عندما نقلت مؤخرا وسائل الإعلام عن حجة الله غانمي فرض مدير الشؤون الدولية في شركة النفط الوطنية الإيرانية قوله بأن إيران تنوي خصخصة 47 شركة عاملة في قطاع الطاقة قيمتها 90 مليار دولار وتأسيس شركة قابضة لهذه الأصول التي ستدرجها للتداول في أربع بورصات عالمية من بينها بورصتين في دولتين مجاورتين، لم يبذل بعض المحللين الكثير من العناء ليوجهوا تفكيرهم صوب أسواق المال في الإمارات، بوصفها المنصة الأفضل لتدعيم برنامج الخصخصة الإيراني، وذلك على الرغم من عدم توافر أية معلومات تؤكد صواب هذا المنحى التكهني.
بيد أن هذا المثال يبين بجلاء مدى أهمية الإمارات في معادلة العلاقات الاقتصادية والتجارية والإيرانية، ويؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن عاملي الجغرافيا والتاريخ دائما ما كان لهما السطوة في تقرير صيرورة العلاقات بين الدول، كما أن هذا المنحى التفكيري يدلل على أنه إذا كانت الإمارات قد لعبت دور الرئة التي تتنفس منها إيران عليل هواء العولمة الاقتصادية والتي جعلت الاندماج في نسيج الاقتصاد العالمي الخيار الوحيد المتاح لكافة الدول بمختلف مشاربها وقوالبها الأيديولوجية والسياسية. فأنه من المقدر أن يتألق دور الإمارات مع تحرك الأجندة الاقتصادية الإيرانية نحو تطوير أسواق المال فيها، وتحرك برنامج الخصخصة نحو إعطاء دور أكبر للقطاع، واتجاه النخبة الإيرانية نحو إكساب نظامها المصرفي المزيد من الكفاءة والحرفية، وتبني برامج تهدف إلى تطوير عمل بورصة إيران للأسهم.
ساحة آمنة لرؤوس الأموال الإيرانية
رغم أن بعض المحللين وصفوا دور الإمارات الاقتصادي بالنسبة لإيران بأنه أشبه ما يكون بدور هونج كونج بالنسبة للصين الشيوعية، إلا أن مثل هذا التوصيف يعاب عليه ـ من وجهة نظر البعض ـ الإفراط في التبسيط بعقد مقارنة بين حالتين من الصعب المقارنة بينهما.
حيث مثلت الإمارات على مدار عقود عديدة الساحة المثلي والآمنة لرؤوس الأموال الإيرانية، وانتعشت التدفقات التجارية والاستثمارية بين الشعبين، وكانا عاملا الجغرافيا والتاريخ من القوة بمكان بحيث مثلا الحصانة والمناعة التي حمت الأواصر القوية بين الشعبين من كثافة تلبد الغيوم السياسية التي تحجب في بعض الأحيان رؤية الواقع بمدلولاته وتعبيراته الحقيقية.
وتجميع شظايا المعلومات من هناك وهناك حول التفاعلات الاقتصادية والتجارية والمالية بين الشعبين، من شأنه أن يظهر بجلاء شغل الإمارات مكانة القلب في علاقات إيران الاقتصادية الخارجية، وشغلها كذلك موقع الرئة في الحفاظ على سلامة وعافية الجسد الإيراني.
وهو ما يقر به بعض المسؤولين الإيرانيين، من بينهم، الدكتور محمد حسين عدلي المحافظ السابق لمصرف إيران المركزي والرئيس الحالي لمعهد رواند للدراسات الاقتصادية والدولية في إيران، فمن بين ما صرح به في اكتو بر 2007، إشارته إلى أنه مع وجود شبكة واسعة من الروابط المالية التي جرى تطويرها على مدار العقود الماضية، فان الشركات مشغولة بوضع بدائل أكثر يسرا وعملية لصفقاتها المالية.
وتعتبر البنوك في دبي تقليديا واحدة من هذه البدائل، ولكنها ليست الخيار الوحيد، ففي هذه الأيام، تبدي بعض الدول خاصة في الشرق ولدرجة معينة في الغرب الرغبة في التعاون، وذلك مع الأخذ في الحسبان ضخامة الصفقات الإيرانية وربحيتها.
