عندما نسافر لنشاهد أعمالاً سينمائية في مهرجانات عربية ودولية، فإن مشاعرنا تكون متشوقة دائماً، للبحث عن الأفلام التي تناقش قضايا الإنسان الحقيقية، ولا شك بأن رد الفعل يكون مريراً ومخيباً للآمال، عندما نفاجأ بأن السقوط في الدوامة التجارية، أصاب بعض كبار المخرجين، الذين انشغلوا بتكنولوجيا صناعة السينما، لكي «يخترعوا» قصصاً وهمية، ويروجوا لأحلام غير قابلة للتحقق.
في تلك اللحظات، نشعر بالأسى حيال الاستخدام السيء لفن السينما، أكثر الفنون جاذبية وانتشاراً، ونشعر بأن استمرار هذا العبث، يعطي المبرر لبعض صغار التائهين في صناعة السينما في دول العالم الثالث لأن يعتبروا هذا «التهريج» هو «الموضة» التي يجب أن يسايروها في أفلامهم. وما أسهل ترديد عبارات «العالمية» و«الاتجاهات الحديثة»، وهنا مكمن الخطورة، فلا هذه عالمية، ولا اتجاهات حديثة ولا فلسفة ولا فن ولا أي شيء!
ووسط كل هذا يجتهد آخرون منهم المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة التي استطاعت تحت رعاية وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، أن تفتتح مساء أول من أمس عروض «نادي المشهد» السينمائي في دورته الثالثة التي حملت عنوان «الليلة الإماراتية» على مسرح دبي الاجتماعي ومركز الفنون في مول الإمارات. وذلك ضمن سلسلة العروض الشهرية للنادي الذي تأسس بمبادرة من مهرجان دبي السينمائي الدولي وبدعم مجلس دبي الثقافي وقناة القصباء وأكاديمية نيويورك للفيلم في أبوظبي والمجموعة الإعلامية العربية الراعي الإعلامي للحدث.
ونقلت الخاجة للجمهور خمس لآليء ثمينة ـ أقصد خمسة أفلام إماراتية ـ لأجيال تعشق السينما، وتفتح عقلها وقلبها أمام مجالات أكبر لمعرفة تجارب واتجاهات من الفكر السينمائي المختلف.. وإن كانت تبقى بما تمثله من أفكار ومعان ومواطن إبداع وجمال من نسيج الصورة المتحركة، والتي قد تكون أحياناً ضعيفة، وقد تصل بمرور الوقت إلى النضج الكافي، لكنها تبقى حالة خاصة اجتمعت حولها آراء من أصحابها ورعاتها وجمهورها والمهتمين بإيجاد صناعة سينما في بلدنا، التي أصبحنا مؤهلين لها.
دعم الطاقات
« تأتي رعايتنا هذه الليلة الإماراتية، انطلاقاً من إيماننا بضرورة دعم الطاقات الإبداعية الشابة في مجال السينما».. هذا مابادرنا به عيد الفرج مدير إدارة الفنون والتراث في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وأضاف قائلاً: «نحن مع نشاطات نادي المشهد الذي كرس كل جهوده وقدرته الإبداعية لتفعيل الحوار الثقافي، وتطوير المشهد والتجربة السينمائية في دولة الإمارات، الأمر الذي يضعنا في صدارة المسؤولية الأخلاقية، بأن نقدم ضمن استراتيجية الوزارة وأهدافها الرامية إلى رفع مستوى الحوار الحضاري والذائقة الجمالية، الرعاية والدعم اللامحدود لمثل هذه الفعاليات».
هموم الناس
من جهته أكد الدكتور صلاح القاسم أمين عام مجلس دبي الثقافي أن رعاية المجلس الذهبية لعروض نادي المشهد السينمائي تأتي في إطار حرص مجلس دبي الثقافي ودعمه الدائم لجهود المخرجين الشباب، لتأسيس ملامح سينمائية محلية جادة تساهم في تنشيط الحركة السينمائية في الدولة، في الوقت الذي نشهد فيه رغبة الشباب في تقديم أعمال تحمل خصوصية البيئة والمكان، وتناقش هموم الناس ومشكلاتهم».
