تحول افتتان فيروز ميرشانت رئيس «بيور جولد جويلرز» بسوق الذهب في ديره والذي كان له فعل السحر في تغيير مسيرة حياته المهنية والعائلية في مطلع الثمانينات إلى عشق وشغف بكل ما يمس دبي بشكل خاص والإمارات عموما، وربما يقع المرء الذي يقوم بحواره في نفس المشكلة التي صادفت «البيان الاقتصادي» وهي إخراجه من محراب معشوقته الذي تحول فيه - إذا جاز التعبير - إلى زاهد أو ناسك يطيب له قضاء جل وقته في الثناء على محاسن وجمال محبوبته.
ويزداد ارتباك المرء إذا ما حاول عقد مقارنة بين محبوبته وجميلات أخريات، فعند سؤاله عن اعتماد سوق الذهب في الإمارات على نظيره الهندي، تحول العاشق الوديع إلى ثور هائج، حيث انتفض من مقعدة وتمددت يداه بطول الطاولة لدرجة يخال للمرء أن هذين اليدين تريدان الانقضاض عليه، واتسعت حدقة عينيه وهو يصيح «من يردد هذا القول مخطأ تماما، لم يعد سوق الذهب في الإمارات معتمدا على السوق الهندي، بل أضحى أكثر قوة وانتعاشا». مر ما يزيد على ربع قرن، منذ اللحظة الأولى التي ساقته فيها الأقدار لأن تطأ قدماه أرض دبي لقضاء شهر العسل، وعلى مدى هذه الفترة الزمنية، لم تطفأ جذوة الحب التي اتقدت في داخله وسيطرت على كامل كيانه والتي جعلته يقضي أوقاتا طويلة بعيدا عن زوجته يتحسس كل زاوية وركن في شارع سوق الذهب في ديره، بل تحول هذا العشق إلى حالة وجدانية تلازمه بشكل دائم، بحيث لم يعد يرى في مدينته المحبوبة سوى كل جمال وحسن.
ويتساءل: هل هناك أي شيء غير سلبي يمكن أن يلحظه أي شخص في دبي؟، يجيب بنفسه قائلا «بالطبع كلا»، ومن ثم، أضحت نظرته إلى الوضع الراهن مفعمة بالتفاؤل والمشاعر الإيجابية، وازدادت ثقته بأن المستقبل يبشر بالمزيد من الازدهار والانتعاش.
ينطلق ميرشانت نحو تنفيذ إستراتيجية أعمال توسعية بالغة الجرأة، استنادا إلى هذه الروح التي يمتزج فيها الإيمان العميق بالدولة التي تحتضن أعماله والقناعة القوية بالمسؤولية الاجتماعية، والثقة الكبيرة بأن الأوضاع مآلها الاتجاه نحو تحقيق المزيد من التطور، وتشتمل الإستراتيجية الأعمال على افتتاح المزيد من المتاجر في الإمارات ومنطقة الخليج بشكل عام وتوسيع دائرة الأعمال لتتضمن قطاع العقارات، والتخطيط لقيام الشركة بطرح اكتتاب عام أولي.
ويطبع التفاؤل تصوراته ورؤيته بخصوص آفاق سوق الذهب في دبي بشكل خاص والشرق الأوسط عموما، فعلى الرغم من وجهات النظر التي يسوقها بعض المحللين والتجار بشأن تآكل الطلب على المعدن الأصفر وتراجع قيمة المبيعات نتيجة الأسعار المرتفعة، إلا أنه يقدم آراء مخالفة تماما، حيث انه يتكهن بأن تحافظ المبيعات والطلب على المجوهرات الذهبية على ازدهارها وانتعاشها في ظل أسعار ستتجاوز سقف الألف دولار للأونصة خلال العام الحالي.
الافتتان بذهب دبي
تعود بدايات افتتانه بمدينة الذهب إلى عام 1981، عندما جاء إلى دبي لقضاء شهر العسل، ويبدو أن الأقدار حملت له ما قلب مسيرة حياته العملية والمهنية، إذ لم يجل بخاطره في ذلك الوقت ارتياد مجال تجار المجوهرات، وكانت غائبة عن ذهنه كليا نية البقاء في دبي، بل اتجهت نيته إلى العودة إلى مسقط رأسه في بومباي للتأهب لتولي أعمال والده في مجال العقارات، بيد أن الأقدار ساقته إلى سوق الذهب في دبي، وهناك وقع في شراك حب المعدن الأصفر الذي افتتنه وأسر عقله.