قوة العلاقات التجارية
وتحفل صورة التفاعلات التجارية والاقتصادية بين الشعبين الإماراتي والإيراني بالكثير من المؤشرات التي تبرهن على قوتها و صلادتها في مواجهة الأنواء والعواصف السياسية العاتية.
أولا : تنظيم منتديات ومؤتمرات لتعظيم الروابط بين رجال الأعمال الإماراتيين ونظرائهم الإيرانيين، من بينها، تنظيم مؤتمر فرص الاستثمار بين الإمارات وإيران في أكتوبر 2007 تحت رعاية معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة الاقتصاد آنذاك بحضور عدد كبير من المستثمرين ورجال الأعمال من البلدين.
وتخدم مثل هذه المؤتمرات في تأسيس روابط شخصية من شأنها أن تعين على نسج علاقات مشاركة بين الجانبين في ملاحقة ومتابعة فرص الأعمال، والمضي قدما في تنفيذ المشروعات المشتركة وقد وافق الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد خلال زيارته الأخيرة للدولة على الاقتراح الذي تقدم به ناصر هاشم بور نائب رئيس مجلس العمل الإيراني في دبي.
والذي دعا من خلاله إلى تشكيل لجنة تحت إشراف ومراقبة مباشرة من قبل الرئيس الإيراني شخصيا تهدف إلى حل المشكلات والمصاعب التي قد يواجهها رجال الأعمال والشركات الإيرانية العاملة في القطاع الخاص وخاصة في قطاع الاستيراد والتصدير وفي قطاع الأعمال بشكل عام، كما ستعمل اللجنة المزمع تأسيسها على تشجيع المستثمرين من منطقة الخليج عن البحث عن فرص الاستثمار المتاحة في إيران في مختلف قطاعاتها وخاصة المستثمرين من دولة الإمارات.
ثانيا: تعتبر الإمارات العربية المتحدة أول شريك تجاري لطهران، وبحسب أرقام السفارة الإيرانية، فان التبادل التجاري بين البلدين بلغت قيمته 7, 11 مليار دولار في السنة المالية التي انتهت في مارس 2007 بينها صادرات من الإمارات إلى إيران بلغا قيمتها 2 ,9 مليارات دولار.
وتتوقع السفارة أن يصل حجم التبادل إلى 14 مليار دولار في السنة المالية التي تنتهي في مارس المقبل، وتشمل قائمة الواردات الإيرانية التجهيزات الثقيلة، الآلات والهواتف النقالة، وقطع السيارات وأنظمة الاتصال، وتؤكد هذه التوقعات أرقاما إماراتية، فاستنادا إلى غرفة تجارة وصناعة دبي فان إيران كانت السوق الأكبر لأعضائها السنة الماضية، إذ بلغت قيمة الصادرات غير النفطية حوالي 8, 9 مليارات.
ثالثا: تدير آلاف الشركات الإيرانية أعمالها في الإمارات - بحسب أقوال ناصر هاشم بور نائب رئيس مجلس الأعمال الإيراني في دبي - على نحو سلس، حيث لا تواجه هذه الشركات أية مشكلات، بحكم كونها تعتبر في المحك النهائي شركات إماراتية، نظرا لأن القوانين الداخلية تحتم تملك 51% من أسهم أي شركة لشريك إماراتي، وينطبق الأمر ذاته على الشركات المملوكة بالكامل من قبل إيرانيين والعاملة في إطار المناطق الحرة، حيث إنها تعد شركات مسجلة في المناطق الحرة وكفيلها هي المناطق الحرة نفسها.
رابعا تدفقت الاستثمارات الإيرانية إلى دبي والإمارات بشكل عام باعتبارها ملاذا آمنا لهذه الاستثمارات، كما أنها تتمتع بقاعدة اقتصادية متنوعة، بالإضافة إلى القرب الجغرافي وتتنوع الاستثمارات بين الشركات التجارية والصناعية كما تمتد لسوقي الأسهم والعقارات.