تجربة إبداعية
وتقول خديجة المرزوقي المدير العام لـ «شوف تي في» نيابة عن المجموعة العربية للإعلام:«نعيش اليوم في مدينة استثنائية، فيها تجربة مختلفة، على الصعد الإبداعية، والاقتصادية، والعمرانية، والتحدي أمام الشباب في الوقت الحاضر، يكمن في كيفية إيجاد مساحة للتعبير لهم، في خضم ما يحدث عالمياً وفي هذه المدينة بالذات.. والآن الساحة والأبواب مفتوحة، والدعم موجود من العديد من المؤسسات، ونحن كمجموعة إعلامية نفتح المجال أيضاً للإبداع لتمازج الثقافات الموجودة في دبي، ونعطيهم الفرصة، ونشكر المبادرات الطيبة».
سينما إماراتية
أما السيناريست محمد حسن أحمد فيقول: «أصبح هناك فيلم إماراتي جيد، فرض نفسه وبقوة ليس في مهرجانات سينمائية خليجية وعربية، بل أيضاً في المهرجانات العالمية الأخرى». ويضيف قائلاً: «كنا منذ خمس سنوات نؤمن بضرورة وجود سينما إماراتية واعية ومثقفة، ولا أخفيك أننا كنا نتابع ونشاهد ونتعلم السينما، بل كنا نتنفسها أيضاً.
واليوم المعادلة اختلفت وأصبح العمل الفني السينمائي يفرض وجوده على كل المستويات، ويلقى الاستجابة والدعم من الدولة والإعلام والمهتمين». وتابع محمد حسن حديثه قائلاً: « من المؤكد أن وجود أكثر من ثلاثة مهرجانات سينمائية في الدولة، يساهم في حالة نشاط وترويج للأفلام الإماراتية، وجاء نادي المشهد ليعيد عرض هذه الأفلام مرة أخرى أمام جمهور مختلف، وبالتالي نحن أمام وسائل متعددة تحقق تواجدا فعليا للسينما الإماراتية، وتصنع حالة حراك دائم لهذه الصناعة، التي ننشد تواجدها بشكل احترافي بكل مفرداتها».
الصورة البصرية
ويقول المخرج السينمائي وليد الشحي: «يعرض لي اليوم فيلم (حارسة الماء)، وهو واحد من أعمالي التي تأخذ خطا شعريا بصريا، أكثر من كونها روائية عادية، وفي الفيلم أمثل مخيلة الطفل بكل نواحي حياته، والتي تؤثر فيه، ومن خلال هذه المخيلة، أرسم كل العوامل التي تحركه، وهذه الطفلة بطلة الفيلم، كانت ترسم كل ما تحبه في حياتها على جدران منزلها، ومن خلال التخيل كنت أنطلق في عوالم كثيرة مختلفة.. وأستخدم الرمز والصورة البصرية والشعر في التعبير عن ذلك».
ويضيف الشحي قائلاً: «الصورة البصرية تمثل لي هاجساً وخطاً أساسياً، أحاول أن انتهجه في السينما، وهو يعتمد على حوار أقل، وسرد بسيط، وتركيز على الصورة الرمز.. وحتى في أفلامي الطويلة المقبلة، التي أجهز لها حالياً، سأعتمد على هذه اللغة التي تميزني عن الآخرين».
تجسيد للوحدة
ويعلق المخرج والممثل نواف الجناحي على فيلمه «مرايا الصمت» المشارك في الأمسية قائلاً: «فيلمي تجسيد لحالة وحدة وكآبة، من المؤكد أن بطل الفيلم ليس وحيداً، لكن إحساس الوحدة حالة تغلب أحياناً لدى بعض الأشخاص، فلا يستطيعون التفاعل مع الآخرين ومع المدن الحديثة الاسمنتية، حيث تتوه معالم الأشياء، وتبقى الكآبة دافع أحياناً للوحدة، ولم أقدم في فيلمي حلولاً، بل صورت مشاعر ووجهة نظر».
تكريم وترويج
ويؤكد المخرج السينمائي عبدالحليم أحمد بأن تكريم نادي المشهد لمخرجي الأفلام الإماراتية، خطوة جيدة، بخلاف أن يرى الأفلام جمهور آخر، في محاولة لتفعيل السينما المحلية، في مسيرة ترويج لهذه الصناعة التي مازالت تحتاج إلى إمكانات مالية، وتدعيم من جهات أخرى يأتي على رأسها، تسهيلات التقنية والمعدات ثم الإنتاج والدعاية. ويضيف عبدالحليم قائلاً: «لا فرق بين مسابقة (أفلام من الإمارات) ومهرجان الخليج السينمائي، فوراء الاثنين كان شخص مسعود أمر الله، الذي لم يبخل علينا بالعطاء الفني ، ولا ننكر أنه وراء كل الخطوات التي وصلنا إليها الآن».