يتحدث فيروز ميرشانت عن افتتانه بمدينة دبي قائلا: تعتبر دبي بالنسبة لي أفضل سوق على الإطلاق، وتأتي في المرتبة الأولى على مستوى الأسواق الخليجية، تليها المملكة السعودية، ثم الكويت وفيما يتعلق بتجارة التجزئة، يعتبر السوق الإماراتي أفضل من مثيله في المملكة السعودية.
ومن جانب آخر، يؤمن ميرشانت إيمانا جازما بأن أسواق الذهب في منطقة الشرق الأوسط ستكون من الأسواق القيادية في العالم، وستخطو خطوات إلى الأمام وليس إلى الخلف، نظرا لامتلاكها قدرا كبيرا من الثقة والخبرة، ولكنه يرى أن نمو أسواق الذهب في الدول الخليجية لن يؤثر بالسلب على مكانة دبي كمركز عالمي لتجارة المعدن الأصفر.
ويؤمن في هذا المجال أنه لا يوجد أي شيء يؤثر بالسلب على مكانة دبي كمركز للذهب، وذلك مهما تكن مصادر المنافسة أو نوعية التغييرات التي تجوب الأسواق، بل ستسهم هذه المنافسة في زيادة تألق مكانتها والارتقاء بمستويات الأداء على نحو يعزز تفوقها على المنافسين.
ويرجع فيروز ميرشانت شريط ذكرياته إلى الوراء عندما كان في العقد الثاني من عمره، مسلطا الضوء على هذه المرحلة المهمة من حياته والتي كانت بمثابة منعطف مهم قاده إلى مسار غير المسار الذي خطه لحياته، ويتحدث عن هذه المحطة في حياته قائلا: خلال قضائي شهر العسل في دبي، صرت شغوفا بسوق الذهب، وهناك أدركت أسباب عدم استساغتي العمل في مجال العقارات، وبلغ حبي لهذا إلى حد قضاء معظم وقتي هناك، وهو ما جعل زوجتي تشعر بالقلق، وسألتني ذات يوم عما إذا كان السبب وراء قدومي إلى دبي هو قضاء شهر العسل أم للعمل.
وعندما عاد إلى بومباي، أبلغ ميرشانت والديه اعتزامه التخلي عن العمل مع والده في إدارة شركته العائلية، وأنه اختار عوضا عن ذلك اقتحام سوق الذهب في دبي التي تبعد كثيرا عن مسقط رأسه، ويحكي ميرشانت تفاصيل هذا المقطع من حياته قائلا: لقد اجتاح جميع أفراد أسرتي بمن فيهم والدي نوبة من الضحك،.
ولم يكن لدي أية سبب وجيه ومنطقي لإقناعهم بقراري سوى لفت انتباه والدي بأنني لست على دراية وفهم بسوق العقارات وأني أفضل الذهاب إلى دبي لكي أعمل في سوق الذهب هناك، ولكن الجميع اعتقدوا بأنني قد أصبت بلوثة من الجنون، بيد إنني كنت على اقتناع كامل بضرورة العودة إلى دبي للعمل في سوق الذهب.
ويبدو أن القول المأثور بأن من يضحك في النهاية يضحك أكثر، ينطبق على فيروز ميرشانت الذي صارت لديه الآن أسباب وجيهة تؤكد صواب قراراته وخياراته، حيث أضحت شركة بيور جولد واحدة من أكبر ثلاث سلاسل بيوت مجوهرات تسيطر على أسواق الذهب، وذلك جانبا إلى جنب مع داماس وألوكاس.
الاستقلالية عن السوق الهندي
ويذهب افتتانه بدبي إلى حد قيامة بدحض الفكرة الرائجة والقائلة بأن سوق الذهب في دبي يعتمد بالأساس على سوق الذهب في الهند بقوله: لقد كان هذا هو الوضع في الماضي، ولكن في المرحلة الحالية، لم تعد الإمارات معتمدة على الهند في مجال تجارة الذهب.