وكان تقرير حديث لمجموعة شعاع كابيتال قد أكد أن حوالي 50% من مشتري الوحدات السكنية في دبي يتمركزون في إيران ودول الكومنولث مقابل 20% لدول مجلس التعاون الخليجي و15% لبريطانيا والهند وباكستان و15% لبقية الجنسيات،ويؤكد هاشم بور أن الموجودات التراكمية للإيرانيين في الإمارات تقدر بأكثر من 300 مليار دولار.
منصة مثلى
وبالعودة مجددا إلى تصريحات حجة الله غانمي فرض مدير الشؤون الدولية في شركة النفط الوطنية الإيرانية التي ذكر فيها أن البورصة الإيرانية ربما تحتاج إلى نوع من الدعم ماليا من بورصات أسهم خارجية خاصة في قطاع الطاقة لان حجم الأموال ضخم جدا بالنسبة لإيران، تطفوا على السطح التوقعات التي ترى في أسواق المال في الإمارات المنصة المثلى القادرة على تقديم مثل هذا الدعم، ومن ثم.
كما خدمت المناطق الحرة في توفير ساحة آمنة لتدفقات رؤوس الأموال الإيرانية، فأن الإمارات تمكنت في غضون فترة زمنية وجيزة من البروز على الخريطة العالمية كمركز مالي عالمي، وذلك على النحو الذي يبشر به مركز دبي المالي العالمي وبورصته العالمية.
وتضع هذه المؤسسات في صدارة رسالتها العالمية خدمة التنمية الاقتصادية على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وذلك من خلال توفير ساحة تداول تتميز بالشفافية، وأطر تنظيمية وتشريعية تضارع تلك الموجودة في أعرق مراكز المال في العالم، فضلا عن توفيرها منصة مثالية لتعبئة رؤوس الأموال، وهو ما يجعل منها الساحة الأمثل لتنفيذ برامج الخصخصة على مستوي منطقة الشرق الأوسط.
وإذا كان بإمكان كافة الدول على مختلف مشاربها الاستفادة من الدور العالمي الذي تنهض به أسواق المال في الدولة، فإن مثل هذا الأمر ينسحب على إيران، وعلى الرغم من عدم توافر معلومات تؤكد أن هذا المجال للتعاون مطروحا على أجندة العلاقات التجارية والاقتصادية بين الدولتين، وعلى الرغم من ندرة التحليلات المحايدة عن الأوضاع الاقتصادية في داخل إيران.
حيث غالبا ما تكون النظرة إلى هذه الأوضاع تشوبها الكثير من أوجه التحيز، فإن مثل هذه التحليلات تبين بجلاء حاجة النخبة الإيرانية إلى المساعدة، وذلك على النحو الذي أشار إليه حجة الله غانمي فرض مدير الشؤون الدولية في شركة النفط الوطنية الإيرانية.
وضع أسس أكثر كفاءة
فقد توصلت الحكومة الإيرانية ـ بحسب تقرير صادر عن مؤسسة «بيزنيس إنتليجنيس ميدل إيست» بتاريخ 10 فبراير 2007، إلى القناعة بضرورة العمل على وضع أسس أكثر كفاءة وفاعلية في إدارة الوضع الاقتصادي، وذلك في ظل مواجهتها العديد من الصعوبات الاقتصادية الناجمة بشكل أساسي عن الآثار المدمرة للحرب الإيرانية العراقية ( 1980 ـ 1988 ) والعقوبات الاقتصادية المتنوعة التي تعرضت لها.
حيث إنه قبل الثورة الإسلامية في عام 1979، كانت جميع البنوك الرئيسية والبالغ عددها 15 مصرفا مملوكة من جانب مؤسسات خاصة، بما في ذلك البنك الوطني الإيراني وبنك سيباه، وكجزء من خطة اقتصادية، قام النظام الثوري بمصادرة كافة المشروعات الضخمة، بما في ذلك المصارف الخاصة، ثم عادت هذه المصارف إلى الظهور مجددا على هيئة حفنة قليلة من المصارف الضخمة التي تدار بواسطة الحكومة،.
