ينقسم المحللون الاقتصاديون حاليا حول الوضع الاقتصادي لأميركا. فهل هي مقبلة على كساد اقتصادي سوف يسبب ضربة قوية للاقتصاد العالمي؟ ام ان هذا وهم بسبب عوامل ثانوية بعيدة عن المؤشرات الاقتصادية الرئيسة؟ لكن هنالك اتفاق على شيء واحد وهو أن الطاقة باتت تشكل محور الأزمة.

ويقول محللون ان الولايات المتحدة هي السبب الرئيس وراء المشكلات المالية في العالم واعتقد الكثيرون منهم ان تلك هي مجرد بداية الأزمة. والبورصات العالمية في فوضى والكساد الاقتصادي الأميركي يكيل ضربة قوية للاقتصاد العالمي. لكن الاقتصاد العالمي بخير ويسجل نموا ليس سيئا، وفق ما تقوله صحيفة «البرافدا» الروسية.

ولذلك هناك محللون آخرون يعتقدون ان تلك مجرد مزحة ويضحكون من الذين يشعرون بالفزع. ويعتقد هؤلاء انه ليس هناك أي كساد اقتصادي في أميركا. غير أنهم يعتقدون أيضا ان هناك جانبا ايجابيا في هذا الفزع. ومن تلك الايجابيات ان أفضل الأسهم متاحة الآن في الأسواق بأقل الأسعار وهذا لا يحدث كثيرا.

وقال تقرير لوكالة الاسوشيتد برس ان الاقتصاد الأميركي سجل نموا بنسبة 9 .3 % في الصيف الماضي وهو أعلى معدل نمو منذ عامين ونصف العام رغم الأثر السام لازمة الائتمان العالمية(الأميركية في الأساس). واعتمدت الوكالة على البيانات الاقتصادية التي تشير إلى ان الاقتصاد الأميركي يبدي مرونة غير عادية وانه يمتص بنجاح آثار أزمة أسعار المنازل والرهن العقاري، التي تفاقمت في الربع الثالث من العام الماضي وهزت شارع وول ستريت.

ويشعر المستثمر الأميركي الناجح جاك ميللر بان هذا أمر مؤكد ويحصل على أرباح عالية من تذبذب الأسواق ويتذكر فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في تاريخ أميركا.

فقد عانت الولايات المتحدة خلال ربع القرن الماضي من 11 أزمة اقتصادية تسمى الكساد. ونتجت تلك الأزمات عن عوامل هامة وكانت عواقبها أكثر خطورة مما يحدث الآن.

ونتج كساد العام 1945 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ولم يستفد منه إلا الصناعة الأميركية. وانتهت الحرب وأصبح الجنود السابقون بدون وظائف. ثم عانى الاقتصاد الأميركي من الحرب الباردة وحربي فيتنام وكوريا اللتين كانت خرابا عليه.

وسبب ارتفاع أسعار النفط أزمات اقتصادية في أميركا في 1973 ـ 1974 وأيضا في 1979 ـ1980 ثم في 1981-1982. وارتبطت أزمة 19901991 بأزمة الاستثمار أو بمعنى أخر بسبب الآمال غير المبررة للمستثمرين.

تشمل ظواهر الكساد ارتفاع معدل البطالة وانخفاض الانتاج. والأزمة السابقة بين القرنين ( السابق والحالي) تميزت بانخفاض الانتاج بنسبة 6%. ويوضح الوضع الحالي ان الانتاج في الربع الأخير من العام الماضي ارتفع بنسبة 2% ولم ينخفض على الإطلاق.

ويلفت جاك ميللر الانتباه الى ارتفاع معدل البطالة. وسبب ارتفاع معدل البطالة بنهاية العام الماضي تراجعا في أسواق الأسهم قبل أعياد الميلاد وبداية العام الجديد. غير ان الجميع نسوا ان متوسط معدل البطالة في الأعوام الخمسين الماضية كان 6 .5% وخلال الأزمة ارتفع إلى 6 .7% على أقصى تقدير. فأين هو الكساد الذي يهدد الاقتصاد الأميركي؟

ويعتبر البعض ان هذا ليس كسادا كما يقول جاك ميللر الذي ينظر إلى المعدلات الأساسية مثل الارتفاع في معدل أداء النقل الجوي ويعتبره المؤشر الرئيس على النشاط الاقتصادي والاستهلاكي.

ويقول الخبراء ان توقعات انخفاض التكلفة الاستهلاكية هو العامل الأساسي في الكساد المقبل، إذا كان هناك أي كساد. ويشبه ذلك القول بان تزايد الاتجاه إلى الحمية الغذائية سوف يرفع متوسط فقدان الوزن عند الأميركيين كما يقول ميللر.

وترتفع الدخول مع ارتفاع معدل التوظيف. ويمكن ان نعول على ذلك بسبب ارتفاع الانتاج الصناعي.

ويربط ميللر التقلبات الحالية في البورصات العالمية مع الدورات الاقتصادية العادية. فالاقتصاد الصيني المحموم ونمو اقتصاد الدول المصدرة للبترول يهدأ ويتراجع، مما يعني اننا على وشك ان نقابل دورة ارتفاع أخرى. ويوصي جاك ميللر بشراء الأسهم الرخيصة الآن لان أسعارها سوف ترتفع قريبا.

والحقيقة يبدو ان أميركا تستفيد من هذا الكساد «الذي لم يحدث ابدا». وقال الجميع ان المؤشرات الاقتصادية الأساسية ترتفع. كما ان بنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي) الأميركي خفض سعر الفائدة إلى 5 .3% واكتسب موافقة عالمية غير عادية على ذلك. وقد يخفض الفائدة إلى 2 ـ 25 .2% وبالتالي يعطي الشركات الأميركية والمستهلكين في نفس الوقت قروضا رخيصة جدا.

وفضلا عن ذلك فان هذا التخفيض في الفائدة ينتج عنه انخفاض في سعر الدولار وبالتالي يعطي ميزة كبيرة للشركات المصدرة لمنتجاتها للخارج. والشركات الأميركية التي تعتمد على التصدير تسجل بالفعل أرباحا الآن. وبفضل انخفاض سعر الدولار فان الاقتصاد الأميركي استطاع أولا البدء في خفض العجز في الميزان التجاري ولابد ان نذكر أنه كان من الصعب على أميركا ان تعوض العجز في ميزان التجارة الخارجية دون حدوث ذلك، وثانيا رفع حجم الصادرات.

وتؤدي كل الأسباب إلى الاعتقاد بان أميركا سوف تتغلب على تلك الأزمة الاقتصادية الحالية أو ما يسمونه الكساد وسوف تصبح أقوى مما كانت عليه.

والسبب الرئيسي وراء الاعتقاد بان أميركا مقبلة على مرحلة من الكساد هو تراجع سوق المنازل وانخفاض أسعارها وبالتالي ما نتج عنه من أزمة الائتمان العالمية. غير انه على الأقل تبدو أميركا مقبلة على معاناة من خسائر هي اقل من بقية أجزاء العالم الأخرى.

ترجمة أشرف رفيق