يعتبر رئيس وزراء لبنان الأسبق أن التصور الأمثل للمقصود من حركة العولمة، حسبما يزعم قادة الدول الأكثر تقدّماً في العالم، هو تصور نبيل، أما الطريق إليه فمحفوف بالصِعاب والإشكالات والشجون. فالراهِن أن اختصار الطريق إلى العولمة بفرض واقع جديد في العلاقات الدولية لا يتحقّق إلا على حساب الشعوب الأصغر والأضعف فيصبّ في مصلحة الأكبر والأقوى. المعروف أن فلسفة العولمة تقوم على نظرية أن المنافسة الحرّة، عبر الحدود الدولية كما داخل أي مجتمع، كَفيلة بخفض الأسعار وإنتاج أجود النوعيّات.

ولكن المنافسة المجدية تفترض التكافؤ في الإمكانات والقدرات بين الناشطين على الساحة الاقتصادية، وفي حال غياب التكافؤ فإن الغلبة في حلبة المنافسة تكون حكماً للأكبر والأقوى على حساب مصالح الأصغر والأضعف. ولطالما اعتُبرت العولمة بأنها مرادفة للأمركة. من هنا التخوّف السائد في المجتمعات الأقل تقدماً وتطوراً من أن تكون العولمة مَطيّة للدول الصناعية وعلى رأسها الدولة العظمى، الولايات المتحدة الأميركية، للهيمنة على الاقتصاد العالمي، وبالتالي استنزاف لا بل ابتزاز ما يُسمّى العالم الثالث.

السلطة المركزية الأميركية

ويعتبر الحص أن أكبر من يدرك هذا الواقع هي القوى الأكبر والأكثر تقدماً، بدليل أنها جميعاً تسلك سياسات تضمن مصالحها الذاتية، ولو على حساب حرية المنافسة الدولية، في مجالات حيوية تعنيها. فالسلطة المركزية في أميركا، مثلاُ، تحمي صناعة الطيران في وجه المنافسة الأوروبية بتقديم الدعم والمساعدة للشركة التي تصنع الطائرات، وكذلك هي تحمي بعض المنتجات الزراعية وتدعمها، كما أن الإدارة الأميركية لا تتوانى عن ممارسة الضغوط في شتى أصقاع العالم حفاظاً على مصالح أميركا الاقتصادية.

من ذلك حرصها على استمرار ربط بعض الدول عملاتها بالدولار والاحتفاظ بمخزون منه في احتياطاتها النقدية. ومن أدوات الضغط الذي يمارس المعونات المالية التي تقدمها الدولة العظمى وأشكال السطوة السياسية وأحياناً العسكرية التي تبسطها على مصادر القرار في دول أخرى. وتدخّلات الدول الكبرى من أجل التأثير في السياسات النفطية للدول المنتجة ظاهِرة للعيان في انعكاسها على حجم الإنتاج وأسعار النفط في السوق الدولية.

المنافسة الأوروبية

وعن التجربة الاقتصادية الأوروبية في العقود الماضية، يقول:ما كان إنشاء الاتّحاد الأوروبي وتوسّعه ليضمّ 27 دولة أوروبية، إلا تعبيراً عن إدراك قادة أوروبا أن لا قيمة يُعتدّ بها لأي دولة من دول الاتّحاد منفردة على الساحة الدولية، وأن الاتّحاد هو سبيل أوروبا لتوطيد مكانتها دولياً سواء على المستوى السياسي أم على المستوى الاقتصادي. وفي الحديث عن المكانة الدولية يصعب التفريق بين السياسة والاقتصاد. فالاتّحاد الأوروبي انطلق من قواعد اقتصادية ليتطوّر مع الزمن إلى كيان له ابعاده السياسية.