كما جرى حظر عمل البنوك الأجنبية، وكان من المتعين على البنوك الالتزام بالحظر المفروض على التعاملات الربويه والتي تم تقنينها في القانون المصرفي غير الربوي في عام 1983، وبموجب هذا القانون، ترتبط نظريا الفوائد على الودائع بأرباح البنوك، ولكن أصبحت معدلات العائد ثابتة،.
حيث لم يخسر المودعون مدخراتهم نتيجة تكبد البنوك خسائر، كما لم يتلقوا عوائد أعلى من معدلات الأرباح المنصوص عليها مسبقا. ولنفس السبب ـ وبحسب ما ورد في التقرير المذكور ـ فقد القطاع الخاص الإيراني الحق في تأسيس البنوك، وظل هذا القانون ساري المفعول حتى عامين مضيا،.
وذلك على الرغم من إطلاق خطة التحرر الاقتصادي في النصف الثاني من عقد التسعينات، بيد أنه في ظل تفاقم ضغوط الأوضاع الاقتصادية، والعجز الواضح للقطاع العام في إدارة المؤسسات المالية، وعدم كفاءة البنوك العامة، في ظل هذه الأوضاع مجتمعة، كان من المتعين على النخبة الإيرانية قبول حيز معين للأنشطة المصرفية الخاصة، وكنتيجة لهذه الأوضاع، أجاز المصرف المركزي تأسيس عدد قليل من المؤسسات المالية التي تؤدي بعض الوظائف المصرفية، خاصة على هيئة شركات مدخرات على مستوى المدن.
إطلاق برامج خصخصة
وقد مهد مجلس تشخيص مصلحة النظام الطريق في أكتوبر 2004 لإطلاق برامج خصخصة رئيسية في الدولة الإسلامية بطرح نهج تدريجي في بيع أصول الدولة، وقرر مجلس صيانة الدستور إلغاء المادتين 43 و44 من الدستور.
ويسمح القرار لكل الصناعات الأساسية وقطاعات الخدمات والصناعة- عدا صناعات النفط والغاز- بالتحول إلى القطاع الخاص. ويتوقع أن يتم قريباً فتح قطاعات التجارة الخارجية والمصارف التأمين والاتصالات والخدمات البريدية والسكك الحديدية والخطوط الجوية والنقل البحري أمام القطاع الخاص وذلك بهدف ترميم الوضع الاقتصادي،.
وتعرض هذا التحرك لانتقادات من الذين اعتبروه بمثابة تهديد لسيادة الدولة، وعلى أية حال، وبعد عام من المناوشات والجدل، أكد نائب زير الاقتصاد والشؤون المالية مهدي كارباسيان حينذاك قرار الحكومة بخصخصة كافة البنوك الإيرانية باستثناء البنك الوطني الإيراني(بنك ملي إيران )، وقال ماجد أنصاري عضو تشخيص مصلحة النظام آنذاك إننا نقترح التخلي عن حد أقصى نسبته 20 في المئة سنويا من كل كيان حكومي كبير على مدى السنوات الخمس القادمة، واقترح المجلس كذلك أن تحتفظ الحكومة بملكية حصة مؤثرة من الأسهم في البنوك التابعة للدولة.
وقال مرتضى نبوي عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام: نحن نريد الاحتفاظ على الأقل بنسبة تبلغ 35 % من أسهم البنوك التي يجري خصخصتها، وبالتالي، يكون في مقدور الدولة تطبيق سيطرتها على هذا القطاع، وقال محللون إن عدم كفاءة النظام المملوك للدولة يمثل سدادة أمام تطور وازدهار الاقتصاد الإيراني،.
وقد وافق المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي صاحب الكلمة النهائية في إيران على بعض السيطرة من القطاع الخاص ولكنه قال إن الأسلوب الرأسمالي في الخصخصة خارج مجال المناقشة، وقال لصحيفة رسالات الإيرانية اليومية أنه من الخطأ أن تحتفظ الدولة في يدها بكل شيء، ولكن يجب تنفيذ الخصخصة على نحو يكفل الحفاظ على إشراف وسيادة الدولة.
