أغلقت أسعار النفط واحداً من أسخن أسابيع التداولات في أسواق الطاقة فوق حاجز الـ 100 دولار، وتراجعت عن أعلى مستوياتها فوق 103 دولارات للبرميل أول من أمس مع انحسار التوترات السياسية بعد سحب تركيا قواتها من شمال العراق مما وضع حدا لموجة صعود تقودها الصناديق ارتفع خلالها الخام إلى مستويات قياسية جديدة بحساب التضخم.
وتحدد سعر التسوية للخام الأميركي منخفضا 75 سنتا عند 84. 101 دولار للبرميل بعد أن لامس في وقت سابق من الجلسة مستوى قياسيا عند 05. 103 دولارات. وتراجع مزيج برنت في لندن 80 سنتا إلى 10. 100 دولار للبرميل مستقرا بذلك دون أعلى مستوياته على الإطلاق 27. 101 دولار. وصعد النفط أكثر من 3% يوم الخميس ليصل إلى ذروة غير مسبوقة قرب 103 دولارات، متجاوزا مستواه القياسي السابق بحساب التضخم والذي سجله قبل 28 عاما.
وجاءت المكاسب وسط موجة صعود في السلع الأولية عموما تغذيها جزئيا توقعات بأن يواصل مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي خفض أسعار الفائدة لمقاومة تباطؤ اقتصادي في أكبر بلد مستهلك للطاقة في العالم ما من شأنه التعجيل بارتفاع معدل التضخم. ورفع تدفق السيولة من مستثمرين يبحثون عن ملاذ آمن من التضخم أسعار عدة سلع أولية إلى مستويات جديدة هذا الأسبوع وليتجاوز النفط ذروة 53. 102 دولار بحساب التضخم التي بلغها عام 1980 أي بعد عام من الثورة الإيرانية.
وجاء دعم إضافي من تعطيلات شملت تأخرا في صادرات فنزويلا وحريقا في محطة غاز طبيعي أوروبية قبل أن تشجع أنباء الانسحاب التركي المتعاملين على البيع لجني الأرباح. وتعقد منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» اجتماعا في فيينا يوم الأربعاء المقبل لبحث السياسة الإنتاجية ويقول أغلب الأعضاء إن من المستبعد زيادة الإنتاج نظرا لضخامة المخزونات العالمية قبل الربع الثاني من العام الذي ينخفض فيه الطلب عادة.
ويقول الخبراء إن التي تواجه ارتفاع أسعار النفط وتباطؤا اقتصاديا متوقعا قد يؤثر على الطلب، لن تدخل اي تعديل على سقف إنتاجها. وقال رئيس المؤسسة الوطنية الليبية للنفط شكري غانم الذي يقوم بمهام وزير النفط في بلاده، «لا اعتقد أننا سنقوم بأي شيء إذا بقيت الأسعار عند هذا المستوى». ومن جانبه أكد مستشار الرئيس النيجيري لشؤون النفط انه «من غير المرجح كثيرا» قيام المنظمة بتعديل إنتاجها.
وبما أن المملكة العربية السعودية، أول منتج في العالم وأقوى الدول الأعضاء في اوبك، لم تكشف نواياها بعد بالنسبة إلى اجتماع الأربعاء، توقع محللون أن تبقي أوبك على الوضع بدون تغيير. وقالت لادوسيت «يصعب علي أن أرى أمرا آخر غير تمديد الوضع القائم» لجهة الإنتاج، متسائلة كيف «يمكن للكارتل أن يزيد إنتاجه في حين تسود في السوق مخاوف اقتصادية وفي فترة يتراجع فيها الطلب تقليديا؟».
وإضافة إلى التراجع الموسمي في الطلب في نهاية فصل الشتاء، فان التباطؤ الاقتصادي في الولايات المتحدة وتداعياته على بقية دول العالم قد يلقي بثقله على حركة الطلب مع احتمال تدهور أسعار الذهب الأسود. وحاولت المنظمة إدخال زيادة طفيفة بنحو نصف مليون برميل في اليوم في سبتمبر لتهدئة الأسعار لكن من دون جدوى. وضخت السعودية الدولة الوحيدة التي تملك قدرة على إنتاج إضافي كبير، أكثر من حصتها الإنتاجية في السوق في الأشهر الأخيرة وهي غير مصممة على تجاوز ذلك.
وقال وزير النفط الجزائري ورئيس المنظمة شكيب خليل مرارا إن العرض الحالي «كاف» وانه «لا يمكن التفكير بزيادة الإنتاج مع خفض متوقع في الاستهلاك في النصف الثاني من العام». وإذا كان من غير المرجح كثيرا زيادة الإنتاج، فان خفض حصص الإنتاج داخل أوبك يبدو أمراً «مستحيلا على الصعيد السياسي بالنسبة إلى المنظمة مع سعر للبرميل يدور حول 100 دولار».
وقال الأمين العام للاتحاد الفرنسي للصناعات النفطية جان لويشيلانسكي إن هذا الأمر سيعتبره «المستهلكون استفزازا». إلا أن إيران وفنزويلا اللتين لا تتوصلان إلى بلوغ حصتهما الإنتاجية، تؤيدان سياسة الحد الأقصى من الأسعار وتدعمان قرارا بخفض الإنتاج. وعلى الرغم من مستوى الأسعار، فان الاستهلاك الآسيوي، محرك الطلب العالمي، «يبقى عاليا جدا»، بحسب فارن برايس.
