مليونا دولار من أموال المخدرات القذرة في حقيبة جلدية سوداء، يعثر عليها مصادفة صياد غزلان عادي في صحراء تكساس ضمن مخلفات معركة دامية جرت بين عصابات المهربين، وقاتل محترف يُستأجر للعثور على المال يتتبع ذلك الصياد بواسطة جهاز إرسال خفي مخبأ في رزم الدولارات، ورجل شرطة مخضرم يتتبع ذلك القاتل للإيقاع به، أحداث عادية لفيلم استثنائي يسعى لعصرنة أفلام الغرب الأميركي العتيدة.
للوهلة الأولى يبدو الفيلم وفياً لنمط سينما الأخوين كون التي تستند في الغالب إلى عالم الجريمة والعنف، لكن الاختلاف هذه المرة في تقنيات التصوير الرائعة والمشاهد المفتوحة والكاميرا التي تتبع بطل الفيلم الصيّاد ليولين موس (الممثل جوش برولين) وهو يتفحص سيارات البيك ـ آب الحديثة المعطوبة في الصحراء، والجثث المتناثرة تحت لهيب الشمس الحارقة، لكن أليس ثمة ناج من تلك المجزرة؟.
يتساءل موس، وبحدس الصياد الحذر يفكر، أين يمكن أن يتجه الناج في تلك الحالة؟ إلى الظل ربما، وسرعان ما يلمح شجرة وحيدة على تلة قريبة فيتجه نحوها، وهناك يجد أحد الرجال وقد مات للتو متأثراً بجراحه وبقربه حقيبة جلدية سوداء فيها مليونا دولار أميركي فيقرر الاستحواذ عليها، عندها فقط تنقلب حياته إلى جحيم حقيقي وهروب أعمى من موت محتوم.
ولع بالويسترون
الفيلم يستند إلى رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب الأميركي كورماك مكارثي الذي يطلقون عليه هناك شكسبير الغرب الأميركي، لشدة ولعه بحكايات الويسترن وقدرته الفذة على تكييفها أدبياً، وإن كانت روايته هذه تختلف عن الأخريات كونها قصة ويسترن حديثة تبتكر أفكاراً جديدة أثارت اهتمام الأخوين كون.
سيما آلة القتل الجهنمية التي يستخدمها القاتل المُستأجر أنطون شيغورة (الممثل الإسباني خافيير باردم) المتكونة من قنينة غاز مضغوط وخرطوم مطاطي تعمل بقوة الضغط الهائل، وهي مفردات عديدة لقصة غير نمطية تبدأ بمشهد مثير لجثث متناثرة يحوم حولها الذباب، وتنتهي بمشهد مأساوي لمقتل البطل بطريقة غير متوقعة على الإطلاق.
ثنائي متميز
جول وإثان كون، مخرجان أميركيان متميزان عرفا بأفلامهما التي تتناول في الغالب عالم الجريمة بمسحة كوميدية في بعض الأحيان، من مثل، رفع أريزونا، وفارغو، ولوبفسكي الكبير، والأخوان أو، وحيث الفن أنت، وهم يخرجان وينتجان أفلامهما بنفسيهما، إذ يضطلع جول في الغالب بالإخراج في حين يتولى إيثان عمليات الإنتاج، وفي أحيان كثيرة يقومان أيضاً بالمونتاج، وهما من القلائل الذين تتطابق رؤيتهما السينمائية ولا يستطيعان العمل منفردين.
ولد جول كون في العام 1954 في سانت لويس بارك، وهو متزوج من الممثلة فرانسيس مكدورماند، أما إيثان فقد ولد في العام 1957 ومتزوج من مهندسة المونتاج المعروفة تريسيا كوك، وهما الابنان الوحيدان لمدرس جامعي لمادة الاقتصاد ومدرسة جامعية لمادة تاريخ الفن.
الغرب الأميركي
الفيلم يصنف ضمن أفلام الويسترن، أو أفلام الغرب الأميركي المعروفة، لكن بطريقة معاصرة هذه المرّة، إذ يظهر البطل ليولين موس ببنطال الجينز معتمراً قبعة رعاة البقر الشهيرة وبشارب متدل، لكن بدل أن يعتلي ظهر جواده يقود عربة نصف بيك آب من نوع جي أم سي ذات دفع رباعي، إنه ملمح يذكرنا بدعاية سكائر مارلبورو الشهيرة في الثمانينات، لكن هل يحمل هذا البطل المعاصر قيم الغرب الأميركي أيضاً؟
هذا ما حاول الفيلم تجسيده ابتداءً من عنوانه (لا وطن للرجال المسنين)، فالمأمور، أو رجل الشرطة المخضرم إيد توم بيل (الممثل تومي لي جونز) شاهد على اندحار القيم في المجتمع الأميركي، أو على الأقل مجتمع تكساس في الثمانينات، حيث العنف والفساد هو المعيار الرئيس، ومن لا يقوى على مجارات ذلك عليه الانزواء أو المغادرة، فلا وطن للضعفاء، تلك هي فلسفة الفيلم، وإن كان ثمة أمل ضعيف باندحار الشر، لكن كيف؟
بأن يأكل نفسه بنفسه، يقول جول، إنها مدرسة الأخوين كون السينمائية التي يعتقد البعض خطأً إنها مبنية على العنف المجرد، لكن فيلمهم هذا جعل الجميع يدرك عمق تلك الفلسفة الخاصة.
أوركسترا سينمائية
الفيلم يعد قطعة سينمائية متماسكة ومتناسقة سواء في تصوير روجر ديكنغ الذي يكان يبني المشاهد كما لو كان يكتب شعراً متناغماً مع رؤية جول وإيثان في تجسيد الأحداث، أو في التقنيات الصوتية الرائعة التي جسدها مهندس الصوت سكيب لايفساي والمؤلف الموسيقي كارتر يورويل التي أضفت على الفيلم طابعاً خاصاً يشعرك وأنت تشهده إنك تشاهد سينما محترفة وسينما حقة تجسدت حتى في مشاهد العنف والدم، أو مشاهد الإثارة والترقب التي تشد المشاهد وتراوغ توقعاته وخياله.
لقد نجح الأخوان كون أخيراً في تقديم فيلم مخلص للنمط الأميركي، أعني على صعيد الأسلوب السينمائي وليس على صعيد القيم، ذلك النمط الذي وصفه مارتن سكورسيز بأنه ملح السينما، ولا عجب إذا ما حاز الفيلم على جميع هذه الجوائز الكثيرة والقيمة وحظي باهتمام النقاد أينما عرض، إنه باختصار فيلم رائع آخر يضاف إلى خزانة السينما العالمية المليئة بالروائع والمتعة والفن الأصيل.
أمستردام ـ محمد حيّاوي