والاتّحاد الأوروبي يسعى إلى تعزيز مكانته الاقتصادية عالمياً بعقد اتّفاقات كان منها اتّفاقات الشراكة مع دول حوض البحر المتوسط. وكما تحمي أميركا صناعة الطائرات فيها كذلك تفعل أوروبا بأساليب مختلفة. والعلاقات المميّزة التي يبنيها الاتّحاد مع دول الجوار ومع دول أخرى من شأنها تعزيز موقع الإنتاج الأوروبي في حلبة التنافُس الدولي في مواجهة الإنتاج الأميركي والياباني وغيره.

وما يصحّ على السياسات التي تنتهجها الإدارة الأميركية على هذا الصعيد يسري أيضاً على السياسات التي تسلكها روسيا. وهذا شأن مختلف التشكيلات التي تقام في أقاليم معيّنة من العالم. وكما روسيا كذلك قوتان اقتصاديتان على وجه لافِت، هما الصين والهند.

العولمة وتحدي الحماية

ويقول في كلمته أمام الحضور اليوم: إنّ تيّار العولمة الذي تقوده مجموعة الدول الصناعية، وفي مقدمها أميركا والاتّحاد الأوروبي، لم تحُل في الماضي ولا تَحول اليوم ولن تَحول مستقبلاً دون مواصلة الدول الأكبر والأقوى سياساتها الرامية إلى حماية قطاعات معينة من اقتصاداتها في مواجهة المنافسة الخارجية لمنتجاتها في الداخل وفي السوق العالمية، وإلى تعزيز مكانة منتجاتها التنافسيّة في السوق العالمية عبر عقد الاتّفاقات الاقتصادية كما عبر إقامة تكتّلات اقتصادية بابعاد سياسية، وكذلك ممارسة شتى ألوان الضغط والنفوذ ذوداً عن مواقعها التنافسية على الساحة العالمية.

والتهديد العسكري يُستخدم أحياناً في محاولات ممارسة الضغط وبسط النفوذ على المستوى الاقتصادي. والمساعدات العسكرية أحياناً تدخل في هذا الإطار، بما في ذلك إمداد الدول الكبرى الدول الأصغر بالعتاد الحربي والذخائر والتكنولوجيا.

بعبارة أخرى، فالعولمة لا تعني بالضرورة التفريط في المصالح الوطنية والقومية اقتصادياً أو سياسياً، كما لا تعني التخلّي نهائياً عن حماية الإنتاج المحلّي. فحرية التنافس في إطار العولمة على الصعيد الدولي ليست حرية مُطلقة، بل هي تخضع لضوابط تمليها المصالح الوطنية والقومية الحيويّة على المستويين السياسي والاقتصادي.

«حلم» الاتحاد العربي

ويقول الحص: من حقّنا أن نعتبر، نحن العرب، أننا أولى بالاتّحاد من الأوروبيين. فالعرب يجمع بينهم لغة واحدة، هي لغة الضاد، فيما يتحدّث الأوروبيون مالا يقل من خمس وعشرين لغة، وتشدّ العرب مصالح مشتركة كما دول أوروبا، ويسود العرب كما يسود أوروبا شعور بالمصير المشترك، وفي خلفية العرب تراث عريق مشترك فيما تاريخ أوروبا حافِل بالحروب الضارية بين دولها، كان منها الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية خلال القرن العشرين، ناهيك بالحروب التي كانت أوروبا مسرحاً لها خلال قرون سابقة كان منها الحروب النابليونية.

ويضيف: من حقّنا أن نطمح إلى إقامة اتّحاد عربي على غرار الاتّحاد الأوروبي، بحيث يبدأ اقتصادياً ثم يتطوّر ليكتسب ابعاداً سياسية تتوثّق أكثر فأكثر مع الزمن. ونحن في لبنان نطمح أن تكون عاصمتنا بيروت بروكسل العرب، أي عاصمة الاتّحاد العربي. ذلك لأننا نؤمن بأن بيروت تتمتّع بالمزايا والإمكانات والمقوّمات اللازمة لتقوم بدور العاصمة للاتّحاد العربي المنشود.