لغة السينما
ويرى علي مصطفى مخرج فيلم «تحت الشمس» أن تصوير فيلمه بكاميرا سوبر 16 ملليمترا، يؤكد لغة السينما، كصورة وتقنية وجودة، وهو أمر مختلف كما يقول عن التصوير بكاميرا فيديو، وهذا راجع لدراسته، حيث أنهى الماجستير في بريطانيا من خلال «لندن فيلم سكول».
ويتحدث علي مصطفى عن فيلمه قائلاً: «يتناول حكاية شاب مواطن عمره 13 عاماً، من أم بريطانية وأب مواطن، يطرح أسئلة دينية على أمه التي أشهرت إسلامها، في محاولة لتغيير وجهة نظر الغرب عن ديننا الإسلامي وعاداتنا وسلوكياتنا، وبالفعل مطلوب منا أن نقدم أفلاماً تعكس ما نعيش فيه وعليه، ليعرف الآخر- والمقصود به عالم الغرب - حقيقة الإسلام والمسلمين».
أفلام طويلة
تراوحت مدد الأفلام الروائية القصيرة المقدمة بين 6 دقائق و23 دقيقة، وكان السؤال المطروح متى نرى فيلماً إماراتياً طويلاً في دور العرض المحلية؟
أجاب محمد حسن أحمد قائلاً: «إذا كنا نتكلم عن دور العرض، فنحن نتحدث عن الفيلم الروائي الطويل، والسينمائي لابد أن يؤمن بفيلم جيد، سواء كان قصيراً أو طويلاً، والفرق بينهما تشابههما في الفكر وفي العمل يختلفون، فوراء الفيلم الروائي الطويل منتج، وإدارة إنتاج، ولدينا بالفعل محاولات نجهز لها الآن وقريباً نرى أفلامنا الطويلة تنافس على شباك التذاكر في صالات العرض المحلية».
من جهته أجاب وليد الشحي قائلاً: «لا ننكر بأنه كانت هناك محاولات وتجارب لصنع فيلم إماراتي طويل، لكنها للأسف ضعيفة، والوضع الآن تغير، وهناك تخطيط وتجهيز من كثيرين، لصناعة فيلم طويل، وهو قادم وبقوة خلال فترة زمنية قصيرة».
أما علي مصطفى فقال: «الآن أحاول العمل على تجهيز لفيلم طويل، وبدأت بالفعل التحضير له منذ عامين، حيث أنهيت السيناريو، ويجري حالياً إنهاء مشكلات الإنتاج، وخلال الشهرين المقبلين سيتم الإعلان عن التفاصيل كاملة، ويمكنني القول إن ميزانيته حوالي 5 ملايين دولار، ويشارك فيه ممثلون عالميون».
فقدان الهوية
ورغم سعادة الممثلة الإماراتية سميرة أحمد بالأفلام التي قدمها «نادي المشهد» أعربت عن حزنها وغضبها من فقدان الهوية الإماراتية والتي حددتها بقولها: «اليوم صار جدال بين مواطنين للأسف تخلوا عن لغتهم الأم، وتخاطبوا بالانجليزية، وإذا لم نحافظ على هويتنا العربية المتمثلة في اللغة، فستضيع خصوصيتنا، وبدلاً من أن نصدر للغرب ثقافتنا ولهجتنا، ندور نحن في فلك ثقافتهم ولغتهم».
نشر التوعية
وأعربت نايلة الخاجة المديرة التنفيذية لشركة (دي سيفن) للأفلام السينمائية والمشرفة على نادي المشهد قائلة: «نساهم من خلال عروض النادي في نشر التوعية السينمائية، وتقديم العديد من الأفلام الممتازة التي لا تتوفر في صالات العرض المحلية، حيث تم تضمين الأفلام الإماراتية ضمن عروض النادي، لدعم وتشجيع السينمائيين الشباب، بهدف ربط المشاهد بالأفلام على مدار العام، ودعوة جمهور السينما للحضور والتفاعل مع الحدث».
عروض «الليلة الإماراتية»
* «حارسة الماء» للمخرج وليد الشحي مدته 11 دقيقة، نال جائزة المهر الفضي فئة الأفلام القصيرة من مهرجان دبي السينمائي الدولي 2007.