حيث تغيرت الكثير من المفاهيم والأشياء، وتعتبر الهند سوقا كبيرا بسبب حجم سكانها الضخم، وبالتالي غير ممكن مقارنة الإمارات مع الهند نظرا لوجود فجوة كبيرة من حيث السكان، ولكن إذا ما عقدنا مقارنة من ناحية متوسط استهلاك الفرد للمجوهرات الذهبية أو من ناحية القوة الشرائية، فإن الإمارات تحقق تفوقا كبيرا على الهند.
وتابع حديثه بقوله: يأتي إلى الإمارات سياح من أفضل مناطق العالم، حيث صار يقصدها الآن سياح من اليابان وألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا، ولم يكن هذا هو الحال منذ عشر سنوات مضت، ومن ثم، تتميز السياحة في الدولة بالتنوع خاصة أن السياحة القادمة إلى هذه الدولة هي سياحة متنوعة ومختلطة، وعليه، من الخطأ القول ان سوق الذهب في دبي يعتمد على سوق الذهب في الهند يتحدث فيروز ميرشانت عن مآل إليه وضع بيور جولد في عام 2007.
وما تخطط لإنجازه في مجال تجارة المجوهرات خلال السنوات القليلة بقوله: لقد كان 2007 عاما رائعا بالنسبة لنا، ونخطط لزيادة أعمالنا في العام الجاري، ونحن مفعمون بمشاعر الثقة تجاه دولة الإمارات، حيث يحفزنا النمو والازدهار على زيادة حجم أعمالنا، ونحطط في هذا المجال لافتتاح 100 متجر في منطقة الخليج بحلول عام 2010، كما نتطلع إلى افتتاح خلال العام الجاري ما يتراوح بين 20 و25 متجرا في الإمارات.
نحن حققنا في العام الماضي - والكلام مازال له - نموا وصلت نسبته إلى 58%، ونتوقع تحقيق معدل النمو ذاته أو أكبر خلال العام الجاري، وقد سجلنا في العام الماضي حجم أعمال قيمته 400 مليون درهم، ونستهدف في العام الجاري تحقيق حجم أعمال قيمته 600 مليون درهم، وذلك على الرغم من ارتفاع أسعار الذهب، فلم تؤثر الأسعار المرتفعة مطلقا على حجم أعمالنا، كما لم تؤثر على زبائننا، ونحن نستهدف في نهاية المطاف تحقيق نفس حجم المبيعات التي حققناها في العام الماضي.
ويرسم ميرشانت صورة للأوضاع الاقتصادية في الدولة والتي شكلت قاعدة الانطلاق في تخطيطه لآفاق مستقبل أعماله قائلا: توجد جملة من المحفزات التي تصب في اتجاه تحفيز تجار المجوهرات على زيادة حجم أعمالهم، ويعتبر النمو الذي تسجله الدولة العامل الأكثر أهمية بالنسبة لنا.
وهو ما نتلمسه في زيادة أعداد السكان، وتدفق السياح الذين يتزايد أعدادهم عاما بعد عام، وتمتع دبي بشهرة عالمية بوصفها مدينة الذهب، فضلا عن أن القسم الغالب من السياح الذين يقصدون الدولة يقومون بزيارة متاجر الذهب، ويحرص 90% على شراء المجوهرات الذهبية، ويزور معظم السائحين دبي التي تحتضن الكثير من المزارات والمغريات السياحية، ويعتبر التدفق السياحي في الإمارات أكبر من مثيلة في أي منطقة أخرى في الخليج، كما تتميز السياحة بالتنوع.
حيث يزور الدولة سياح من مختلف مناطق المعمورة سواء من أوروبا أو آسيا أو الشرق الأوسط ومثل النمو الذي أحرزته الدولة خلال السنوات الخمس الأخيرة عاملا جاذبا على قدوم الناس، وبالتالي تمتلك الإمارات قاعدة قوية ومتنوعة من السائحين، الأمر الذي يضعها في مكانة لا تضارع كمقصد سياحي من الدرجة الأولي على مستوى منطقة الشرق الأوسط.
وتصب كل هذه الأمور مجتمعة - والكلام مازال له - لصالح تحفيز التجار على زيادة أعمالهم، فضلا عن أننا نتملك مصنعين لتصنيع المجوهرات، أحدهما في الهند والآخر في الصين، وهو ما يتيح لنا مراعاة انسجام منتجاتنا مع التصميمات الجديدة التي من شأنها أن تعطي لزبائننا الإحساس بالرضا والراحة، ومن ثم، لدينا الكثير من القطاعات التي من شأنها أن تسهم في زيادة حجم أعمالنا.
