى السوق». وعززت مخزونات النفط الأميركية المرتفعة حجة المنظمة بأن السوق تتلقى إمدادات كافية لكن تقريرا للحكومة الأميركية صدر بعد اجتماع أوبك أظهر أن مخزونات الخام في أكبر مستهلك للنفط في العالم هبطت بمقدار 1. 3 ملايين برميل الأسبوع الماضي فيما كان المحللون يتوقعون زيادة.

ويعزز الهبوط الحاد للدولار أسعار النفط مع سعي المستثمرين إلى التحوط ضد التضخم. ويلقى النفط دعما أيضا من التوترات بين فنزويلا العضو في أوبك واحد كبار مصدري الخام إلى الولايات المتحدة وبين جارتها كولومبيا. وقال مارك واجنر رئيس اكسل للعقود الآجلة «الدولار يتراجع ثانية والمتحوطون يشترون السلع الأولية».

وكان صعود الأسعار يوم الأربعاء هو الأكبر على الإطلاق بالدولار بحسب قاعدة البيانات ايكو- وين التابعة لرويترز ولكنه ليس الأكبر بالنسبة المئوية. وقالت سيتي جروب في مذكرة بحثية «شح الخام مستمر. الارتفاع الحاد في سعر الخام تفاقم من جراء ضعف الدولار وقرار أوبك عدم التحرك».

وبدا أن التوجه السائد لدى أوبك هو أن المضاربات باتت المسؤول الأول عن ارتفاع الأسعار وأنها أصبحت كمن يصب الزيت على النار الأمر الذي أفقد المنظمة القدرة على التأثير في الأسواق. وفي هذا الإطار قال وزير البترول السعودي علي النعيمي إن المضاربات تحرك أسعار النفط وتجعل من المستحيل على أي منظمة التحكم في حركتها.

وأوضح «المضاربات لها تأثير كبير على تقلبات السوق لذا أصبح من الصعب استقرار السعر مادام العالم المالي وجد طريقة للكسب عبر ضخ أموال كبيرة في عمليات الأسهم المستقبلية وبسبب ذلك لا جهة ولا منظمة تستطيع التحكم في السعر».

وقال النعيمي «لا علاقة الآن بين أسس البترول وأسعاره. مهمة مصدري البترول هي التأكد من سلامة وصحة الأسس البترولية إذ يهمنا كمنتجين ومصدرين أن يكون العرض والطلب متساويين. وأن يكون المخزون الموجود في الدول المستهلكة في مكانة معتدلة ومستقرة».

ومن جانبه قال صندوق النقد الدولي إنه من غير الواضح ما الذي يغذي أسعار النفط القياسية وهل هو تزايد الطلب أم عمليات شراء للمضاربة أم تراجع حاد في الدولار. وقال مسعود أحمد المتحدث باسم الصندوق «من غير الواضح تماما أي قدر من هذا الارتفاع في الأسعار تحركه زيادة في الطلب أو ما إذا كان ناجما عن المضاربة أو ضعف الدولار».

وأضاف «إذا توقعنا، كما نفعل تباطؤا في الاقتصاد العالمي هذا العام فان لهذا التحول تأثيرا من حيث خفض الطلب على النفط وبالتالي سعر النفط». وسئل إن كان صندوق النقد يتوقع استمرار ارتفاع الأسعار فرد «لا يوجد الكثير من الطاقة الإنتاجية الفائضة وفي ذات الوقت هناك تراجع في الطلب ومن شأن هذا أن يؤثر على الأسعار».

وفي الواقع هنالك العديد من الأسباب التي تدفع الأسعار للارتفاع فقد أججت قوة الطلب على الخام وتعطيلات حقيقية ومحتملة للمعروض وضعف الدولار موجة صعود الأسعار من مستوى منخفض دون 50 دولارا مطلع العام 2007. وتزدهر تدفقات الاستثمار من صناديق معاشات التقاعد والتحوط على السلع الأولية وكذلك المضاربات.

وفي غضون ذلك تسببت أزمة الائتمان في ركود بعض الأسواق الأخرى عمليا مثل سوق الأوراق التجارية بضمان أصول في الولايات المتحدة. ويقول محللون إن بعض الأموال وجدت طريقها إلى أسواق الطاقة والسلع الأولية. وساعد تراجع قيمة الدولار مقابل عملات رئيسية أخرى على تعزيز عمليات الشراء في مختلف السلع الأولية حيث يرى المستثمرون أن الأصول المسعرة بالدولار رخيصة نسبيا.

