تعتبر تشيكيا من الدول القليلة في أوروبا التي تتعامل مع مسألة تبني اليورو بكثير من التروي والهدوء. فبعكس جارتها سلوفاكيا التي انفصلت عنها في العام 1993 وسلكت طريقا اقتصاديا جريئا ميّزها عن غيرها من الدول المحيطة، تحرص تشيكيا على التمسّك بسياسة الحرص فيما يتعلق بالتكامل مع البيئة الأوروبية الغربية التي انضمت إليها قبل بضعة أعوام.
هذا الأمر يتبيّن بشكل واضح في موضوع تبني العملة الأوروبية الموحدة تحديدا، حيث يتمسك المسؤولون التشيك بتكتيك التروي وعدم الاستعجال، بل يذهبون في تفكيرهم لأبعد من ذلك بكثير فيتردّدون بتحديد موعد ثابت لتبني اليورو لكي يحافظوا على قدر لا بأس به من المناورة.
ويبدو بأن هذه السياسة قد انعكست بشكل إيجابي على وضع العملة المحلية ( الكرونة ) التي حققت خلال الأشهر الماضية أرقاما قياسية وتاريخية فيما يتعلق بثباتها وقيمة سعر صرفها مقابل العملات الأخرى. هذا الأمر أكدته أيضا التطورات الحديثة المسجلة مقابل اليورو والدولار تحديدا، والتي أثبتت بأن الكرونة التشيكية تعتبر في الوقت الحاضر العملة الأكثر ثباتا وقوة من بين العملات الأخرى في العالم فيما يتعلق بتطور سعر صرفها مقابل اليورو والدولار.
هذا التطور دعا كثيرا من المستثمرين العالميين لاعتبار تشيكيا في مصاف الدول الأقل تأثّرا بالأزمة المالية العالمية، ما أدّى بالتالي لتدفقهم على البلاد التي تتمتع حسب رأيهم ببيئة استثمارية آمنة، والإقبال على شراء العملة المحلية بنهم كبير.
وفي وقت يحذر فيه بعض الخبراء الاقتصاديين من مغبة التمادي في هذا التفاؤل خصوصا فيما يتعلق بتقييم الوضع الاستثماري والمالي التشيكي، يرى آخرون بأن الأرقام القياسية التي تحققها العملة التشيكية المترافقة مع النمو القياسي والتاريخي الذي تحققه العجلة الاقتصادية، تعتبر مؤشرا واضحا على أن تشيكيا ستنأى بنفسها ـ على الأقل في المرحلة الأولى ـ عن آثار أية أزمة مالية عالمية قد تهز قواعد الاقتصاد العالمي خلال الفترة الحالية أو المقبلة.
وإذا اعتبرنا بأن القسم الثاني من الخبراء يبالغ حقا في تفاؤله، فإنه قد يكون من المنطقي أن نؤمن بأن آثار أية أزمة قد تستغرق وقتا إضافيا قبل أن تصل إلى البيئة التشيكية، أخذا بعين الاعتبار أن هذه البيئة تتأثر حكما بالبيئة الاقتصادية الأوروبية الغربية تحديدا، وبالتالي فأنها قد تبدأ بالتعرض لنكسة معينة في حال ضعف اقتصاد الشركاء التجاريين الكبار الذين يستهلكون الكم الأكبر من البضائع التشيكية المصدرة إلى الخارج.
في هذا السياق يتوقع خبراء ماليون أوروبيون أن تتعرض بعض اقتصاديات الدول الأوروبية الكبرى إلى تراجع في معدلات النمو، وخصوصا تلك التي ترتبط مع تشيكيا في مشاريع استثمارية معيّنة مثل ألمانيا التي لن تحقق نموا يتجاوز 9. 1% وفرنسا التي من المتوقع أن يصل نموها إلى 8. 1% وإيطاليا التي قد تحقق نسبة نمو مماثلة تقريبا.
ويرى الخبراء في هذا السياق أنه في حال تباطأ الاقتصاد الأوروبي بمعدل نسبة مئوية مثلما هو متوقع، فإن الاقتصاد التشيكي سيفقد بدوره ما قيمته نصف نسبة مئوية. في هذه الأثناء أعلن مركز الإحصاء بأن الفائض في ميزان التجارة التشيكي بلغ خلال شهر يناير الماضي حوالي 2. 12 مليار كرونة، أي أكثر بحوالي 4. 2 مليار مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وبرر المركز ذلك باعتبارات مرتبطة ببداية العام، وهي الفترة التي تشهد عادة انتعاشا على الصعيد التجاري.
ما يهمنا في هذه الأرقام ارتباطا بثبات العملة التشيكية هو أن معدل التجارة الخارجية التشيكية ارتفع مؤخرا بسبب ارتفاع سعر صرف العملة المحلية مقابل اليورو والدولار على حد سواء، حيث بلغ حجم الفائض التجاري المحقق مع ألمانيا 2. 2 مليار كرونة، وفرنسا 6. 1 مليار، وسلوفاكيا 1. 1 مليار.
مقابل ذلك انخفض حجم العجز التجاري مع الصين بمعدل 2. 4 مليارات كرونة، والولايات المتحدة بمعدل 7. 0 مليار، وروسيا بمعدل 2. 0 مليار. وحسب الأرقام الواردة في تقرير المركز المذكور، فإن حجم التصدير التشيكي ارتفع خلال الأشهر الاثني عشر الماضية بمعدل 9. 14% والاستيراد بمعدل 9. 12%، وبلغ حجم الميزان التجاري 4. 87 مليار كرونة.
براغ ـ حسن عزالدين