تجمع مدينة فيلادلفيا التي تأسست في القرن السابع عشر الكثير من المتناقضات، فهي موطن لكل من الغنى والفقر والترف والفاقة والطبيعة الجميلة والبنايات الشاهقة السياسة والسياحة والعلم والثقافة. هي اكبر مدن ولاية بنسلفانيا وسادس اكبر المدن الأميركية من حيث عدد السكان. وبها عشرات من المطاعم التي تقدم جميع أنواع الأغذية لكل الجنسيات في العالم تقريبا.
وبها عشرات من الفنادق التي تناسب كل الدخول والمستويات من الفنادق الاقتصادية الرخيصة إلى فئة الخمس نجوم فضلا عن الشقق المفروشة . والتسامح هو السمة الغالبة في هذه المدينة، التي يتكون اسمها من مقطعين مأخوذين من اللغة اليونانية، كلمة (فيلو) وتعني الحب، وادلفو وتعني التآخي، ليصبح الاسم بالكامل هو ( الحب الأخوي ). تضم فيلادلفيا حالياً خليطاً من الأعراق، بحيث أضحت صورة مصغرة للمجتمع الأميركي مع مجموعات من المهاجرين. يوجد بها البيض والأوروبيون واليهود الذين هاجروا في السنوات الأخيرة خاصة من أوروبا الشرقية، والأميركيون السود، وبقايا هنود حمر، الذين يطلق عليهم حالياً الأميركيون الاصلاء، ومهاجرون من أميركا اللاتينية وأيضاً جاليات عربية حتى اسماها البعض بوتقة الأعراق.
وهناك الكثير من المزارات السياحية، من أبرزها (قاعدة الاستقلال) التي وقعت فيها وثيقة استقلال أميركا و(حديقة الاستقلال التاريخية) وهناك (متحف فيلادلفيا للفنون) وهو من أكبر المتاحف في أميركا. وهناك شارع الفنون الذي توجد به أغرب المطاعم والحانات. أما أطرف المظاهر السياحية في هذه المدينة، هو ولا شك الترام التاريخي الذي يعود تاريخه إلى بداية ظهور الترام في مطلع القرن الماضي. هذا الترام بشكله الفريد يسير في وسط معظم شوارع المدينة التي يأتي إليها السائحون من شتى أنحاء العالم فضلا عن الولايات الأميركية أيضاً ليشاهدوا تاريخهم.
فهناك مدن أنيقة، وأخرى زاهية بمناظرها الطبيعية، وثمة مدن اشتهرت بمواقعها السياحية، وأخرى بالفلكلور، وبعض المدن تسودها الضوضاء، ومدن أخرى النظام والهدوء. لكن مدينة فيلادلفيا مدينة ذكية، أخذت من كل شيء بمقدار متوازن. مدينة أصبحت خليطاً من كل شيء، يمتزج بداخلها في تناغم وانسجام. أخذت من التاريخ قطعا من كل تاريخ أميركا.
أسستها مجموعة من الهولنديين والبريطانيين والسويديين في القرن السابع عشر، وكانت تسكنها آنذاك مجموعة من الهنود الأحمر حول نهر ديلاور. ثمة مفارقة في فكرة تأسيسها ظلت تداعياتها مستمرة على تعاقب القرون والعقود والسنوات.
كان مؤسسها (وليام بن) يأمل أن تكون فيلادلفيا مدينة على غرار البلدات الانجليزية في الريف البريطاني، ولا علاقة لها بالمدن، بيد أن السكان فضلوا أن تكون على غرار المدن العادية، لكن آثار الريف ما تزال توجد في بعض شوارعها، حيث تنتشر حدائق صغيرة أمام بعض الدور.
وهي تعتبر واحدة من ابرز المدن الصناعية في أميركا وفي الوقت نفسه هي مدينة زراعية تحيط بها المزارع من جميع الجهات. وهناك ظاهرة لعلها لا توجد في أي مدينة أميركية، وهي أن الناس يخرجون إلى الشوارع ليتفرجوا على بعضهم بعضاً وكأن المدينة تعيش كرنفالا يوميا .
في شارع (ساوث ستريت) يتدفق الناس مع بداية المساء في كل يوم، أما في نهاية الأسبوع فإن الأمر يتحول إلى مظاهرة ضخمة. وشعارهم (مدينة الإخوة والحب). في الشارع تجد كل شيء. ناس من مختلف الاعمار. مسنون ومسنات لم يملوا السهر، يتهامسون عن أيامهم التي مضت.
رجال ونساء يتحدثون بصوت مرتفع أو منخفض الأمر سيان في هذا الشارع. وبطبيعة الحال شباب وصبايا في عمر الزهور، يلبسون جميع الأزياء التي يعرفها العالم، جميع الألوان الموجودة على الكرة الأرضية. بعضهم يسير وكأنه على شاطئ سياحة. يقتصدون في الملابس إلى حد يتجاوز الحد.
المطاعم والمقاهي في كل مكان. والأكل من جميع أنحاء الدنيا. ومن ابرز ظواهر المدينة مطعمان متخصصان في شرائح لحم العجل (اميركان ستيك). لا يوجد مطعم في العالم يمكن أن يصطف أمامه الناس منذ الصباح الباكر وحتى فجر اليوم التالي من اجل أكل ساندوتش.
هذا يحدث في فيلادلفيا، بل هناك من السياح من يأتي خصيصاً إلى فيلادلفيا من أجل التهام هذا الساندوتش. احد المطعمين يعرض على واجهته صور بعض الشخصيات التي زارته، من كبار المسؤولين إلى ابرز أغنياء أميركا إلى أشهر المطربين ونجوم هوليوود. كل هذه الشرائح جاءت لتأكل ساندوتش (اميركان ستيك). هؤلاء هم الأميركيون يصنعون من كل شيء ظاهرة.
رواد الشارع يفضلون الجلوس على أسطح المقاهي اذا كان الطقس دافئاً. يتفرج عليهم المارة ويتفرجون هم على المارة. شارع لا ينام. وناس لا تكل ولا تمل. ثمة حدائق بلا عدد في جميع انحاء المدينة.ولكل حديقة قصة.
لكن من بين أكثر الحدائق اثارة للاهتمام، حديقة يوجد بها تمثال الكاتب البريطاني تشارلز ديكنز صاحب روايات (أوليفر تويست) و(انشودة لعيد الميلاد) و(قصة مدينتين) وأوقات عصيبة. في الحديقة يوجد تمثال نصفي للروائي البريطاني، تتأمله صبية ترتدي ملابس الانجليز في القرن التاسع عشر. هذا التمثال أهدته المدينة إلى لندن قبل فترة، بيد أن البريطانيين أعادوه إلى فيلادلفيا.
في مدينة فيلادلفيا أيضاً آثار بلا حصر. من بينها مبنى قاعة المدينة الذي كان به مقر العاصمة الأميركية، ذلك أن فيلادلفيا، التي يوجد بها كل شيء والتي هي مدينة (ذكية) كما سبق اختيرت لفترة عاصمة للولايات المتحدة لسنوات في القرن التاسع عشر.
في السياسة عرفت المدينة مواجهات عنصرية دموية خلال سنوات الستينات والسبعينات، مما دفع عدداً كبيراً من الأميركيين السود أن ينعزلوا في الأطراف، وهو ما ترتب عليه قيام أحياء تعتبر حتى اليوم من الأماكن الخطرة الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود. لكن لأن فيلادلفيا مدينة ذكية فقد استطاعت أن تعزل (الأحياء الخطرة) بعيداً عن وسط المدينة.
إعداد: اشرف رفيق