خصخصة قطاعات رئيسية
وفي تحرك ربما يؤشر على مضي برنامج الخصخصة قدما إلى الأمام، أعطي مجمع تشخيص مصلحة النظام الضوء الأخضر لخصخصة قطاعات أخرى رئيسية بما في ذلك المصارف، حيث يسمح المرسوم بخصخصة قطاعات المتعلقة بتكرير وتسويق وتوزيع النفط والغاز والمناجم والتأمين والاتصالات التليفونية والسكك الحديدية وخطوط الطيران وأنشطة الشحن.
وعلى الصعيد ذاته، تواجه البنوك الإيرانية ـ بناء على ما ورد في التقرير ـ العديد من أوجه القصور المالية، بالإضافة إلى تشغيلها أعدادا ضخمة من العاملين حيث يتجاوز عدد العاملين 15 ألف شخص في كل بنك، كما أن الكثير من هذه البنوك يسجل خسائر على مدى فترة طويلة، كما تعاني البنوك من ضخامة الديون الرديئة التي منحوها للعديد من الشركات والمؤسسات المملوكة للدولة، وذلك بسبب الإفلاس ونقص الأموال.
وهؤلاء الذين تقاضوا القروض أما أنهم غير قادرين أو غير راغبين على دفع ديونهم بسبب إفلاسهم أو نقص الأموال لديهم، فضلا عن وجود الكثير من القيود على حركة رأسمال داخل إيران أو بين الأخيرة والدول الأخرى، إلى جانب القيود على تداول العملات الأجنبية بما يعوق إتمام الصفقات المصرفية.
وعلاوة على تسريع خصخصة المشروعات العامة المتوسطة والصغيرة والتي بدأت في مطلع عقد التسعينيات على نطاق محدود، حققت الحكومة الإيرانية نجاحا في عدة مجالات، وتشمل، استقرار سعر صرف الريال الإيراني ، وإزالة تعدد أسعار الصرف وزيادة احتياطيات إيران من العملة الأجنبية..
وخفض الديون الأجنبية إلى حوالي 5, 6 مليارات دولار، وفيما ظلت إيران بعيدة عن تحقيق الوضع الأمثل، فإن إنجاز درجة من الاستقرار المالي كان عاملا محفزا على استقطابها تحويلات لأموال إيرانية في الولايات المتحدة بلغت قيمتها 7 مليارات دولار، وذلك على الرغم من تصاعد القلق بشأن مدى آمان الأصول المالية للشرق الأوسط، في الولايات المتحدة وأوربا بعد أحداث 11 سبتمبر.
وسيعتمد الانخراط الكبير من قبل القطاع الخاص على مدى استعداد الدولة لتخفيف سيطرتها على العملية الإنتاجية بشكل عام، كما أنه من المحتمل أن تكون عملية خصخصة صناعة التأمين أكثر سرعة من خصخصة القطاع المصرفي، بالنظر إلى أنها أقل حساسية، وذلك بالرغم من يؤدي القلق السائد في أوساط المحافظين بشأن السيطرة الأجنبية على مقدرات الاقتصاد المحلي إلى تقييد وتيرة ونطاق الإصلاحات.
وفي بيئة اقتصادية على هذه الشاكلة،اتخذت الحكومة الإيرانية قرارها بخصخصة القطاع المصرفي، ومن المحتمل أن العقبة الأخيرة التي تحول دون تنفيذ خطة الخصخصة هو تقرير الطريقة التي يتم بها نقل أصول القطاع المصرفي من أيدي الدولة إلى القطاع الخاص، وفي ظل الظروف الراهنة، يجوز للبنوك الأجنبية أن تعمل في المناطق الحرة فقط، ولكنها بإمكانها الاحتفاظ بمكاتب تمثيلية في الأراضي الإيرانية.