* «خوف» 14 دقيقة، للمخرج عبدالحليم أحمد، حصل على شهادة تقدير عن التصوير والغرافيكس من مسابقة أفلام من الإمارات 2006.
* «تحت الشمس» 23 دقيقة للمخرج علي مصطفى، الذي حاز على جائزة أفضل مخرج سينمائي إماراتي عام 2007.
* «وجه عالق» 6 دقائق للمخرجة منال بن عمرو.
* «مرايا الصمت» 16 دقيقة للمخرج نواف الجناحي، الذي يسلط الضوء على حالة الوحدة التي يعيشها الشباب في المدن المتحضرة.
لقطات وأرقام
* 3 مرات توقفت آلة العرض وهي تقدم فيلم «تحت الشمس» عندما قارب على نهايته، ورغم الإنذارات من الجهة المنظمة، إلا أن قلة من الجمهور، غادرت المسرح دون مشاهدة الأعمال المتبقية.
* 60 ألف درهم قدمتها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع لنادي المشهد لعروض «الليلة الإماراتية» الواحدة .
* 16 ألف درهم في الشهر دعم مجلس دبي الثقافي لفعاليات نادي المشهد خلال عام 2008.
العرض المقبل خاص بسينما المرأة
أعلنت نايلة الخاجة أن شهر مارس المقبل يشهد عروضا خاصة بالمرأة سينمائياً، من الإمارات فيلم للمياء قرقاش، ومن ايطاليا فيلم «لحظة بريئة»، ومن الصين يتم استضافة مخرجة مع فيلمها الجريء والمتميز.
أخو المخرج ووالدته البريطانية «تحت الشمس»
فجر علي مصطفى مخرج فيلم «تحت الشمس» أكثر من مفاجأة، عندما أعلن أن أخاه محمد هو بطل العمل.. وأن والدته البريطانية المسلمة، هي التي دفعته إلى صياغة سيناريو الفيلم، بالطريقة التي أراد أن يتعرف الغرب من خلالها على حقيقة الإسلام والمسلمين.
مجموعات سينمائية وراء الأفلام
معظم الأعمال التي قدمتها «الليلة الإماراتية» كانت لمجموعات سينمائية داخل الدولة منها: «انعكاس» و«صقر الصحراء» و «فراديس» والتي أكد البعض أنها وراء حالة الحراك السينمائي ، حيث تجتهد لتقديم أكثر من عمل في العام الواحد.
«الدائرة» أول فيلم طويل للمخرج نواف الجناحي
لم يتبق للمخرج نواف الجناحي سوى أربعة أيام تصوير خارجي، وينتهي تماماً من تصوير فيلمه الروائي الأول «الدائرة» سيناريو وحوار مسعود أمر الله، وهو تجربة جديدة على السينما الإماراتية، برعاية مدينة دبي لاستوديوهات السينما ودعم شبكة MBC التلفزيونية.
أفلام تستعد لمهرجان الخليج السينمائي
* «بنت مريم» فيلم روائي قصير للسيناريست محمد حسن احمد ، وإخراج سعيد سالمين، نفذ منذ شهرين، وهو في المراحل الفنية الأخيرة وتحديداً الإنتاج وتركيب الموسيقى والمؤثرات.
* «تنباك » جاهز وشارك في مهرجان دبي السينمائي في دورته الرابعة، ويدخل المسابقة الرسمية لمهرجان الخليج السينمائي.
* «باب» فيلم روائي قصير 15 دقيقة للمخرج وليد الشحي، أنهى تصويره، ويعمل على إنجاز اللمسات النهائية كي يلحق بالدورة الأولى للمهرجان.
خالد مجذوب لم يعرف سميرة أحمد
محاور «الليلة الإماراتية» خالد مجذوب سأل سميرة أحمد عندما طلبت الحوار باعتبارها فنانة، هل أنت رسامة تشكيلية؟ وصاحب التساؤل استهجان الجمهور الذي أحدث همهمة، فبادرت نايلة الخاجة بالقول: «سميرة أحمد غنية عن التعريف».
اعتذار عن حضور عرض «وجه عالق»
اعتذرت منال بن عمرو عن حضور عروض «الليلة الإماراتية» لنادي المشهد، وعرض فيلمها «وجه عالق» الذي لفت الأنظار، وترك تساؤلات لدى جمهوره، لم يجب عنها أحد لغيابها باعتبارها مخرجة العمل.
دبي ـ أسامة عسل