كما نال ضعف العملة الأميركية من القدرة الشرائية لإيرادات أوبك وزادت القدرة الشرائية لبعض المستهلكين المسعرة وارداتهم بعملات أخرى غير الدولار. ولمح وزراء نفط أوبك إلى أنه رغم ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات اسمية قياسية إلا أن التضخم والدولار خففا من تأثير ذلك. وفي حين كانت الارتفاعات السابقة في الأسعار تنتج عن اضطرابات في الإمدادات فان الطلب من دول مثل الصين والولايات المتحدة هو المحرك الرئيسي للزيادات الراهنة.

وتباطأ نمو الطلب العالمي بعد ارتفاعه في عام 2004 لكنه مستمر في الزيادة ولم يكن لارتفاع الأسعار حتى الآن أثر يذكر على النمو الاقتصادي. ويقول محللون إن العالم يتكيف بشكل جيد مع ارتفاع الأسعار الاسمية لأنها تعتبر أقل من المستويات السائدة في موجات صعودية سابقة إذا أخذت أسعار الصرف والتضخم في الاعتبار كما أن بعض الاقتصادات أصبحت أقل استهلاكا للطاقة.

ويلقي البعض باللوم على قيود الإنتاج. وبدأت أوبك التي تضخ أكثر من ثلث إنتاج العالم من النفط خفض إنتاج الخام أواخر 2006 لكبح تراجع في الأسعار. وساعد تراجع معروض أوبك في السوق على ارتفاع الأسعار هذا العام في حين أخذت البلدان المستهلكة ممثلة في وكالة الطاقة الدولية تناشد المنظمة لشهور ضخ المزيد من الخام.

وقررت أوبك في اجتماعين عقدتهما في ديسمبر وفبراير وفي اجتماعها الأخير الأسبوع الماضي إبقاء الإنتاج دون تغيير. وضغط البعض في أوبك مثل إيران وفنزويلا والجزائر على المنظمة من أجل خفض الإنتاج. كما أدى نزاع بين فنزويلا عضو منظمة أوبك واكسون موبيل أكبر شركة نفط متداولة أسهمها بالكامل في العالم إلى ارتفاع الأسعار الشهر الماضي.

وعلقت فنزويلا صادرات النفط إلى اكسون في تصعيد للمعركة التي تخوضها مع شركة النفط الأميركية بشأن التعويض عن تأميم مشروع نفط. كما هددت فنزويلا بقطع الصادرات عن الولايات المتحدة. وقدم منتجو نفط في الشرق الأوسط تطمينات إلى الولايات المتحدة بتعويض أي نقص في المعروض إذا كبحت فنزويلا الصادرات.

كما تعد التوترات بين فنزويلا وجارتها كولومبيا عامل عدم استقرار. وانخفضت إمدادات الخام من نيجيريا أكبر بلد مصدر للنفط في إفريقيا منذ فبراير عام 2006 بسبب هجمات متشددين على صناعة النفط في البلاد. وأوردت الشركات تفاصيل وقف إنتاج نحو 200 ألف برميل يوميا من إنتاج نيجيريا بسبب الهجمات وعمليات تخريب.

ويعود ارتفاع أسعار الخام جزئيا إلى ضعف نمو الطاقة التكريرية في دول مستهلكة رئيسية مثل الولايات المتحدة. وقالت وكالة الطاقة الدولية العام الماضي إن نمو طاقة مصافي التكرير العالمية على مدى السنوات الخمس المقبلة سيكون دون توقعاتها السابقة مع تأخر أعمال البناء جراء ارتفاع التكاليف ونقص المهندسين.

وتدخل العوامل الجيوسياسية بقوة في التأثير على أوضاع أسواق النفط. ويجاهد العراق لإنعاش صناعة النفط بعد عقود من الحروب والعقوبات وضعف الاستثمار. وبدأت صادرات خام كركوك من شمال البلاد تستقر مع تعافي خط الأنابيب من المشاكل الفنية التي تسببت في تعطله معظم الوقت منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في مارس 2003.

كما تأثرت سوق النفط أيضا بالتوترات بين إيران والغرب بقيادة الولايات المتحدة بشأن برنامج طهران النووي. وتقول إيران إن برنامجها النووي يهدف لإنتاج الكهرباء لكن الغرب يعتقد أنه لإنتاج قنبلة نووية.

