لا يخفى على أحد منا مشكلة البطالة التي تفاقمت في العالم كله، وخاصة العالم العربي والشرق الأوسط، حيث فشلت أغلب دول المنطقة في استيعاب الكم الهائل من الخريجين من أصحاب الشهادات الجامعية، وباتت هذه الدول تواجه تحديا جديدا يحتاج إلى طريقة خاصة لمعالجته.

ونظرا لتشعب هذه المشكلة التي بذلت فيها دول المنطقة جهودا مكثفة لحلها، إلا أننا بتنا نرى اليوم أصحاب الشهادات الجامعية يعملون في مهن لا تتناسب مع طبيعة مؤهلاتهم ولا سنوات الدراسة والجهد الذي بذلوه طوال تلك الفترة، وضياع كل أحلامهم ليصيروا ضحايا دول لم تخطط جيدا لاستغلال طاقاتهم.

وهناك من يلجأ إلى الهجرة نحو دول أخرى سعيا وراء فرص عمل أفضل أو مستقبل أكثر إشراقا، وهو ما أثر سلبا على المنطقة العربية التي شهدت هجرة الكفاءات واستفادة الدول الأخرى منها، خاصة وان البقية التي فضلت البقاء في بلادهم واجهوا حواجز مؤسسية كثيرة قلصت من إبداعاتهم وحصرتهم في خانات ضيقة هدرت الكثير من إمكاناتهم.

ويصل عدد شباب الشرق الأوسط اليوم حوالي 100 مليون شاب وفتاة تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والتاسعة والعشرين، وأصبحت هذه الفئة الهامة من المجتمع تمثل أعلى موجه سكانية في تاريخ المنطقة. وعلى الرغم من التوسعات الاقتصادية التي تشهدها بعض دول المنطقة، إلا أننا نرى تراجعا كبيرا في استيعاب شباب الخريجين على مختلف الأصعدة بعدما عجزت اغلب الدول عن توفير فرص عمل لهؤلاء الشباب، وهو ما أثر سلبا عليهم وأصبحنا نرى جيلا كاملا من الشباب العربي المتأخر عن أمثالهم في الدول الغربية، وهو ما ينوه إلى وجوب التحرك سريعا لإيجاد حلول عملية لهذه المشكلة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما الذي يتعين علينا القيام به لمعالجة المعوقات التي تواجه شباب اليوم في منطقة الشرق الأوسط؟

وللإجابة عن هذا السؤال يتعين علينا أولا دراسة وفهم السياسات والظواهر المعرقلة لتقدم هؤلاء الشباب، فعلى سبيل المثال، يعاني الشباب من ارتفاع تكاليف الزواج الباهظة التي ارتبطت لدينا بالظواهر الاجتماعية الدخيلة علينا، والتي تزيد من العبء الملقى على عاتق هؤلاء الشباب، وتجعل الكثيرين منهم يعزف عن الزواج أو يلجأوا لطلب مساعدة الأهل في ظل غياب قروض الزواج في اغلب الدول.

لذلك يجب أن تأخذ الإصلاحات الجديدة مثل هذه الظواهر في الاعتبار وان تخفف من الضغوط المادية والاجتماعية التي تحاصر الشباب الذين ينضمون إلى سوق العمل ويأملون في بناية مستقبل باهر يحقق أحلامهم. ومن الضروري توفير قنوات للحصول قروض مصرفية مخفضة الفائدة للشباب وتوفير إسكان يتناسب مع دخلهم، والاهم من ذلك هو إيجاد فرص عمل أكبر للشباب وإعدادهم للتعلم المستمر من خلال تزويدهم بالخبرة العملية التي تتناسب مع المتغيرات العالمية لمتطلبات سوق العمل.

ومن هذا المنطلق قامت كلية دبي للإدارة الحكومية بالشراكة مع مركز ولفنسون للتنمية في معهد بروكنز مؤخرا بإطلاق مبادرة شباب الشرق الأوسط بهدف معالجة هذه القضايا، من خلال إجراء بحوث لتطوير سياسة التوصيات والبرامج بهدف تزويد الشباب بالمهارات وزيادة فرص العمل وتسهيل عملية حصولهم على القروض والإسكان وزيادة مشاركتهم المدنية في خطوة عملية منها لإيجاد حلول واقعية لمشكلة البطالة والحصول على نتائج ايجابية. وتسعى كلية دبي للإدارة الحكومية ومركز ولفنسون إلى تطوير وتطبيق خطة عمل إقليمية بهدف تعزيز القدرات الاقتصادية والاجتماعية لإدماج الشباب والاستفادة منهم بأفضل الطرق.

وتعتبر عملية إدماج ما يقارب من 100 مليون شاب في مجتمعات الشرق الأوسط بصورة ناجحة بمثابة تحد رهيب، إضافة إلى كونها فرصة رائعة لتنشيط الإمكانيات الشبابية لاقتصاديات الشرق الأوسط، خاصة في ظل وجود فئة سكانية عاملة تبحث عن استغلال وتطوير لطاقاتها في مقابل معدلات اعتماد اقل وهو ما يمنح المنطقة نافذة لزيادة النتائج وتوفير الادخار والاستثمارات وتحسين الرعاية الاجتماعية بصفة عامة.

اعتقد انه حان الوقت للاستفادة من نافذة الفرص التاريخية المتاحة حاليا، لأنه بحلول عام 2045 ستتفاقم مشكلة الزيادة السكانية ويصير التحدي أكبر وبالتالي ستتقلص فرصة تحقيق النجاح في هذا الشأن، بناء عليه يتحتم على صانعي القرار إدراك وتصحيح التوافق بين تطلعات الشباب والفرص المتوفرة أمامهم من اجل الاستفادة من إمكانيات أعظم هبة تمتلكها المنطقة.

الرئيس التنفيذي لكلية دبي للإدارة الحكومية