افتُتح في قاعة «قباب» للفنون في أبوظبي معرض «الأصل» للفنانة اليابانية «إيكوكو ديكوشي»، ويضم معرض الفنانة أكثر من خمس مجموعات فنية، اختزلت تجربة الفنانة التي تمتد لأربعة عقود من الزمن، وكان «القمر» سيد اللوحات وكائنها الأول، وبدا واضحاً مدى العشق الذي يربط الفنانة بهذا الكائن الجميل، فكانت بحق «عاشقة القمر» وسفيرة حقيقية للفن الياباني المعاصر.

ولدت «إيكوكو» في عام 1944، وبعد عشر سنوات على ولادتها انتقلت مع عائلتها للعيش في منطقة «أوساكا» حيث درست في جامعة «تاما» للفنون تخصص النحت، كما نالت ـ إضافة للفنون ـ ماجستير في الآداب، في مطلع السبعينات انطلقت إلى القارة السمراء لتدريس الفن في جامعة «إيل ـ إيفي» في نيجيريا، حيث اُتيحت لها الفرصة هناك للتجوال إلى جميع أنحاء العالم. عن تلك التجربة تقول «إيكوكو»: لقد اتيحت لي الفرصة أثناء تجوالي في إفريقيا والدول الأخرى، لمشاهدة هذا التناسق اللوني ـ الكوني الجميل، حيث غزارة اللون وكثافته وتشكيلاته المختلفة.وتضيف الفنانة اليابانية: لسنوات عديدة رسمت الأشكال الطبيعية ضمن الأسلوب الكلاسيكي، واسترجعت خلال تلك الفترة التقنيات الأساسية للمدرسة اليابانية في فن الرسم، ونتيجة تجربتي في النحت لم أعد راضية عن هذا الأسلوب الذي يعتمد سطح اللوحة كمعيار لتشكيل الألوان والأشكال.

فأعدت صياغة اللوحة بما يتناسب وتقنية مبتكرة هي تقنية «الأبعاد الثلاثية» التي تخلق انطباعاً أعمق لدى المتلقي والمشاهد، بدلاً من أن ينظر إليها من خارجها، فعدتُ إلى الشكل «الكروي» في عمق اللوحة وتكوينها الأساسي، فأطلقت عليه مصطلح «الأصل» الذي يخلق هذه الحالة الغامضة بين شكل «القمر» و«الماء» الذي تقوم عليه أغلب أعمالي في هذا المعرض.

تعتقد مدرسة الفن اليابانية في فلسفتها التنظيرية؛ أن الجمال ينبع من عالم الماء، ولهذه الرؤية الفنية دلالات كبيرة انعكست على واقع لوحات وأعمال الفنانين اليابانيين، وبين القمر والماء علاقة حميمة تشاهدها في أعمال الفنانة «إيكوكو».

حيث تتبعت رحلة القمر وعروجه من سماء إلى أخرى في مجموعة من بلدان العالم، وهي تتذكر مجموع رحلاتها في رسم هذه اللوحات التي بدا فيها القمر بألوان وأشكال مختلفة تبعاً للأمكنة التي رسمته فيها، بدءاً من بلدها اليابان، ثم «قمر كويتا» التي تقع على ارتفاع 1700 قدم فوق سطح البحر في باكستان، مروراً بأفغانستان وإيران، وسلسلة جبال الصين وجزر مورشيوس، وهي ترى أن كل قمر تراه في مكان من الأمكنة؛ يحمل صورة بلدها ويشعرها بقربه منها، وامتد هذا النتاج إلى معرضها الأول في الإمارات في «القمر جاليري».

عن سر تعلقها بالقمر تقول «إيكوكو»: القمر هو أحد التكوينات الجميلة والغامضة التي لعبت دوراً كبيراً في أساطير الشعوب الشرقية وشعوب العالم بصورة عامة، وكلما انتهى نهار جديد؛ أشعر بحاجتي لمشاهدة القمر للتأكد أني ما زلت على قيد الحياة، لأنه مصدر من مصادر التأمل في الحياة التي نعيشها ولا غنى لنا عنه.

وتستخدم «إيكوكو» تقنيات مختلفة في فن الرسم، فمنها ما هو كلاسيكي على سطح «الكونفاس» ومنها ما ينبع من المدرسة اليابانية التقليدية مع معالجات فنية حديثة، حيث القماش خليط من ورق الأرز والحرير الطبيعي، وتعتقد الفنانة أنها بمعالجاتها الفنية الحديثة للوحة من حيث التكنيك والأخلاط اللونية التي تدخل فيها عدة عناصر ـ هي إحدى تركيبات «إيكوكو» السرية ـ تقدم للعالم مفهوماً جديداً للفن الياباني المعاصر.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري