قدم المخرج الإماراتي حسن رجب خلال الليلتين الماضيتين عرضين لعمله المسرحي الأول للعام الحالي «علي جناح التبريزي» على مسرح ندوة الثقافة والفنون في دبي، وهو عمل كتبه المصري ألفريد فرج، وأعده الأديب محمد المر الذي اجتهد في نقل المادة النصية لغوياً إلى الصيغة المحلية، لذا يعتبر هذا العرض تجربة احتفالية فنية وفكرية خاصة تحمل توقيع المر ورجب.

وحضر العرض الذي تنتجه وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بالتعاون مع مجلس دبي الثقافي كل من الشيخ صقر بن راشد القاسمي ومعالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية وأحمد حميد الطاير رئيس مجلس أمناء برنامج الإمارات لتطوير الكوادر الوطنية وسعيد غباش وزير الاقتصاد الأسبق وحسين لوتاه مدير عام بلدية دبي بالوكالة ومحمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي وسلطان صقر السويدي عضو المجلس الوطني الاتحادي نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم وبلال البدور نائب المدير التنفيذي لوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع أمين السر العام للندوة وعبدالغفار حسين وعدد من كبار الشخصيات الإعلامية والفعاليات الثقافية ومهتمون بالشأنين الثقافي والمسرحي.

ويتسم الكاتب المسرحي ألفريد فرج بملامح التمرد والثورة في الأدب العربي، وكتاباته تتميز بأجواء السخرية السوداء، مبنية على أساس فكري متين. ويبدو أن السجن الذي تعرض له فرج لمدة خمس سنوات بتهمة سياسية أيام جمال عبد الناصر، قد قلبت رؤيته للحياة والواقع من أقصى الجدية إلى أقصى السخرية والتندر.. ودائما عندما تذكر مسرحية «علي جناح التبريزي وتابعه قفة» تقفز للأذهان نكسة يونيه التي كانت هزيمة قاسية للعرب، والتي تم تجسيدها بعدة صيغ في العمل الإبداعي العربي شعراً ومسرحا ورواية..

ويميل النقاد لتسمية «علي جناح التبريزي وتابعه قفة» كأحد أبرز تلك التجارب، قادت مؤلفها عام 1969 للاستعانة بقصة «معروف الاسكافي»، أحد أبطال قصص ألف ليلة وليلة، وهنا كان لا بد من ظهور بوادر التأثر بالكاتب والشاعر المسرحي الألماني برتولد بريخت في معالجته الدرامية لها، والذي سبق له وقدم «السيد بونتيلا وتابعه ماتي» في رؤية مقاربة اعتمدها فرج في نصه المقدم باسمه.

سخر فرج في نصه من علاقة السلطة مع الناس، ومع عملية الوهم التي تباع للناس كل يوم بطرق وأشكال مختلفة، دائماً هناك سلطة، ودائماً هناك فقر، ودائماً هناك قصص سوداء تحكى على لسان الناس وترويها السير الشعبية، وإذا آمنا براهنية العمل الإبداعي الذي يحاكي المستقبل، فلا شك أن الأديب محمد المر لم يقدم سرداً مجانياً أو رؤية فنية بقصد الفن، وهو يعيد قراءة وإنتاج نص ألفريد فرج الإشكالي، بل أراد أن يؤكد على أن عملية الوهم ما زالت موجودة وثمة الكثير ممن يبيع الوهم للناس..

وهنا قفز خيال الفنان وحضر حسن رجب مخرجاً بارعاً وقارئاً نوعياً لعمل المر الأول في المسرح. ونجزم أن رجب ما كان ليخوض غمار هذا العمل لو لم يكن على دراية واطلاع على تجربة بريخت في المسرح الاحتفالي، فقد وجد أن الفسحة الحقيقية في هذا النص هو خلق فرجة احتفالية قائمة على كسر الجدار الرابع الذي يفصل الجمهور فنيا عن الخشبة وجعل التواصل مباشرا بين الخشبة والصالة، وربما اختار رجب الطريقة الأوفر حظا في التعاطي من نص كهذا، إذا سعى المخرج لتحقيق الجانب الاحتفالي في هذه التجربة.

وهنا لا بد أن نشيد بخياره للممثلين الذين سيؤدون دور الشحادين ودور الجوقة، هذه الجوقة التي فقدت جدواها وأهميتها في المسرح العربي، يعيد رجب إحياءها بطريقة تعزز من قراءة النص وتدفع به للأمام ولجعل المشاهد متيقظا لما فعلته السلطة بالناس الفقراء، تراهم ينامون في الشوارع حيث لا طعام، لا حياة، لا أحلام لا حب..! كيف يعيش أولئك الناس، كان لا بد من مخلص حتى لو كان شخصاً يحمل مواصفات علي جناح التبريزي..!الذي أتيح له الدخول إلى أسرار عالم القصور والملوك واللعب على عقولهم وطمعهم، وهكذا ينجح علي جناح التبريزي بهذا وينعش آمال الفقراء بحياة أفضل.