أسعار الذهب
ويخالف فيروز ميرشانت وجهة النظر السائدة القائلة بأن ارتفاع أسعار الذهب سيفضي إلى تآكل الطلب والمبيعات، وشرح وجهة نظره قائلا: ان هذه الأسعار المرتفعة ليست أمرا جديدا وإنما هي موجودة منذ عامين مضيا، وتعلم المستهلكون بالفعل التعايش مع الأسعار، بل وزادت ثقتهم بالمعدن الأصفر.
وبالتالي، لم تعد الأسعار مسالة مهمة للمستهلكين في الوقت الحالي، وصار الشيء المهم هو الجودة والتصميم والخدمة، ومن ثم، سيشتري المستهلكون الذهب، إذا ما توافرت هذه الأشياء مجتمعة، حيث تعد مباشرة الأعمال في قطاع الذهب أمرا مختلفا عن بقية السلع والمعادن، من زاوية، ارتباطها باتجاهات الموضة، فضلا عن الكثير من الأمور قد تغيرت في عالمنا، وانضم الكثير من الناس في تعداد الأثرياء، وتزايد عدد السكان على مستوى المعمورة، ومن شأن هذه الأمور مجتمعة أن يؤدي إلى زيادة الإنفاق، وهو ما يصب في نهاية المطاف لصالح تجار المجوهرات الذهبية.
ويتوقع فيروز ميرشانت أن تتجاوز أسعار الذهب في العالم الحالي سقف الألف دولار للأونصة قائلا: نحن سوف نشهد المزيد من الارتفاعات في أسعار الذهب، وتوقعاتي أنه خلال هذا العام سوف نشهد أسعارا للذهب تزيد على 1000 دولار للأونصة، ومنذ عام مضى.
وعندما كان الذهب عند مستوى 650 دولارا للأونصة، توقعت أن يرتفع السعر إلى 750 دولار للأونصة، وهو ما تحقق بالفعل، ولدى سؤال البعض عن توقعاتي لسعر الذهب في عام 2008، أجبت بأن سعر الذهب سيتراوح بين 900 و950 دولارا للأونصة، وبالفعل، تجاوز السعر سقف 900 دولار للأونصة.
وأتوقع أن يصعد السعر إلى ما يزيد على ألف دولار للأونصة. ورغم التزايد المتوقع في المعروض من الذهب- والكلام على مازال على لسانه - نتيجة اعتزام صندوق النقد الدولي بيع مقتنياته من الذهب، فإن الطلب سيزيد بوتيرة أكبر، بالنظر إلى تزايد أعداد السكان على مستوى العالم، وارتفاع أسعار النفط الذي يعد السلاح الأكثر قوة وتأثيرا في توجيه حركة أسعار السلع في الأسواق العالمية.
وخلص فيروز ميرشانت في استقرائه لمستقبل أسعار المعدن الأصفر إلى التأكيد الجازم بأن الأسعار ستسلك مسار الصعود، وأنه يجب ألا يساور أي شخص الشكوك بأنها من الممكن أن تتراجع إلى أقل من 800 دولار للأونصة، ووجه نصيحته إلى التجار والمستهلكين قائلا «لستم بحاجة إلى التفكير بما ستكون عليه الأسعار في المستقبل، بل بجب أن تكونوا على ثقة بأن الأسعار مآلها إلى الصعود المتواصل».
روعة السوق
استبعد فيروز ميرشانت أن يكون للأسعار المرتفعة أية تأثيرات سلبية على أسواق الذهب في الدولة، بل توقع أن تواصل هذه الأسواق مسيرة النمو والانتعاش قائلا: يبدو لي سوق الذهب في دبي سوقا في قمة الروعة، وسنشهد المزيد من ازدهار الأعمال، نظرا لثقة الناس في هذا السوق، وثقتهم كذلك في صعود الأسعار، وهو ما سيقود إلى زيادة مشترياتهم، وسوف يشعر المرء الذي يمتنع عن شراء الذهب عند مستوي 900 دولار للأونصة بالندم عندما يصل السعر إلى 1000 دولار للأونصة.
دبي ـ مجدي عبيد