وممّا يعزّز إيماننا بضرورة العمل على إطلاق اتّحاد عربي ما نشهد هذه الأيام من مشاريع، حتى لا نقول مؤامرات، دولية لتمزيق الأمّة العربية ويشهد بذلك ما يدور من صِراعات داخل شتى الكيانات العربية. ليس من الصدفَة في شيء أن تفجّر أزمات مدمّرة في العراق وفلسطين ولبنان والسودان في آنٍ واحد. وأبلغ ردّ على مشاريع التفتيت سيكون في مشروع لتوحيد العرب.

قوة الاقتصاد ووزن السياسة

ويعتبر أنه لم تمنع حركة العولمة على المستوى الدولي من قِيام السوق الأوروبية المشتركة ومن ثم الاتّحاد الأوروبي وتطويره اقتصادياً وسياسياً ليغدو مركز ثِقل مرموقاً دولياً، فأضحت أوروبا شريكاً فاعلاً في القرار الدولي مع الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. كذلك لم تمنع حركة العولمة الصين والهند من تطوير اقتصاديهما على وجه أضحت الدولتان من جرائه مرشّحتين لأن تكونا في عداد القوى الاقتصادية، ومن ثم السياسية، التي تشارك مشاركة فعّالة في صنع القرار الدولي سياسياً واقتصادياً.

وبناء على ذلك ليس ما يمنعنا نحن العرب من السير على هذه الطريق فنستولد اتّحاداً فيما بيننا على نحو متدرّج، مُستفيدين من التجربة الأوروبية الناجحة. بذلك لا نمكّن ظاهرة العولمة المتعاظِمة من سحقنا أو تهميشنا، لا بل بذلك نستطيع نحن العرب أن نسخّر حركة العولمة لخدمة مصالحنا، كما تفعل أميركا وأوروبا وكذلك اليابان والصين والهند. وبذلك يكون لنا شأن في الساحة الدولية ينسجم مع إمكاناتنا ومنطلقاتنا ومصالحنا الوطنية والقومية.

فلنبدأ كما بدأت أوروبا بسوق مشتركة ثم منطقة اقتصادية حرّة وننتهي باتّحاد عربي مُتماسِك ومُتكامِل اقتصادياً وسياسياً. ولا حاجة بِنا إلى التذكير بأن الاتّحاد العربي سيكون سبيلاً لتعظيم إمكانات أمّتنا التنمويّة على الوجه الأمثل. فأولوياتنا كأمة تختلف عن أولوياتنا ككيانات وطنية متفرّقة. إذا ما وَعينا ذلك فإننا سنتمكّن من تسريع خُطى النمو في اقتصادنا العربي على الوجه الذي يجعل منه قوة يُعتد بها على الصعيد الدولي.

وهذا سيكون من شأنه تحصين موقعنا السياسي على المستوى الدولي بحيث نكون أكثر قدرة على صون حقوقنا القومية في وجه سطوَة الدول الكبرى التي تُهيمن على المسار السياسي في العالم، وفي مقدّمها الدولة العظمى أميركا. وحالنا اليوم في فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال إنما هي انعِكاس لضعف موقعنا الدولي وانكِشافنا على أطماع القوى العالمية فِينا. وضعفنا هو بالطبع في تفرّقنا وتنازعنا فيما بيننا.

الإصلاح في الأقطار العربية

وعندما نتحدث عن الاتّحاد الأوروبي لا نغفل أن شرط تحقيقه مُزدوِج: أولاً تطوير الحياة الديمقراطية في أقطار العرب كافة بحيث يأتي قرار الاتّحاد نابِعاً من إرادة شعبية حرّة لا بل محصّناً بهذه الإرادة. ثانياً تكثيف حركة التنمية في شتى الأقطار العربية بحيث يتحقّق القدر الحيوي من التجانُس بين المجتمعات العربية اقتصادياً واجتماعياً.والتجانُس، أقلّه في حَدّه الأدنى، من مقومات الاتّحاد ومن عناصر متانته. لذا فنحن إذ ندعو إلى العمل على إقامة اتّحاد عربي، فإنّنا ندعو إلى إصلاح شامل في الأقطار العربية على مستوى الحياة الديمقراطية كما على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ليس سِراً أن جامعة الدول العربية أضحت مُستهلكة ومُنهكة، وبالتالي فاقِدة الفعالية، وذلك بفعل الخلافات والنِزاعات العربية وتشتّت مصادر القرار في الأقطار العربية. والاتّحاد العربي هو البديل الأنجع والطبيعي للجامعة. وقد ظهر عجز الجامعة المُطبق مؤخراً في الانكِفاء العربي عن القيام بدور في التصدّي لما واجهت عدد من الدول العربية من تحديات مصيرية لم تلقَ صدى كافياً على مستوى الجامعة.

وكما أن حركة العولمة لم تمنع من قِيام تكتلات إقليمية ومن تبنّي دول صناعية كبرى سياسات تحفظ مصالحها الذاتية، وهي لا تمنع إقامة اتّحاد عربي، فإنها يجب ألاّ تكون حائلاً دون إطلاق اتّحاد خليجي يكون خطوَة حيوية أولى في طريق العمل على إقامة اتّحاد عربي جامع.

دعم الاتحاد الخليجي كمدخل للتعاون العربي

يقول الدكتور سليم الحص: لقد خطا مجلس التعاون الخليجي خطوَة مشهودة في طريق الوحدة العربية في مؤتمر القمّة الخليجية الذي انعقد في الدوحة، قطر، فصدر عن المؤتمر في 4/12/2007 بيان تاريخي أعلن فيه بدء العمل بالسوق الخليجية المشتركة اعتباراً من مطلع العام 2008، ونصّ على تقوية أواصر التعاون بين الدول الأعضاء وتحقيق التنسيق والتكامل والترابُط بينها في جميع الميادين وصون وحدتها.

وجاء أن السوق الخليجية المشتركة توجب أن «يعامل مواطِنو دول المجلس الطبيعيون والاعتباريون في أي دولة من الدول الأعضاء مثل معاملة مواطنيها دون تفريق أو تمييز في كل المجالات الاقتصادية. وكانت هناك دعوة إلى استكمال تحقيق المعايير المالية والنقدية لتقارب الأداء الاقتصادي بين دول المجلس». وكلّف وزراء المال ومحافظي مؤسسات النقد والمصارف المركزية «وضع برنامج لاستكمال جميع متطلّبات الاتّحاد النقدي ورفعه إلى الدورة المقبلة للمجلس الأعلى التي تعقد السنة المقبلة في مسقط».

كونفدرالية سياسية

يعتبر رئيس الوزراء الأسبق أنه في حال تحقّق الاتّحاد الخليجي اقتصادياً ومالياً ونقدياً، فمن الطبيعي أن يتطوّر سياسياً في صِيغة كونفدرالية، ويكون مرشّحاً لأن يتدرّج إلى كيان فدرالي ثم، في أحسن الاحتمالات، اندِماجي. الاتّحاد الخليجي سيكون بإذن الله نواة للاتّحاد العربي الشامل ورائداً له. لذا فإن الرِهان على نجاح الاتّحاد الخليجي هو من الرِهان على استيلاد اتّحاد عربي جامِع، تتكامل فيه عناصر الدولة الاتحادية العربية الموعودة على امتِداد الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

وعند ذاك يكون للعرب شأن على الساحة الدولية وتالياً دور فاعِل خلاّق يصبّ في خدمة المصلحة القومية العربية وسعادة الإنسان في هذه الأمّة. وأعظم ألوان السعادة تتولّد عن القدرة على الإنجاز والعطاء حضارياً. ولن يكون للعرب وزن حضاري، يُضيء اسمهم في تاريخ البشرية، إلاّ باتّحادهم وتضافُر إمكاناتهم على كل صعيد وفي كل مجال. بذلك يستعيد العرب عِزّهم ومجدهم التليد. وسيكون للخليج فضل السبق والريادة في هذه المسيرة.

دبي ـ «البيان»