70 ألف برميل يومياً تراجعاً في شحنات أوبك

قال محلل يرصد حركة شحنات النفط إن صادرات منظمة أوبك عدا أنجولا والاكوادور ستتراجع 70 ألف برميل يوميا في الأسابيع الأربعة حتى 22 مارس وذلك قبل أعمال صيانة دورية بمصافي التكرير في أنحاء العالم.

وتوقع روي ميسون من مؤسسة أويل موفمنتس الاستشارية البريطانية تراجع صادرات الخام المنقولة بحرا من 11 عضواً في أوبك إلى 32. 24 مليون برميل يوميا من 39. 24 مليون برميل يوميا في الأسابيع الأربعة السابقة حتى 23 فبراير.

وأوضح ميسون «الصادرات تتراجع تدريجيا جدا. لكن الشحنات تراجعت كثيرا عن الذروة التي شهدناها في منتصف فبراير عند 82. 24 مليون برميل يوميا». مضيفا أنه أمر طبيعي لهذا الوقت من السنة. وقال «لدينا أعمال صيانة بمصافي التكرير في أنحاء العالم».

وقالت السعودية أكبر بلد مصدر للنفط في العالم والتي دأبت على التعهد بضخ إمدادات جيدة في السوق إنها تنتج 2. 9 ملايين برميل يوميا أي ما يزيد على نحو 300 ألف برميل يومياً عن حصتها الرسمية.

أميركا عاجزة عن كبح جماح الأسعار

قال البيت الأبيض الأميركي إنه لا يوجد الكثير الذي يستطيع الرئيس جورج بوش القيام به على المدى القريب لكبح ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية بعد رفض أوبك زيادة الإنتاج. وقالت دانا بيرينو المتحدثة باسم البيت الأبيض «لقد حاولنا التشجيع على زيادة في إنتاج أوبك.

لكن إذا كانت أوبك قد قررت أنها لن ترفع الإنتاج فانه لا يوجد الكثير الذي يستطيع الرئيس أن يفعله. نحن لا نتحكم في قراراتهم». ويقول مسؤولو البيت الأبيض إن شح المعروض هو السبب الأول وراء أسعار النفط القياسية المرتفعة في حين يشير وزراء أوبك إلى المضاربة في السوق.

100 تعهد لتشجيع الطاقة المتجددة

أصدر المشاركون في المؤتمر الدولي للطاقة المتجددة بواشنطن مساء أمس الخميس أكثر من 100 تعهد تتعلق بتشجيع مشروعات الطاقة المتجددة التي تضمن مواجهة النقص المتزايد في إمدادات مصادر الطاقة التقليدية وحماية البيئة.

وفي الوقت نفسه فإن عدد هذه التعهدات جاء أقل من العدد الصادر عن المؤتمر الأول للطاقة المتجددة في بون بألمانيا 2004 الذي شهد صدور 197 تعهدا.وكانت الدنمارك في مقدمة الدول التي تعهدت قبيل مؤتمر واشنطن بزيادة نصيب مصادر الطاقة المتجددة من إجمالي إنتاجها من الطاقة إلى 30% على الأقل بحلول 2025.

وقالت وزيرة المناخ والطاقة الدنماركي كوني هيديجارد أمام المؤتمر إنه يجب إغراء المستثمرين من خلال إشارات حكومية واضحة بأن أي استثمارات في مجال الطاقة المتجددة سوف تحظى بدعم كبير وستحقق مردودا مرتفعا.

أما رئيس الوزراء الكندي السابق كيم كامبيل فقال إنه يجب إظهار الإرادة السياسية القوية لدعم مشروعات الطاقة المتجددة بهدف خفض الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري. وقدمت النرويج خطة ستصبح بمقتضاها دولة خالية من العوادم الكربونية بحلول 2050.

أما أستراليا فتعهدت بزيادة حصة مصادر الطاقة المتجددة لديها إلى 20% بحلول 2020 . كما تعهد عدد من الجزر الصغيرة المعرضة بصورة أكبر لمخاطر ارتفاع منسوب سطح البحر نتيجة ظاهرة الاحتباس الحراري بخفض كبير لاستهلاكها من الوقود الكربوني. وقالت نيوزيلندا إنها تأمل في الحصول على 90% من إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول 2025.