تعني ماديرا باللغة البرتغالية «الخشب»، ومن الصعب تخيل اسم أقل رومانسية منه لهذه الجزيرة البرتغالية الحالمة الواقعة بالقرب من الساحل المغربي المطل على المحيط الأطلسي. وحتى عندما يكون الطقس في نصف الكرة الشمالي من كوكب الأرض شديد البرودة لدرجة التجمد تبدو جزيرة ماديرا متألقة بالحيوية.

ومع درجة الحرارة المعتدلة السائدة التي تبلغ 20 مئوية تنبثق براعم أشجار الكرز، وتكتسي أشجار السنط بالزهور الصفراء الرائعة، وتتحول زهور عصفور الجنة إلى اللون البرتقالي اليانع، وتصبح ماديرا هي المكان المثالي للأشخاص الذين لا يستطيعون الانتظار حتى يحل الربيع. ولا تعد ماديرا مقصداً سياحياً رخيصاً فهي لا تجذب أفواجاً كبيرة من السائحين، وبالتالي فلا يوجد بها إلا عدد محدود من الفنادق متوسطة الأسعار. ومن المؤكد أن الاتجاه فيها هو للعطلات ذات الأسعار العالية، ولا توجد مساحات كثيرة متاحة للبناء والتوسع العمراني، وتهطل الأمطار بغزارة في الشمال والشرق وتسطع الشمس أساساً في الجنوب، ومن هنا فإن معظم الفنادق تقع في هذه المنطقة.

والشواطئ الطبيعية نادرة على طول ساحل ماديرا الصخري، ومع ذلك فيمكن للسياح في أماكن كثيرة أن يجدوا منفذاً سهلاً للمحيط، ففي بورتو مونيز ثمة أحواض سباحة طبيعية بداخل الصخور البركانية. وخلال السنوات العديدة الماضية تم تجهيز شواطئ اصطناعية صغيرة من الرمال، ويكفل تدفق المياه الحفاظ على درجة حرارة تبلغ نحو 20 مئوية وفي نفس الوقت يجلب زوار دخلاء على المكان على درجة كبيرة من الغرابة مثل السمكة الببغائية القادمة من البحر الكاريبي.

وكانت ماديرا واحدة من أفقر المناطق الأوروبية حتى عام 1970 ولكنها حققت خلال العقد الماضي قفزة في التنمية تحتاج بعض الدول لتحقيقها إلى فترة تتراوح بين ثلاثين إلى أربعين عاما، وذلك بفضل المعونة المالية التي قدمها الاتحاد الأوروبي.

ومعظم مدن الجزيرة التي كان من المتعذر في السابق الوصول إليها بغير المناورة لعدة ساعات حول الطريق الساحلي أصبحت موصولة الآن بطريق سريع كما أصبحت المتاجر مكدسة بأحدث السلع، وإن كانت عملية التحديث قد أثرت سلبا على جزء من الطابع الريفي والرعوي للجزيرة.

غير أن النزهة الخلوية في الجبال تداوي هذه الآثار السلبية فكثير من الشباب والكهول اكتشفوا جاذبية التنزه سيرا على الأقدام لعدة ساعات في عزلة نسبية. والتنزه على الأقدام على طول قنوات الري التي يصل طولها إلى ثلاثة آلاف متر تقريبا أصبح شائعا ورائجا، وقد بنى العبيد القنوات الأولى في القرن الخامس عشر وساعدت على ري مزارع قصب السكر.

ولا توجد منحدرات أو نتوءات حادة ومع ذلك فهناك درجات ميل وانحدار على جانبي القنوات، وليست هناك وسائل إعلانية حديثة عن الأماكن الجميلة والرائعة وإنما تتم عملية الإعلان عن طريق التحدث من شخص لآخر. وقبل القيام بنزهة خلوية ينبغي على السياح أن يطلعوا تماما على مستوى صعوبة السير في الأماكن المختلفة وأن يرتدوا ثيابا مناسبة.

ويقول المرشد السياحي لويس إن الصنادل المطاطية والكعوب العالية هي اختيارات غير مناسبة حتى بالنسبة للرحلات الأكثر سهولة، لأن الطرق تكون مبتلة غالبا ومليئة بأوراق وأفرع الشجر، فهي طرق صممت من أجل العمل فقط وليس من أجل السياح.

وتتمتع ماديرا بسمعة أنها جزيرة «للربيع الدائم» فدرجة الحرارة تتوقف دائما عند نحو 25 درجة مئوية، والجو مشبع بالرطوبة إلى حد ما، وبعض أشجار الفاكهة مثل الكرز والمشملة الصغيرة الصفراء تطرح ثمارها مرتين في العام.

وتتفتح الأزهار وفقا للموسم، فتزهر الأكاسيا في مارس وأبريل، ويزين الزنبق الأبيض المروج وجنبات الطرق في أبريل ، وتتفتح أزهار قفاز الثعلب في مايو ويونيو بجوار مساقط المياه كما لو أنها باقة مرتبة، وتنضم إليها زهور كوب الماء الفاخرة والليلام الرشيقة، أما زهور عصور الجنة فتتفتح طوال العام.

وبعد النزهة الخلوية يشعر العديد من السياح بالجوع والتعب ويسعون إلى تذوق الأطعمة المحلية، وفي كثير من الأماكن تحتل سمكة الاسبادا مكانة مهمة في قوائم الطعام وهي سمكة تعيش في المياه العميقة ويتم اصطيادها بالقرب من ساحل ماديرا، أما سمكة السيف السوداء فهي شهية المذاق ويقال إن سكان الجزيرة يعدونها بمئات الوصفات كل وصفة ليوم من أيام العام.

وأكثر أنواع اللحوم شعبية يطلق عليه اسم «ايسبيتادا» ويقدم مشويا في أسياخ خشبية، ويتبل بملح البحر والفلفل والثوم ويقدم في كل مناسبة غالبا مع خبز الثوم وعصيدة من دقيق الذرة أو مع البطاطا. وتعد زهور عصفور الجنة التي تعيش طويلاً هدايا طريفة، وفي المطارات الألمانية يمكنك أن تتعرف على السياح العائدين من ماديرا عن طريق لفائف الورق المقوى الطويلة المليئة بالزهور يتأبطونها كتذكار من رحلتهم الربيعية.

(د.ب.أ)