ورغم عدم وجود ما يؤكد سلامة وصواب هذه التقييمات، إلا أن تأكيد حجة الله غانمي فرض مدير الشؤون الدولية في شركة النفط الوطنية الإيرانية على حاجة إيران للمساعدة، ومن ثم، يتجه سوق المال في إيران نحو الانفتاح على العالم الخارجي، ومن المتوقع أن يلعب القطاع الخاص دورا أكبر مع خصخصة أصول عامة تصل قيمتها إلى 350 مليار دولار، وذلك بحسب أقوال محمد حسين عدلي المحافظ السابق للمصرف المركزي في إيران.
وقال الدكتور عدلي الذي يرأس الآن معهد رواند للدراسات الاقتصادية والدولية في إيران أن القطاع المالي شرع في الانفتاح التدريجي على العالم، وذلك من خلال السماح بتأسيس البنوك الخاصة والسماح للبنوك الأجنبية بالعمل في إيران، ووضع خطة لخصخصة بعض البنوك العامة والسماح للمستثمرين الأجانب بالاستثمار في بورصة طهران للأسهم،.
وتشير هذه الإجراءات إلى تصميم القطاع المالي على مواصلة مسار الانفتاح على العالم الخارجي، ومع الأخذ في الاعتبار امتلاك إيران احتياطيات نقد أجنبي تتجاوز 30 مليار دولار، وحجم تجارة خارجية يصل إلى 150 مليار دولار، فأن هذا معناه أن هناك روابط قوية بين القطاع المالي في إيران والمؤسسات المالية الدولية.
وبالنسبة لدور القطاع الخاص، فأن تقاليد وروح العمل الخاص ما زالت قوية في إيران، ورغم تراجع أنشطة القطاع الخاص بفعل سنوات الحرب الإيرانية العراقية، من المقدر أن تستغرق هذه العملية عدة سنوات حتى تكتمل، وقلل عدلي من تأثير العقوبات على العمليات المالية بقوله أنه مع وجود شبكة واسعة من الروابط المالية التي جرى تطويرها على مدار العقود الماضية.
فان الشركات مشغولة بوضع بدائل أكثر يسرا وعملية لصفقاتها المالية، وتعتبر البنوك في دبي تقليديا واحدة من هذه البدائل ولكنها ليست الخيار الوحيد، ففي هذه الأيام، بعض الدول خاصة في الشرق ولدرجة معينة في الغرب ما زالت تبدي رغبة للتعاون، مع الأخذ في الحسبان ضخامة الصفقات الإيرانية وربحيتها.
وربما تؤشر هذه الأقوال الصادرة عن المسئولين الإيرانيين على منحى جديد للعلاقات الاقتصادية بين الإمارات وإيران، وكما عملت الأمارات على مدار عقود كساحة آمنة لتدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات الإيرانية، فأنها أضحت الآن تمتلك الآليات التي تعين دول المنطقة على النفاذ السلس والشفاف إلى السيولة على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
وتمتلك كذلك المنصة التي تعين على التنفيذ الناجع لبرامج الخصخصة والانفتاح الاقتصادي، وربما هذا ما تحتاجه إيران في المرحلة الحالية لإضفاء المزيد من الحيوية والديناميكية على أوضاعها الاقتصادية والمالية.
ازدهار بورصة طهران
وقد ازدهرت بورصة طهران خلال السنوات الأخيرة، ولكن ما زالت تخضع لسيطرة الدولة ـ بناء على تقرير بيزنيس إنتليجنيس ميدل إيست ـ سواء من ناحية المستثمرين أو الشركات المدرجة، كما أن الاستثمارات الأجنبية محدودة.
ويتسم الطلب على الخدمات المصرفية الاستثمارية بالمحدودية، ومع ذلك، تحصل شريحة مؤثرة من المجتمع الإيراني على دخول عالية نسبيا والتي ينهض عليها التصاعد في الطلب على الخدمات المالية للأفراد.
وتنحو الخصخصة عن طريق البورصة حتى الآن نحو بيع المشروعات المملوكة للدولة إلى فواعل الدولة الأخرى،فهناك نقص كبير في الشركات الخاصة المستقلة التي بإمكانها الاستفادة من استخدام البورصة في رفع رأسمالها، كما أنه لا يوجد سوق لسندات الشركات.
