سعيد المزيود.. السمرة والشموخ وصلابة العود، كل ما تستشفه من هذا الرجل الآتي من البعيد بصورة الحاضر، أتى من جبال رأس الخيمة ليحط رحاله في أبوظبي ودبي. والمزيود مشغول بكل التفاصيل ليصيغها ذهباً يشع بنوره في سماء الإمارات، إعلامي من الطراز الأول لا تستوقفه كلمة، فالكلمة عنده موقف.. وشعره عنوان رجولة رضعها من رحم الجبال وشموخ أهلها.

شاب في مقتبل العمر، إنسان مهجوس بتاريخ بلده حمل على عاتقه تأسيس فرقة للفنون الشعبية لتكون عنواناً لتراث يكبر فيه، ولم تشغله وظيفته عما هو واجب وطني، فهو كما يقول الدولة أولاً، ثم يأتي بعد ذلك البيت والأهل والأولاد.. أتى من الجبال ليزرع أرض الإمارات طولاً وعرضاً. وبفضل القنوات الفضائية والمعارض الإماراتية المشاركة في الخارج، استطاع أن يفرض نفسه على الساحة الشعبية المحلية والخليجية والعربية حتى تجاوز نشاطه سور الصين.

«الحربية» تفخر بالوطن

سعيد المزيود المدير التنفيذي لفرقة المزيود الحربية الأميرية، والتي تمثل الدولة في المناسبات الرسمية في أيام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه .. فرقة المزيود الحربية الآن موجودة من خلال أعضائها الذين يتجاوز عددهم ال93 فرداً كلهم أشبال في العمر، واسود في المواقف .. يفتخرون بوطنهم وتفتخر الإمارات بهم .. رقصوا في قرية التراث بدبي، وجعلوا الرئيس الأميركي جورج بوش يرقص معهم رقصة «الحربية، فتعلم منهم ما سيبقى في ذاكرته».

وتعتبر «الحربية» رقصة أهل البدو بما تمثله من قوة وشدة بأس يتمثل بالأشعار والحركات، وكذلك الرزفة واليولة اللتان يستعمل فيهما الشبان العصي والسلاح والسيوف، وقديماً كان الخنجر، ولكن لا يستعمل الآن. يقول المزيود: «إن تراث البلد وفولكلورها أمانة في أعناقنا، كما كانا سالفاً في أعناق الآباء والأجداد، والانتقال السلس لهذا الموروث، يدل على أن البيئة الإماراتية بيئة صحية، فالتطور العمراني لا يستطيع أن يفصل عنك البحر والصحراء لأنهما النشأة وبداية التكوين ومراسم الملامح لدولتنا الفتية».

المزيود شحي أباً عن جد.. بدوي حتى النخاع، طور فرقته وحافظ على مكنونات التراث رغم إضافة الآلات الموسيقية من طبل وغيره، ولكن مع المحافظة على الروح التراثية، والفرقة اختصت بالرقصة الحربية، وهي من الرقصات الرسمية في الدولة من خلال المناسبات الوطنية وغيرها..

الهدف وطني والدعم مطلوب

يؤكد المزيود أن الهدف من كل ما يعمله وطني بحت، والدليل تفاوت الأعمار في الفرقة، فكل شريحة تمثل عمراً محدداً، ليبقى هذا التراث راسخاً في الفكر الجمعي لأبناء الإمارات. ويتمنى أن يتم تبني هذه الفرق من قبل الدولة ودعمها مادياً ومعنوياً أسوة بالرياضات التراثية لأنها تحتاج إلى رعاية، للقيام بالهدف الذي نشأت من أجله، وهو نشر التراث الإماراتي محلياً وخليجياً وعربياً. وقال: «إن دبي سوقت نفسها واجهة حضارية، وكما أطلقت مهرجان التسوق وبطولة فزاع لليولة، فهي قادرة على مساندة هذه الفرق والوصول بها للعالمية».

ولا ينسى المزيود في معرض حديثه الاعتراف بالفضل لحكام وشيوخ الإمارات الذين لا يألون جهداً في الاهتمام بالتراث وإحياء الماضي التليد في كل المناسبات. ويتمنى لو تم تخصيص جمعيات للاهتمام بهذه الفرق وتفريغ أعضائها ليكونوا سفراء للدولة في نقل تراث الآباء والأجداد الذين بسواعدهم قامت دولتنا الفتية.

وعن برنامج عمل الفرقة، ومن الذي تتبع أوامره أو إرشاداته، يقول المزيود: «إن الحركات التي ترونها تدربنا عليها جيداً وفيها الطابع التراثي. فاليولة والرزفة وحركات الأيدي كلها استمرار للماضي المجيد، فالفلكلور يبقى في أبهى تطوره حالة من الازدواجية البراقة تسطع لإضاءة الجانب التراثي من حياة الوطن، إضاءة تلو إضاءة يجري توظيفها ضمن متن موسيقي ينبض من حين إلى آخر لإحياء الجانب التراثي من حياة الأمة».

شاعر الفطرة والارتجال

يقدم المزيود برنامجاً عن الشعر والشعراء في قناة «النجوم»، ويعتبر واحداً من ألمع الشخصيات الشعرية على الساحة المحلية والخليجية، إذ يتميز بالطابع الجدي وامتلاك ناصية اللغة. إنه شاعر بالفطرة، ولكنه لم يكتف بذلك، بل تعلم وقرأ حتى أصبح يشار إليه بالبنان .. شعره ارتجالي وهو أصعب أنواع الشعر، لأنه وليد اللحظة ويأتي نتيجة موقف فهو فطنة وحضور ومن صفات الرجولة الفطنة.. يختلف عن غيره من شعراء النظم، إنه طبيب يولد الأفكار بمبضع يزيد الألم حلاوة والجمال طلاوة، فإذا ما تغنى رقص على حروفه الرجال.

تراث الشعوب

ترجع أغلب أصول التراث الثقافي غير المادي إلى عبادة الطبيعة والطوطم والطقوس ومراسم تقديم القرابين للآلهة وطرد الشياطين وإبعاد الشر ونشاطات العمل والإنتاج والحب والزواج والحروب الخ، ومع استقرار المجتمعات وازدهار الاقتصاد صارت هذه النشاطات بالتدريج حياة ثقافية تدخل في المناسبات الشعبية والتبادل الثقافي والألعاب الترفيهية، التي يرغب فيها عامة الشعب، أو متعة فنية تتجسد في مواد الزينة، أو المقتنيات لتهذيب النفس.

وتطورت هذه الأمور وأخذت شكلها الحالي والذي سمي فيما بعد الفولكلور أو التراث الشعبي، وانتشرت هذه الحركات لتأخذ لها مسميات مختلفة منها: الرقص الصوفي كرقص الدراويش والفلامنكو الأسباني والباليه ورقصة قوهشيه في اقليم التيبت في الصين والرقص الأفريقي و رقصة بهاراتان يتام في الهند وغيرها

دبي ـ عبد المنعم الشديدي