قبع الدولار قرب مستوى منخفض قياسي مقابل اليورو أمس بعد أن غذى انخفاض حاد في طلبيات السلع المعمرة ومبيعات المساكن في الولايات المتحدة المخاوف من كساد في اكبر اقتصاد في العالم بينما أشار بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي إلى استعداده لخفض أسعار الفائدة مرة أخرى.
وارتفع اليورو أول من امس الاربعاء إلى مستوى قياسي جديد مقابل الدولار حيث اخترق حاجز 50. 1 دولار مقارنة مع اقل من 48. 1 دولار مطلع الأسبوع. لكن يبدو أن المستثمرين توقفوا لالتقاط انفاسهم بعد اجتياز حاجز نفسي مهم.
وعلى النقيض وجد اليورو دعما في تصريحات اكسل ويبر عضو مجلس المحافظين في البنك المركزي الأوروبي الذي قال ان توقعات السوق بتحرك المركزي الأوروبي لخفض الفائدة لم تؤخذ في اعتبار مخاطر ارتفاع التضخم. وقال ويبر ان الاقتصاد الألماني قوي بينما قد يشهد اقتصاد منطقة اليورو تباطؤا طفيفا هذا العام. وذكر أن المركزي الأوروبي سيتحرك اذا بدا أن توقعات التضخم على المدى الطويل تزيد بشكل ملموس.
وقال ديريك هافبني الاقتصادي في بي.تي.ام ـ يو.اف.جيه «لقد شهدنا للتو اندفاعا كبيرا والآن تحتاج الأسواق حتما للتوقف برهة وترسيخ أقدامها إلا ان أي توقف سيكون قصيرا لان اختراق هذه المستويات يحفز على اختراق المزيد».
وهبط اليورو 2. 20 بالمئة إلى 5097. 1 دولار بانخفاض طفيف عن المستوى القياسي السابق عند 5144. 1 دولار. ولم يطرأ تغير يذكر على مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل ست عملات رئيسية وبلغ 257. 74 بارتفاع طفيف عن المستوى المنخفض القياسي الذي سجله عند 070. 74. ومقابل العملة اليابانية بلغ الدولار 40. 106 ين بعد ان نزل دون 106 ينات.
ودفع هبوط الدولار إلى مستويات قياسية أسعار النفط والسلع إلى الارتفاع إلى مستويات جديدة لكن المحللين يقولون ان هذه العلاقة قد تنفصم عراها قريبا. يقول ريتشارد باتي من شركة ستاندرد لايف «من الناحية الجوهرية أدت تخفيضات أسعار الفائدة الأميركية إلى إطلاق العنان لأسعار السلع الأولية».
ويجتمع مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي مرة أخرى في مارس، ويقول محللون ان الاجتماع قد يتمخض عنه خفض آخر في الفائدة. ومن شأن هذا أن يؤدي إلى ابتعاد المستثمرين بشكل أكبر عن العملة الأميركية ويجعل الأصول المقومة بالدولار مثل النفط رخيصة نسبيا للمستثمرين الماليين.
كما أنه قد يقلص دخل الدول المنتجة للنفط مما يعزز احتمال أن تسعى الدول الاعضاء في اوبك إلى الإبقاء على الأسعار مرتفعة من خلال خفض مستويات الانتاج. لكن اذا حل الكساد فقد يعود المستثمرون الماليون إلى الدولار الذي لا يزال يعتبر العملة العالمية ويراه كثيرون ملاذا أكثر أمنا من السلع الأولية التي قد تسقط ضحية لتراجع الطلب.
وقال باتي «اذا تباطأ الاقتصاد الأميركي فقد يتراجع الدولار ولكن اذا دخل الاقتصاد في مرحلة كساد فسيجد الدولار دعما مع تنامي عزوف المستثمرين الدوليين عن الإقدام على المخاطرة». ومن شأن ارتفاع الدولار أن يوقف ارتفاع أسعار النفط ويقول كثير من المحللين ان من المستبعد للغاية أن تنهار أسعار الخام.
ويقول مارك ماتياس من مؤسسة داوني داي كوانتم لادارة الصناديق الاستثمارية «العلاقة المتبادلة بين قوة الدولار وأسعار السلع الأولية واضحة تماما. فاذا ارتفع الدولار فسيخلق هذا فترة استقرار أطول للنفط في حدود التسعين دولارا أو 105 دولارات أي انه سيبطئ نمو أسعار النفط».
ويتكهن ماتياس بأن العلاقة الوطيدة بين سعر النفط وقوى العرض والطلب ستكون سببا لمواصلة الشراء مما يرفع النفط إلى الحاجز السعري التالي عند 110 دولارات للبرميل. وسيشعر بعض المستهلكين بوطأة ارتفاع أسعار السلع الأولية حتى عند حسابها بعملات اقوى من الدولار. لكن ماتياس يقول ان كسادا اقتصاديا تقوده الولايات المتحدة لن يكون له تأثير ملموس على الطلب في موجة ارتفاع تقودها أساسا الاقتصادات الآسيوية.
