نفى المخرج الإماراتي الشاب فاضل المهيري؛ ما تردد عن قبوله عرضا تقدمت به إحدى الجهات الأجنبية لتمويل فيلمه الجديد «حكاية قرصان» الذي يحكي بصورة حيادية فترة الاحتلال الإنجليزي لمناطق رأس الخيمة والشارقة في بداية القرن التاسع عشر، ويتناول التشويه الذي تعمده الاستشراق الغربي لسكان هذه المناطق من أبناء «القواسم»، وتهمة «القرصنة» التي وصمت بها تلك الدوائر الغربية سكان هذه الأرض الطيبة.

وأضاف المهيري الذي يشارك في مسابقة السيناريو بمسابقة أفلام من الإمارات- في حديثه ل«لبيان»: لقد تقدمت بمشروع وسيناريو هذه الفيلم لعدة جهات من بينها مهرجان الشرق الأوسط الذي أقيم قبل أشهر في العاصمة أبو ظبي، كما تقدمت به لجهات أخرى بغرض تمويله.وأنا بانتظار الموافقة على تمويله من داخل الإمارات، وأرفض أي عرض تتقدم به جهات أجنبية، لأني أعتقد أنها ستتجه بقصة الفيلم إلى ما يخدم رؤيتها ونظرتها التاريخية والسياسية والفلسفية لتلك الأيام التي شهدت تداخلاً كبيراً ومعقداً في العلاقات بين الدول والقبائل والشخوص، ولن يصيبني اليأس خلال انتظاري لجهة تمويل محلية.

تدور أحداث «حكاية قرصان» في الفترة التي شهدت غزو القوات البريطانية لسواحل رأس الخيمة والشارقة للفترة من 1811- 1819م التي صادفت استيلاء «القواسم» على السفينة الحربية «داريا دولت». يقول المهيري عن سيناريو الفيلم: لقد أعددت سيناريو الفيلم بطريقة حيادية، عدت بها إلى عشرات المصادر والوثائق التاريخية.

من بينها مؤلفات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وأحد أهم المراجع الأجنبية «دليل الخليج» ـ لوريمر، «مذكرات كيري» الإنجليزية وعشرات المصادر من عمان والبحرين ومصر وغيرها من دول المنطقة، ولكني لم أطرح قصة الفيلم بصورة «الأبيض والأسود» و«الخير والشر» بمعنى أني حاولت تجنب الصورة الساذجة التي تنقل بها السينما المؤدلجة الوقائع التاريخية.

عن أسلوبه في كتابة «حكاية قرصان» يقول المهيري: لقد اخترت شخوص الحكاية على نوعين من المستوى الفني، فمنهم «أشخاص حقيقيون» فرضهم الواقع التاريخي، و«أشخاص خياليون» فرضهم الواقع الفني الذي أسعى لتقديمه.

لكن دون الإخلال بمعطيات التاريخ وحركته، وحين يرى هذا الفيلم النور، سيفتح الباب واسعاً للكتاب والمؤرخين والأدباء والمهتمين بقضايا المنطقة والسينمائيين لإنجاز أعمال أدبية وتاريخية وفنية عن تلك الفترة الشائكة، ولكني أعتقد أنه سيولد جدلاً أكثر بين المؤرخين من جهة وبين كتاب السيناريو الذين يضيفون لمسات يرونها كضرورة فنية لابد منها.

تجوّل فاضل المهيري في جميع أرجاء المناطق الإماراتية المتصلة بأحداث تلك الفترة لاختيار موقع تصوير لفيلمه المرتقب، لكنه اختار منطقة قريبة من الساحل الإماراتي وتقع في سلطنة عمان تدعى «خصب» قرب مضيق «هرمز»، عن اختياره لهذه المنطقة يقول المهيري: بدت معالم هذه المنطقة مناسبة جداً لأحداث القصة.

فلم يتغير فيها الكثير من حيث البيئة ومن حيث العمران، ومن حيث الطوبوغرافيا باعتبار أن سكان المنطقة لا يزالوا من قبيلة «الشحوح» العربية التي قطنت هذا المكان وشهدت الأحداث طيلة قرنين من الزمن، وكان «الشحوح» يعملون مع «القواسم» في حراسة وحماية هذه المنطقة المهمة في منطقة الخليج؛ وأعني بها «مضيق هرمز».