ومن المتوقع أن يتصاعد الطلب على الخبرة الاستثمارية المصرفية الدولية في مجال تمويل المشروعات، وقد تحولت الدولة نحو إتباع أسلوب البناء والنقل والتشغيل ( BOT) والأساليب المماثلة كما أن إيران تسعي إلى تنويع عائدات صادراتها من خلال تطوير قطاع البتروكيماويات والتسويق الدولي لاحتياطيات إيران من الغاز الطبيعي.
كما ستواصل السلطات المضي قدما نحو إصلاح وضع البورصة الإيرانية سواء من حيث الأطر التنظيمية والتشريعية الحاكمة لعملياتها أو من ناحية بنيتها التحتية، كما ستواصل الحكومة قيد الشركات المملوكة لها، وهو من شأنه أن يسهم في تعميق سوق المال، ومع ذلك، ستظل البورصة تعكس سيطرة الدولة على المدى المتوسط، عاكسة بذلك الوضع الاقتصادي بشكل عام، سواء من الاستثمارات أو من ناحية ملكية الأسهم المتداولة فيها.
الغاز الإيراني على مائدة التفاوض
تدور مفاوضات بين شركة نفط الهلال وإيران حول توريد الغاز الطبيعي من حقل سلمان الإيراني، ويعود تاريخ إبرام العقد بين شركة نفط الهلال وشركة النفط الوطنية الإيرانية إلى عام 2001، وهو عقد بعيد المدى ويمثل التزاماً دولياً وبموجبه تقوم إيران بتصدير أكثر من 14 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً وذلك اعتباراً من عام 2005.
وكشف مكاظم وزيري هامانة وزير النفط الإيراني مؤخراً عن استمرار المباحثات مع شركة نفط الهلال لتعديل العقد بين الجانبين، ولكنهما ـ وبحسب قوله ـ لم يتوصلا إلى اتفاق محدد.
وفي السياق ذاته، نقلت وكالة رويترز في أكتوبر الماضي عن مسئول في شركة دانة غاز قوله ان الشركة ربما تبدأ تسلم الغاز الطبيعي الإيراني قبل ابريل 2007 بعد تأجيل لما يزيد على عام. وأحجم المسئول الذي رفض نشر اسمه عن ذكر مزيد من التفاصيل عن السعر واكتفى بقوله انه ليس السبب الرئيسي لتأجيل المشروع، بل ان التأجيل ناجم عن عدم استكمال بناء منصة إنتاج الغاز التي كان مقرراً أن ينتهي العمل بها في سبتمبر 2005.
وذكر المسئول انه تم الانتهاء من بناء المنصة بنسبة 85 بالمئة وأنها ستنقل لحقل سلمان للنفط والغاز في الخليج في غضون شهرين. وحين تصل المنصة لموقعها سيتم ضخ أول شحنة من الغاز الطبيعي الإيراني للإمارات حيث يقود النمو الاقتصادي السريع والنمو السكاني إلى زيادة الطلب على الكهرباء والمياه.
وفي 11 مارس الماضي نقلت وكالة رويترز عن ناصر أكرم مدير شئون المساهمين والعلاقات الخارجية بشركة دانة غاز قوله ان إيران لم تستكمل بعد بناء منصة وخط أنابيب لربط حقل سلمان البحري للغاز التابع لها بدولة الإمارات العربية المتحدة وذلك بعد زهاء تسعة أشهر من الموعد الذي كان مقررا لتدشين الصادرات عبر الخط، مشيراً إلى انه لأسباب فنية لم تستكمل المنصة ولا خط الأنابيب بعد. ولم يستطع أكرم تحديد موعد بدء الصادرات إلى الإمارات التي تحتاج الغاز لسد طلب محلي سريع النمو.
وفي 27 مارس الماضي، رددت وسائل الإعلام أنباء تتحدث عن اكتمال الزيادة في قدرة خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي الإيراني إلى المستخدمين الصناعيين في الإمارات بحلول سبتمبر 2007 وقال محمد مكاوي المدير العام للشركة المتحدة لإمدادات الغاز المحدودة وهي فرع أنابيب الغاز في دانة غاز ان المشروع في طريقه للاكتمال بحلول نهاية سبتمبر من العام المذكور.