المخرج اعتمد على لعبة تغيير الديكور تبعاً لتغير المكان وبما يوحي بانتقال الفضاء المسرحي، وعلى الرغم من تواضع الديكور وبساطته في نقل الفكرة عن تصور المكان، إلا أنه فعّل حضور القصر والسوق والسجن والبيت.. ولا ينقص رجب الخيال من أجل دعم التصور بالجملة الدرامية، وهو لا يرى الديكور كمحور أساسي محرك للتصور الإخراجي عنده، لأن رجب يلعب في المساحة الفارغة في الخشبة، إيماناً منه أن المسرح ممثل، لذا تراه يقيم اعتباراً هاماً لدور الممثل أولاً على خشبة المسرح أكثر من اعتبارات فنية أخرى.

ويميل حسن رجب إلى تحقيق إسقاطات فنية وكوميدية على عمله المسرحي من دون أن يشعر المشاهد أن هناك ازدحاماً بالكلام أو تجاوزات على مسار طريق العمل، يُفرح المشاهد ويشغله قليلا عن الحدث الأساسي الذي يعالجه، كفاصل ترفيهي ثم يعود به سريعا لمسار العمل، الأمر الذي جعله يتميز بين مخرجين الصف الأول إماراتيا وربما خليجياً مع أني أرى أن جرعة الكوميديا المستخدمة في هذا العمل كادت أن تخطفه باتجاهات المسرح الآخر، أو مسرح الأطفال في بعض الأماكن،الذي لا يتقبل نصاً عميقاً كهذا، إلا أن العمل مضى إلى بر الأمان بجهود المخرج والعاملين فيه.

العمل تجربة خاصة لفرقة جديدة، ويكتسب هذا العرض ثقلا آخر بحضور اسم الفنانة الكبيرة سميرة احمد مشرفة عامة عليه، ولا تقل اهمية العاملين خلف الكواليس بالعاملين على الخشبة، وثمة من يشير إلى تميز في أداء الممثلين، وهذا لمسناه حقاً على الخشبة، وربما تراني أميل للحديث أكثر عن تميز أدوار الشحاذين مثل احمد مال الله ومبارك خميس وعبد الله الباهيتي وعادل خميس وجمعه سالم والسادات احمد ويوسف الكعبي وناجي جمعة.

وهنا لا بد من الإشادة حقاً بجهود الفنانين الكبار عبد الله صالح وإبراهيم سالم وعادل إبراهيم ومنصور الفيلي، وثمة مساحات لافتة لحضور الفنانين علاء النعيمي وأمل محمد، ومن بين هؤلاء سعدت بمشاهدة الشاب حسن يوسف وهو يؤدي السهل الممتنع لدور «علي جناح التبريزي» الذي أداه بثقة واتزان ولحميد فارس على إطلالته الخاصة بدور«قفة».

أبطال العرض

يشارك في مسرحية «علي جناح التبريزي» كل من: حسن يوسف «علي جناح»، وحميد فارس «قفه»، وإبراهيم سالم «صواب»، وعبدالله صالح «الملك»، ومنصور الفيلي «الوزير»، وأمل محمد «الأميرة»، وموزة اسماعيل «الجارية»، وعادل إبراهيم «صاحب الخان»، «وعلاء النعيمي «الشهبندر»، وعبدالله يوسف «التاجر»، وعبد الرحمن الزرعوني «المالك»، وسعيد عبد العزيز «الجلاد»، وسعود عبد الرحيم «أحد العامة»، ومايد الصوري وحمدان خليل «الحارسان». الديكور لمحمد الغص والإضاءة لمحمد جمال، والماكياج لياسر سيف، والملابس لمريم غباش، والإنتاج لمحمد حاجي.

6 عروض

تقدم ستة عروض أخرى من مسرحية «علي جناح التبريزي» في مدن الدولة المختلفة، حيث تعرض خلال فعاليات ايام الشارقة المسرحية التي تبدا في 17 مارس المقبل، إلى جانب عرضها في مختلف إمارات الدولة في أبوظبي والعين والمنطقة الغربية ورأس الخيمة، إضافة إلى إمكانية عرضها على مسارح الجامعات.

حكاية التبريزي

أضاع علي جناح التبريزي أمواله، وقرر أن يهرب من بغداد إلى مملكة أخرى ليبدأ منها قصته مع تابعه «قفه»، حيث يتفقان على ترويج شائعة بأن مخدومه تاجر كبير وينتظر قافلة محملة بالأموال والمجوهرات، فيصدق تجار المملكة الحيلة ويعطون التبريزي أموالهم، ويسكنونه بيوتهم على أمل ان يعطيهم من خيرات القافلة المنتظر قدومها، حتى يصل الخبر إلى الملك الذي يقابل «علي جناح» ويصدق حكاية القافلة.

فيمنحه مفتاح الخزانة العامة للمملكة ويستولى التبريزي على الأموال ويتزوج ابنة الملك التي تقع في حبه، وعندما يختلف «قفه» مع مولاه ومخدومه، يكشف عن حيلته وكذبه للملك والتجار ليقرروا حبسه، قبل أن ينقذه من أسر السجن بحيلة أخرى، حين يتنكر في زي رئيس القافلة المنتظرة ليوهم الملك والتجار بأن القافلة على وشك الوصول، وأنه يحتاج إلى «علي جناح» ليعجل من قدوم القافلة. ويصدقه الملك وينجح الاثنان ومعهما الأميرة في الهروب من المملكة ومن الأسر.

دبي ـ جمال آدم