«هنا الفلوجة، نشرة أخبار الصباح، نظراً لوجود بعض الممارسات الأمنية في حي الجولان، ننصح السائقين المتوجهين إلى بغداد بسلوك الطريق المحاذية لمحطة تحلية المياه مروراً بالحي العسكري»، صوت نسائي ندي يتسرب من راديو «الفلوجة إف إم» الذي يغطي مساحة المدينة الناهضة من بحر الدم المتخثر على جدران بيوتاتها الوادعة، صوت لم يكن متخيلاً سماعه قبل سنة أو سنتين من الآن.
وبالنسبة للكثيرين فإن آخر ما يمكن أن تتخيله عندما يذكر اسم الفلوجة هو الموسيقى، بعد أن ارتبط اسم المدينة في السنوات الأخيرة بمقاومة الوجود الأميركي في العراق، ودارت فيها معارك طاحنة بين القوات الأميركية ومقاتلي تنظيم القاعدة كانت وبالاً على المدينة وسكانها، ومازالت ذكراها الأليمة شاخصة في أذهانهم.
لكن الفلوجة تنهض من بحر الدم وتؤسس لها محطة إف إم ودائرة بث تلفزيوني محلي يطلقون عليه هناك (تلفزيون الفلوجة الحرّة) يغطي مساحة المدينة وأطرافها بالكامل، حتى صار حديث الناس والزائرين على السواء، لدرجة أن مراسل مجلة «فاريتي» الشهيرة كتب يقول:«إنهم يبثون أغاني سيلين ديون على موجة إف إم قصيرة، ويذيعون أخبار الصباح، إنهم يملكون صوتاً نسائياً رخيماً».
وبالنسبة للأميركيين، فإن الفلوجة تعني المأساة، أو المصير الأسود لجنودهم الذين كتب أحدهم لصديقته ذات يوم، لقد جئنا نحمل الأمل لهؤلاء، لكنني خائف وأشعر بالبرد في الصحراء، فبعد بحر الدم الكبير لم أعد متأكداً من أننا نقوم بالعمل الصحيح، تلك الرسالة التي تلقفها كاتب الأغنيات والملحن الأميركي المعروف بيلي جويل (58 عاماً) ليستوحي منها أغنيته الشهيرة (عيد ميلاد في الفلوجة) أو «ميري كريسمس فروم فلوجة» التي مازالت تتناقلها مواقع الموسيقى والفيديو كليب في أميركا والعالم.
وقام بتأديتها أكثر من مغن، على الرغم من إنها أغنية أعياد ميلاد متهكمة بمرارة، وتدين الحرب الأميركية في العراق بطريقة ساخرة، وتذكر الشعب الأميركي في فورة احتفالاته بأعياد الميلاد بالحرب المتواصلة في العراق. مر الآن أكثر من شهرين على أعياد الميلاد، ولا أدري في الحقيقة فيما إذا كان العاملون في محطة الفلوجة الحرة، قد بثوا أغنية بيلي جويل تلك أم لا، أو فيما إذا كانوا قد سمعوا بها أم لا.
إلا أنني متأكد من صدق نواياهم، على الأقل لجهة إصرارهم على التواصل وسط عدم اهتمام الناس الذين عادوا من جديد إلى أعمالهم وبدأت المصابيح المتدلية تنير عربات الكباب الليلي في الشارع الرئيسي، وشيئاً فشيئاً صاروا يتقبلون حقيقة إذاعتهم الفتية، لا أدري أين سمعت أحدهم يقول إن المدن التي تغتصبها الحرب تتشبع بالود والألفة فيما بعد.
يقول عبد المجيد دحام، مدير راديو الفلوجة إف إم الذي يبث ست عشرة ساعة في اليوم: نعم، نحن نركز على مشكلات الناس وهمومهم في المدينة التي بدأت تتعافى الآن، نجتهد لنوصل البث إلى جميع أطراف المدينة البالغة مساحتها حوالي العشرين كيلومتراً مربعاً، ويعيش فيها حوالي أربعمئة ألف نسمة، لقد تسلموا بعض الأجهزة والتقنيات البسيطة من جهات داعمة ومتبرعة لتقوية البث، في حين يأملون بدعم أكبر من الحكومة لتطوير البرامج الثقافية وبرامج الأطفال.
يتكون كادر المحطة حالياً من 12 صحافياً بينهم أربع نساء، يضطلعون جميعهم بإنتاج برامج خدمية وترفيهية لسكان المدينة المنكوبة بإشراف مديرهم الشاب علي هادي، الذي يعتقد أنهم يحققون نجاحاً كبيراً وشعبية ملحوظة، سببها فهمهم الجديد للمشكلات التي يعاني منها الناس في المدينة وكيفية معالجتها.
يذكر أن أغنية «عيد ميلاد في الفلوجة» مولت بواسطة منظمة (بيوت لجيوشنا) التي تضطلع ببناء مساكن خاصّة لمعوقي الحرب في العراق من الجنود الأميركيين، وهي ليست المرة الأولى التي يكتب فيها جويل أغنية ضد الحرب، فقد سبق وكتب في العام 1983 أغنية «وداعاً سايغون» حول الحرب الأميركية في فيتنام، وأغنية «نحن لا نبدأ بإطلاق النار» عن الحرب الباردة التي كانت مستعرة بين الغرب والمعسكر الاشتراكي.
عيد ميلاد في الفلوجة
أغنية بيلي جويل المستوحاة من رسالة ذلك الجندي الساذج أو الطيب لا فرق كما يقول جويل نفسه، تقول كلماتها:
«إنه المساء في الصحراء
أنا متعب وأشعر بالبرد
إنني مجرد جندي ينفذ الأوامر
لقد قمنا بحملة صليبية من أجل أن نحمي الأرض المقدسة.. أرض النفط..
إنه عيد الميلاد في الفلوجة
لن نعود أبداً إلى ديارنا يا عزيزتي
لقد جئنا ليحظى هؤلاء الناس بالحريّة.. لكن ليس ثمة رب في الجحيم..
قالوا إن أسامة في جبال الباكستان يقبع عميقاً في كهف
لكننا رأيناه جلياً في بغداد
حيث بحر الدم الكبير المختلط ببحر النفط..
هنا بين دجلة والفرات ليس ثمة نهاية في الأفق
إنه عيد الميلاد في الفلوجة
«ميري كريسمس فروم فلوجة»
هللويا.. هللويا
أمستردام ـ محمد حياوي