حيادية الطرح

يرفض فاضل المهيري -كما أشرنا- الصورة التقليدية التي تقدمها السينما العربية للأحداث التاريخية التي مرت بالأمة أو البلدان العربية، وهي صورة «الخير والشر» و«الملاك والشيطان» وهي صورة ساذجة تستغفل المشاهد وتسخر من عقله، وأعتقد أن هذه الحالة شاملة ولا تخص العرب -وإن كانت تبرز لديهم- ففي هوليوود التي تدعي الحرية قمعت لجان «المكارثية» جميع الأصوات اليسارية أو المتحررة في السينما الأميركية.

وتم زج العشرات من المخرجين والكتاب السينمائيين الرائعين في السجون بحجة مساندتهم للشيوعية، فظهرت الأفلام الأميركية التي تلت الحرب العالمية الثانية لغاية منتصف الثمانينات وهي تهلل وتحيي الحياة الأميركية وتشوه الآخر لاختلافه في الرأي مع فلسفة البيروقراطية الهوليوودية البغيضة، وقد استفدت من هذه التجارب، في الفلسفة التي أقدمها في «حكاية قرصان»؛ حيث الحيادية في الطرح -وإن كانت بعض الوقائع التاريخية تفرض نفسها ـ كإحراق الإنجليز لمدينة رأس الخيمة في تلك الفترة.

معقدة وشائكة

يضيف المهيري: سيناريو «حكاية قرصان» ينفض الغبار عن مرحلة معقدة وشائكة في منطقة الخليج؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر، أورد لك بعضاً من الوقائع التاريخية التي تظهر في بعض أحداث الفيلم، حملة محمد علي باشا إلى مكة، شركة الهند الشرقية وما لعبته من دور في المنطقة، ظاهرة «رحمن بن جابر» الذي ظهر كقرصان حقيقي في سواحل البحرين وغض بريطانيا الطرف عنه.

شخصية محمد بن مطلق المطيري وما لعبه من دور أحداث المنطقة، وعشرات من الوقائع المعقدة التي لم أتجاوز على حقائقها التاريخية، ورغم ذلك أعتقد أن سيناريو الفيلم، يقدم لأول مرة للمشاهد الإماراتي والعربي صورة فنية سينمائية لتلك الفترة بعيداً عن التجاذبات السياسية.

لا ينسى المهيري؛ فضل مسابقة أفلام من الإمارات في تقديمه وتقديمه المخرجين الشباب الإماراتيين إلى الجمهور والدور الذي لعبته المسابقة في تحريك الجمود الذي رافق ظهور بذرة السينما في الإمارات، وقدم المهيري الذي تخرج من الجامعة الأميركية- قسم الإعلام؛ مجموعة من الأفلام الجميلة، من بينها: في ليلة من الليالي- الحائز على جائزة أفضل فيلم روائي في مسابقة أفلام من الإمارات 2003.

فيلم «الرعبوب» الحائز على شهادة تقدير 2004، فيلم «الغيث» الحائز على جائزة أفضل سيناريو 2005، أما مشروع الفيلم الذي تقدم به «المهيري» لمسابقة أفلام من الإمارات، فهو سيناريو «تناقض» ولا يأمل من خلاله بالفوز بجائزة السيناريو المطروحة في المسابقة لتمويل الأفلام؛ لأنه بحسب قوله: رغم اقتناعي بجودة السيناريو الذي قدمناه؛ إلا أنني خالفت شرطاً من شروط المسابقة ويتمثل بكتابته باللغتين العربية والإنجليزية، إلا أنني قدمته باللغة الإنجليزية فقط لظروف تتعلق بالوقت ليس إلا».

حول فيلم «تناقض» يقول المهيري: بدأت فكرة الفيلم بقصة بسيطة تتمثل بعودة إحد الأشخاص المدمنين إلى الحياة العامة بعد فترة انقطاع، والحبكة التي تدور حول هذه العودة التي تلاقي بعض التعقيدات، إلا أنني اتجهت بالقصة إلى منحى آخر.

لأني لا أريد تكرار هذه القصة التي نُفذت عبر عشرات الأفلام العربية والإنجليزية، رغم بقاء هذه القصة ضمن الحبكة الدرامية للسيناريو الذي كتبته، ولكني جعلت محور الفيلم ترتكز على شخصية أخرى وهي شاب يحاول بلوغ هدفه، ويعيش هذا الشاب في «فريج» تختلط فيه الأحداث والعلاقات، ولا أستطيع ذكر أكثر من ذلك لأن المشروع ما زال عبارة عن «سيناريو» يجري الإعداد له.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري