تواصلت في المجمع الثقافي في أبو ظبي فعاليات وعروض مسابقة «أفلام من الإمارات» في دورتها السابعة، وكان من أبرز العروض التي أثارت جدلاً بين جمهور المسابقة؛ هو الفيلم التسجيلي «صراع المعاناة» للمخرجة الإماراتية أفراح الجنيبي التي تشارك لأول مرة في المسابقة.
يصوّر الفيلم الحياة المأساوية والتراجيديا الواقعية التي تعيشها «عجوز إماراتية» تركها الأهل والأقربون لمواجهة قدرها وفقرها المدقع، ونقل الفيلم بالصوت والصورة ودون مؤثرات فنية تجميلية؛ الحياة الحقيقية لهذه العجوز التي ناف عمرها على السبعين.
ونقلت المخرجة «أفراح الجنيبي» صوت هذه الإنسانة ومأساتها إلى الشاشة البيضاء دون توجيه لما يعرف بحركة الممثل وتعليم الأداء والتعامل مع الكاميرا، بل كانت هذه المرأة الإماراتية العجوز تتحرك بحرية ودون تقييد في مساحة الكاميرا الممتدة في «العزبة» الخربة التي تقطنها.
في حديثها ل«البيان» أشارت المخرجة أفراح الجنيبي إلى الواقعية السوداء التي واجهتها حين اتجهت ـ بعد أن عرفت بأمر هذه المرأة العجوز- إلى عمق الصحراء القاحلة، حيث أنجزت في البداية تقريراً إنسانياً تم بثه من إذاعة أبو ظبي.
تقول الجنيبي: حين انطلقت بنا السيارة للقاء هذه المرأة العجوز، لم أكن أصدق أني سأرى بعيني واقع «والدة إماراتية عجوز» تعيش وسط هذه الصحراء وتعاني فقراً مدقعاً لا يتصوره أحد حتى في أفقر دول العالم، واقتربنا ـ أنا وفريق التسجيل الإذاعي ـ من بيت هذه الإنسانة الخشبي المتهاوي في «العزبة ـ العزبة تطلق في الإمارات على مكان تربية الغنم والجمال والماشية» قرب منطقة «الشكلة» على طريق مدينة «العين»، فوجدناها «تفترش الأرض وتلتحف السماء» ولا شيء من الحضارة والتمدن الذي نراه اليوم كان له أي أثر في المكان.
تضيف أفراح الجنيبي: سردت لي هذه العجوز حكايتها، منذ أن كانت تعيش في بيت ـ مما يعرف بالبيوت الشعبية التي تمنحها الحكومة ـ حتى طردها من ذلك البيت بعد وفاة ولدها الوحيد، فاختارت الحياة المنعزلة التي تنتظر «الموت» وسط هذه الصحراء القاحلة، لا يرافقها في سنى عمرها الأخير سوى عامل آسيوي ظل وفياً لها لرعاية بعض الماعز المتبقي في «العزبة».
كما قصّت لي هذه الإنسانة ما لاقته من إهمال شديد ولامبالاة من أقاربها وأبناء أخيها الذين طلبت عونهم فردوها بجفاء وعقوق، وبعد إنجاز التقرير الإذاعي، فكرت بإنجازه كفيلم يفضح هذه الصورة الكارثية من العقوق والإهمال الذي تلقاه إنسانة إماراتية في أواخر أيام حياتها.
وقد كان من أبرز العقبات التي واجهتني أثناء التصوير؛ صعوبة التجول في المكان لبعده ووعورته والمشقة للذهاب إليه، وكذلك تعامل هذه المرأة مع الكاميرا التي لم تعتد عليها وكانت لا تستطيع التعبير أمامها بصورة متناسقة.
تعيش هذه العجوز الإماراتية الفقيرة وسط الصحراء بانتظار مخلصها الوحيد ـ الموت ـ مجهزة لنفسها «كفنا» أظهرته المخرجة في الفيلم، وعن خشية المخرجة أفراح الجنيبي من الإشكالات الاجتماعية المتعلقة بالجانب القبلي القوي في الإمارات؛ التي يمكن أن تنشأ بعد إخراج هذا الفيلم.
تقول: لقد نقلت بأمانة صورة الفقر والانكسار الذي تعيشه هذه الإنسانة، والذي يخجل أو يستحي من إظهار صورتها المحزنة، أفلا يستحي من عقوقها وإبقائها في هذا الوضع المزري الذي لا يرضي «أرضاً» ولا «سماء»!! وهل من الإنصاف أن تعيش إنسانة إماراتية في هذا الوضع المأساوي في زمن الرفاهية والثروات الطائلة!!
تخرجت أفراح الجنيبي من جامعة الإمارات، قسم الإعلام، حيث كانت على رأس مؤسسي نشرة الجامعة المتخصصة «الإعلامية»، وعملت كمحررة صحفية في أغلب صحف الدولة، وبعد رحلة العمل التحريري المكتوب، انتقلت «الجنيبي» للعمل في إذاعة أبو ظبي كمحررة أخبار ومعدة للنشرات الإخبارية، وهي تُعد بعد إنجازها لفيلم «صراع المعاناة» التسجيلي، لإنجاز فيلم آخر مستوحى من رواية إماراتية حديثة.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