وجاءت هذه التصريحات على خلفية مفاوضات تدور رحاها بين الجانبين على مدار عدة سنوات بشأن تعديل بعض بنود العقد الموقع بينهما فيما يتعلق بتسعير واردات الغاز الإيراني، حيث شكا الجانب الإيراني من أن بنود الاتفاق المعروف باسم «عقد الهلال» تتضمن الكثير من أوجه الغموض كما أنه يفتقر إلى صيغة واضحة بخصوص التسعير.
وقد أعرب الجانبان في تصريحات سابقة عن توقعهما تدفق الغاز الطبيعي الإيراني خلال عام 2007 . إذ سبق لمسؤولين في وزارة النفط الإيرانية أن أشاروا إلى أن شركة نفط الهلال ستدخل في جولة مفاوضات حول استيراد الغاز الطبيعي من حقل سلمان الإيراني خلال عام 2007، وأن التفاوض سيتركز حول تسعير الغاز.
وأوضح المسؤولون أن إيران متمسكة بمطالبها بوضع أسعار لإمداداتها من الغاز أكثر ارتفاعاً من تلك المنصوص عليها في الاتفاق، وأنها تمتلك خيارات أخرى لتصدير الغاز إلى الإمارات، ولمح المسؤولون إلى أن إيران تحتفظ بخياراتها مفتوحة سواء مع شركة نفط الهلال أو مع أي شركة أخرى في الإمارات.
ولا توجد علاقة تعاقد مباشرة بين شركة دانة غاز وشركة النفط الوطنية الإيرانية، إذ انه تم إبرام التعاقد بين الأخيرة وشركة نفط الهلال اللتين ترتبطان بعلاقات عمل منذ أكثر من ثلاثة عقود، يسودها التعاون والتفاهم لصالح الشركتين.
وكانت شركة دانة غاز قد أعلنت تهيئتها لاستلام الغاز من شركة نفط الهلال وتنقيته في المنشآت النفطية في الصجعة، إذ تم مد أنبوب بحري ضخم بطول أكثر من 200 كم بين منشآت النفط الإيرانية ومجمع استلام الغاز التابع لشركة نفط الهلال في حقل مبارك البحري وتباشر الإجراءات اللازمة لمشروعها الثاني .
وهو مد أنبوب غاز جديد من المنشآت النفطية في الصجعة إلى المنطقة الحرة في الحمرية لغرض توصيل الغاز إلى منشآت توليد الطاقة هناك والمشاريع البتروكيماوية لاحقاً، وتمتلك دانة غاز حصة نسبتها 50 % في هذا المشروع 50%، وتمتلك شركة الإمارات العامة للبترول النسبة المتبقية. وقدر مسؤولون في دانة غاز مجموع المصروفات الفعلية لتوريد الغاز من المنشآت النفطية الإيرانية بأكثر من مليار دولار.
وورد في موقع شركة دانة غاز على شبكة الإنترنت إن شركة غاز الهلال الوطنية إحدى الشركات التابعة لها سيكون بقدورها الحصول على الغاز محلياً من الإمارات العربية المتحدة من شركة نفط الهلال وكذلك توريد الغاز المتفق عليه بموجب اتفاقية مدتها 25 سنة بين الهلال وشركة النفط الوطنية الإيرانية التي تقوم بإدارة ثاني اكبر احتياطي للغاز في العالم.
إضافة إلى ذلك فإن شركة غاز الهلال الوطنية قد ضمنت اتفاقيات طويلة الأجل لبيع الغاز للمستهلكين مثل الهيئات الاتحادية والمحلية في الإمارات العربية المتحدة ومن بينهم الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء، وهيئة كهرباء ومياه الشارقة، وشركة دبي للغاز الطبيعي وشركة عمان للأدوية والكيماويات وهي شركة صناعية كبيرة تستهلك الغاز في المنطقة الحرة في الحمرية في الشارقة، بالإضافة إلى اتفاقيات أخرى يجري بحثها مع مستهلكين صناعيين آخرين.
كتب مجدي عبيد