ويضيف «نمو الطلب على النفط يشبه قطارا منطلقا في مساره. فهو لن يتوقف، والصين والهند في مرحلة تحول للتصنيع، لذا فقد خرج المارد من القمقم». وبحساب الدولار فقد ارتفع النفط 3. 6 بالمئة منذ نهاية العام الماضي مقارنة مع 4. 3بالمئة عند حسابه باليورو.
وفي حالة بعض السلع الاولية الاخرى كان تأثير العملة أقل. فقد ارتفع الذهب في المعاملات الفورية عند حسابه بالدولار أكثر من 15 بالمئة هذا العام في حين زاد 13 بالمئة عند حسابه باليورو. ويغذي ارتفاع تكلفة المواد الخام التضخم ولكن هذا يعني ايضا أن المواد الخام تبلي بلاء حسنا عند هبوط أصول أخرى مما يجعلها مفيدة في تحقيق التوازن في المحافظ الاستثمارية.
وقال ماتياس ان رغبة الولايات المتحدة في تقييد التضخم ستسهم في ابقاء اسعار الفائدة منخفضة لفترة طويلة مما قد يحد من أي انتعاش للدولار. واذا ما نجحت الفائدة المنخفضة في تحفيز انتعاش الاقتصاد الأميركي فسيدفع هذا أسعار النفط للارتفاع وان كان قد يحد من موجة المضاربة التي اجتذبها النفط مع تعثر أسواق اخرى. من جانبه يقول كولن مورتون من شركة رنسبرج البريطانية التي تدير اصولا حجمها 5. 1 مليار دولار «قد ترون عودة إلى الأسهم والأوراق المالية».
محطات رئيسية في تطور العملة الأوروبية
13 ديسمبر 1998: التوقف عن ربط العملات الأوروبية السابقة وتحديد سعرها أمام الدولار.
4 يناير 1999: أول أيام التسعير الرسمي لليورو.
2 يناير 2002: بدء التعامل بالقطع والأوراق المالية لليورو وبدء صعود قيمة العملة الأوروبية تدريجيا مستفيدة من ضعف الاقتصاد الأميركي.
15 يوليو 2002: اليورو يتساوى مع الدولار.
30 ديسمبر 2004: ارتفاع اليورو أمام الدولار قبل أن يبدأ فترة تراجع طويلة.
أكتوبر 2007: اليورو يتجاوز لأول مرة عتبة 40. 1 دولار، ثم يسجل أسعارا قياسية متوالية.
26 فبراير 2008: العملة الأوروبية تتجاوز لأول مرة عتبة 50. 1 دولار بعد إعلان إحصائيات تظهر مؤشرات جديدة حول ضعف الاقتصاد الأميركي.
البلدان الناشئة أمام حتمية رفع قيمة عملاتها
يرى محللون أن السلطات في الأسواق الناشئة ستضطر للسماح لعملاتها بالارتفاع بقدر أكبر للحد من التضخم المتزايد على المستوى العالمي بدلا من الاكتفاء بزيادة أسعار الفائدة. وينذر ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة بعودة التضخم للارتفاع إلى مستويات مقلقة وقد بدأ العديد من صناع السياسات في الأسواق الناشئة زيادة أسعار الفائدة أو على الأقل أشاروا إلى استعدادهم لذلك.
لكن أغلبهم لا يبدي استعدادا يذكر للسماح لعملاتهم بالارتفاع بحرية. بل على النقيض من ذلك فان البنوك المركزية تواصل شراء الدولارات في أسواق الصرف الأجنبي إذ قدرت مؤسسة جيه.بي. مورجان أن هذه البنوك رفعت احتياطياتها بنحو 850 مليار دولار في العام 2007. وتقدر المؤسسة أن احتياطيات النقد الأجنبي للأسواق الناشئة سترتفع بمقدار 390 مليار دولار هذا العام.
وقال جيروم بوث رئيس الأبحاث لدى شركة اشمور انفستمنت مانجمنت «الأسواق الناشئة لديها رد فعل بسيط لخطر التضخم فكل ما عليها أن تفعله هو التوقف عن شراء الدولارات ثم ترتفع العملات وتحل مشكلة التضخم».
وفي الوقت الحالي ارتفعت أسعار السلع الأولية الزراعية المتداولة على المستوى الدولي مثل الذرة والقمح وفول الصويا إلى مستويات شبه قياسية لتدعم إيرادات التصدير في الدول التي تعتمد على صادرات السلع لكن هذا أدى أيضاً إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالميا.