وقال مايك ويتنر المحلل في سوسيتيه جنرال «الأهم هو ما يفعلونه وليس ما يعلنونه، وتثبيت الإنتاج الرسمي يترك لهم مرونة كبيرة لتغيير الإنتاج بهدوء».ومن المتوقع أن ينخفض الطلب في ابريل ومايو بسبب أعمال صيانة في المصافي خاصة في آسيا التي تحصل على أكثر من نصف صادراتها من الخام من السعودية. وقال مسؤول نفطي غربي بارز «بعض المنتجين خاصة في الخليج سيتعين عليهم خفض الإنتاج لان المستهلكين لا يمكنهم أخذه».
لكن المراقبين مثل وكالة الطاقة الدولية التي تمثل مصالح المستهلكين قالت إن الربع الثاني من العام يوفر فرصة جيدة لزيادة المخزونات. وأمام أوبك فرصة لإعادة مراجعة الوضع عندما يجتمع وزراؤها في روما في نهاية ابريل في محادثات بين المنتجين والمستهلكين. ويمكنها عقد اجتماع استثنائي. وعند هذه المرحلة قد يكون اتضح ما إذا كانت الأسعار المرتفعة قد حدت من الطلب وهو ما قد يكون من أسباب زيادة مخزونات الخام والبنزين في الولايات المتحدة.
ارتفاع إنتاج العراق بعد تطوير حقول جديدة
توقعت مصادر نفطية أن يرتفع إنتاج العراق، بالإضافة إلى التدفقات الجديدة من عقود الدعم الفني، إلى 5ر4 ملايين برميل يوميا في غضون خمس سنوات يصدر منها إلى الخارج 5ر3 ملايين برميل يوميا والباقي للاستهلاك المحلي. ومن المتوقع أن تساعد عقود الدعم الفني على زيادة إنتاج العراق من النفط 500 ألف برميل يوميا في غضون عام. وينتج العراق نحو 5. 2 مليون برميل يوميا من النفط وهو رقم هزيل قياسا إلى حجم احتياطياته المؤكدة من النفط الخام والبالغ 115 مليار برميل. ولا تفوقها سوى احتياطيات السعودية وإيران.
وفي هذا الصدد أكد حسين الشهرستاني وزير النفط العراقي أن نحو 115 شركة بعضها شركات أجنبية كبرى تتبارى على صفقات لاستغلال حقول نفط عراقية عملاقة لكن قانون النفط لا يزال متعثرا بسبب الخلاف مع المنطقة الكردية. ومن بين هذا العدد عشر شركات أميركية إلى جانب شركات من اليابان وروسيا وبريطانيا وكندا وكوريا الجنوبية. وكان مسؤول بوزارة النفط قد قال في وقت سابق إن عدد الشركات التي قيدت أسماءها بحلول الموعد النهائي في 18 فبراير أكثر من 70.
وقال الشهرستاني أيضاً إن العراق يقترب من استكمال المفاوضات الدائرة مع شركات نفط كبرى بشأن عقود دعم فني من المأمول توقيعها في مارس. وأضاف أن هذه الشركات تشمل رويال داتش شل وبي.بي واكسون موبيل وتوتال وشيفرون. ويستغل العراق الآن جانبا ضئيلا فحسب من احتياطياته التي تعتبر من أرخصها استخراجا في العالم وتتأهب شركات النفط العالمية منذ سنوات للنفاذ إليها. وأوضح الشهرستاني أن الحقول المتاحة بموجب عقود الاستخراج والخدمة تشمل حقولا عملاقة في الجنوب إلى جانب كركوك في الشمال.
ورفض تحديد الحقول لكنه قال ان الشركات المؤهلة ستعلن خلال الشهر الجاري. وأعرب عن أمله في توقيع عقود استخراج النفط في غضون عام لكن الأمر قد يستغرق عاما ونصفا أو عامين. وأوضح أن الشركات الخمس التي يتفاوض معها العراق في هذا الصدد ستشارك في دراسة الحقول ووضع خطة لتعزيز الإنتاج واختيار المعدات اللازمة وتوريدها. وكان مسؤول بصناعة النفط قال العام الماضي إن قطاع النفط العراقي ربما يحتاج لاستثمارات تصل إلى 75 مليار دولار.
«أوبك» تعزز نفوذها وتفقد السيطرة على الأسعار
رأى خبراء في شؤون النفط أن منظمة أوبك استعادت بعض النفوذ السياسي عبر جذب أعضاء جدد إلى صفوفها، لكنها فقدت قدرتها على مراقبة الأسعار. وعلى الرغم من أنه لا يزال بإمكانها التخفيف من احتمال تدهور الأسعار النفطية عبر الحد من إنتاجها. إلا أن المنظمة فقدت في السنوات الأخيرة القدرة على وقف ارتفاع الأسعار بسبب فقدانها هامش المناورة لضخ النفط في السوق.
وشهدت أوبك التي «فقدت من قبل قدرتها على اجتذاب» أعضاء جدد، عودة دولتين إليها هما الأكوادور وأنغولا، الأمر الذي زاد من وزنها الرمزي، بحسب فرنسيس بيران مدير تحرير مجلة «النفط والغاز العربي». وأكد بيل فارن برايس من مؤسسة «ميدلي غلوبال ادفايزورز» ان المنظمة «أكثر تأثيراً لا شك مما كانت عليه قبل بضع سنوات». لكن فيرا دي لادوسيت المحللة في مجموعة كامبريدج لأبحاث الطاقة «حتى إذا كانت أوبك تستطيع الحد من ارتفاع الأسعار عندما تريد، إلا أنها فقدت القدرة على وضع سقف لهذه الأسعار».