ومن العوامل التي تلعب دوراً في مواصلة إقبال البنوك المركزية على شراء الدولار الضغوط السياسية من المصدرين الذين تقل قدراتهم التنافسية في حالة ارتفاع قيمة عملاتهم وذلك رغم التكلفة المالية المتمثلة في تكوين احتياطيات بعملة آخذة في الانخفاض.
لكن بوث يقول إن الوقت قد اقترب الذي سيضطر فيه صناع السياسات إلى دفع الثمن السياسي والتوقف عن شراء الدولار. ويضيف «أعتقد أنهم كلهم يراقبون بعضهم بعضا لمعرفة من سيتحرك أولاً». وربما يكون الارتفاع الأخير للتضخم عالميا هو الحافز الذي سيؤدي إلى تحول السياسات.
ورفعت بولندا أسعار الفائدة للشهر الثاني على التوالي وأشارت إلى مزيد من الزيادة مستقبلا. وفي الأسبوع الماضي فاجأت كولومبيا الأسواق بزيادة الفائدة ربع نقطة مئوية. من ناحية أخرى أبدى المسؤولون في العديد من الأسواق الناشئة منها البرازيل والمكسيك وتركيا مخاوف في الآونة الأخيرة من التضخم.
وقالت جويس تشانج رئيسة أبحاث الأسواق الناشئة في جيه.بي. مورجان للمستثمرين في الندوة التي عقدت في نيويورك «التضخم كان مفاجأة في الأسواق الناشئة». وتوقعت أن ترتفع عملات الأسواق الناشئة نتيجة لذلك مع «سعي البنوك المركزية لإلغاء الحافز النقدي».
لكن المحللين يقولون إن رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم في أسعار المواد الغذائية ليس سياسة كافية. وقال ارثر بوداغيان مدير التحرير المختص باستراتيجيات الأسواق الناشئة لدى مؤسسة بي. سي.ايه الكندية للأبحاث في الندوة «في البلاد التي يكون الطلب المحلي فيها ضعيفا تميل أسعار الغذاء المرتفعة لأحداث أثر انكماشي لأنها توجه المال للإنفاق على الغذاء وتقلل الإنفاق على الأوجه الأخرى».
وقال جيليرمو أورتيز محافظ البنك المركزي المكسيكي للمستثمرين إن أسعار الغذاء والطاقة العالمية المرتفعة ستواصل تغذية التضخم في بلاده. ويمثل هذا خطرا على حملة حالية لزيادة معدلات النمو بخفض أسعار الفائدة من أجل تعزيز الاقتراض والاستثمار.
وقال رالف سيوبل كبير الاقتصاديين وخبراء الاستراتيجية لدى بلو كرست كابيتال مانجمنت إن الخوف من التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية قد يكون مؤقتا بما يمنح المستثمرين فرصة ذهبية لاتخاذ مراكز جيدة في أسواقهم الناشئة. وأضاف مفسراً «إذا كان رأيك أن التضخم في أسعار الغذاء مؤقت وانه سيختفي فيتعين عليك أن تكون مراكز دائنة ضخمة في الأسواق المحلية.
وكل الزيادات في الأسعار التي نشهدها الآن ستتبدد من حسابات معدل التضخم السنوي في العام التالي». ويتوقع سيوبل ان ينخفض التضخم في الأسواق الناشئة لكنه يقول انه لن يتلاشى تماما. ويضيف «الوضع الهيكلي لأسواق السلع الزراعية من شأنه أن يعمل على استبعاد انخفاض الأسعار ما لم تقع أحداث غير متوقعة».
وفي المكسيك على سبيل المثال ارتفع البيزو نحو 5. 1 في المئة مقابل الدولار الأميركي حتى الآن هذا العام ليمنح المستثمرين في السندات السيادية المقومة بالبيزو دفعة إضافية. وسمحت الكويت للدينار بالارتفاع أمام الدولار لليوم الثاني على التوالي مع بقاء العملة الأميركية قرب مستوى منخفض قياسي لتصل بذلك مكاسب الدينار منذ التخلي عن ربطه بالدولار إلى أكثر من ستة بالمئة لأول مرة.
والكويت هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تخلت عن ربط عملتها بالدولار الذي بلغ 5050. 1 دولار لليورو على منصة اي.بي.اس للمعاملات الالكترونية وانخفض إلى مستوى قياسي أمام سلة من العملات الرئيسية. وارتفع الدينار 03. 6 بالمئة منذ تخلت الكويت عن ربط عملتها بالدولار في مايو الماضي وتبنت في المقابل سلة عملات. وقالت الكويت إن ضعف العملة الأميركية يرفع التضخم المحلي من خلال زيادة تكلفة بعض الواردات.
(وكالات)
