أكدت مؤسسة «ميريل لينش» أن التضخم يشكل التحدي الرئيسي للسياسة النقدية في دول مجلس التعاون الخليجي. وأشارت في تقريرها الأسبوعي إلى أن الطلب الداخلي القوي وسط عملات مرتبطة بالدولار الأميركي المنخفض لا يؤدي إلى استيراد التضخم وإضرام السيولة الداخلية وحسب، بل أهم من ذلك، يستورد سياسة نقدية فالتة. إنها حلقة مفرغة.
ففي ظل التيسير المتسارع الذي اتخذه مجلس الاحتياط الاتحادي (المصرف المركزي الأميركي) أصبح التغيير في النظام النقدي أكثر احتمالاً. وكانت «ميريل لينش» قد بدأت مؤخراً تغطية اقتصادات المنطقة. فلكل بلد من بلدان التعاون ديناميتها ومشاكلها الاقتصادية الخاصة وان بعضها أكثر نضوجاً في التنويع من غيرها. لكن يبقى الموضوع المحوري المشترك بينها كلها هو ازدياد التضخم.
وتساءل التقرير: «إذا كان التضخم تحركه عوامل داخلية كالإيجارات والمواد الغذائية وما شاكل ذلك، فكيف يمكن أن يخفف الدولار الضعيف من الضغوط على الأسعار؟». وأجاب: «لن يؤدي ذلك إلى الاتجاه المعاكس بالنسبة إلى استيراد التضخم. لكن الأثر يكون تضييقاً أشد في الأحوال النقدية ينجم عن درهم إماراتي أو غيره أكثر قوة إزاء كل العملات.
إن مصدر المشكلة الرئيسي هو انه من الضروري مجاراة السياسة النقدية الأميركية طالما سعر التبادل مرتبط بالدولار. فإعادة التقييم يضيّق الأحوال النقدية نوعاً ما، بينما اعتماد سلة من العملات يسمح بمزيد من المرونة.
وهذا أكثر ملاءمة خاصة ان فريقنا الاقتصادي في الولايات المتحدة يعتقد أن مجلس الاحتياط الاتحادي سيخفض الأموال الفيدرالية إلى 1% في 2008. فإذا سارت الإمارات وقطر وراء الاحتياط الاتحادي بدل إعادة التقييم، يرجّح ان يؤدي التيسير النقدي إلى تضخم أكبر. أن أسعار الفائدة الحقيقية سلبية بعمق».
وأضاف: «إن سياسة الولايات المتحدة النقدية زادت الضغط على بلدان التعاون الخليجي. حتى وإن لم يكن التضخم المستورد دافع التضخم الوحيد فالسياسة النقدية الميسّرة وعدم فاعلية التقييم عملت على استفحال ضغط الأسعار المرتبطة بالنمو.
ان بعض بلدان التعاون الخليجي تحت وطأة نمو في المعروض النقدي نسبته أكثر من 30% سنوياً. فالكويت مَثَلٌ صارخ. فالتحرّك الى سلة من العملات لم يلجم التضخم، ولكن اذا قويت العملة يخفّ الضغط تدريجياً عن السياسة النقدية. نتوقع مزيداً من القوة في الدينار الكويتي ما دام الاحتياطي الاتحادي مستمراً في تخفيضه لسعر الفائدة».
وواصل التقرير: على العموم، في غياب إعادة تقييم كبيرة ولمرة واحدة، فإن الأثر المباشر للعملات الداخلية القوية على التضخم المستورد يكون هامشياً. غير ان الآثار المستوردة للسياسة النقدية الأميركية التي هي في غاية الفلتان يمكن ان تكون أكثر ضرراً على موازنات بلدان التعاون الخليجي الكلية.
في رأينا، ان قطاع الخدمات يشكل نحو 50% من مؤشر سلة أسعار الاستهلاك في المنطقة (الإيجارات تؤلف متوسط 25% من السلة وهي أعلى في الإمارات حيث تبلغ 36%). اما القول بأن التضخم المستورد جزء صغير من مشكلة التضخم فهو غير صحيح. ان انعدام العمل على سياسة سعر التبادل يستمر في إشعال التضخم،
الأمر الذي يدفع طلبات زيادة الأجور، التي بدورها تضرم التضخم (على الأخص من خلال أسعار الخدمات). ان إعادة التقييم والاتجاه الى الارتباط بسلّة من العملات يمكن ان يكسر الحلقة المفرغة.
وبشأن أثر العملة الداخلية المرتفعة على اتجاه هذه البلدان نحو التنويع بقوة في اقتصاداتها يقول التقرير:«لن يكون التنويع بالضرورة أكثر صعوبة ولكنه يحمل إمكانية ان يصبح سعر العملة أكثر تقلباً مما هو في نظام مرتبط.
نعتقد ان الحاجة الى التنويع تدعم التغيير بالعملة لأن فوائدها تفوق تكلفتها. فإذا رغبت هذه البلدان في التنويع وخاصة في الخدمات المالية، عليها ان تفتح حساب رأسمال، الذي هو أصعب تطبيقه بعملة مرتبطة وتتطلب تدخلاً أكبر. يضاف إلى ذلك ان التنافس الكلاسيكي بواسطة السعر لا ينطبق على الأخص في الخليج.
فلا يزال النفط يشكل بين 80 و90% من صادرات أكثر بلدان التعاون الخليجي باستثناء الإمارات، التي تفيد من السياحة وصناعة إعادة التصدير. من هنا، لا تشكل العملة القوية عائقاً امام التنويع. من ناحية ثانية، فإن استيراد البضائع الرأسمالية في ازدياد من جراء الاستثمار في البنية التحتية والأهداف التنويعية. ولذلك فإن عملة أقوى لا تشكل عبئاً على التنويع.
فأكثر التنويع هو اما من خلال الطلب الداخلي (العقارات، السكن، خدمات النقل، إلخ.) او التصدير في القطاعات التي تعكس اختناقات تزويد في المنطقة (مصاف، كيماويات نفطية، غاز طبيعي مسيّل، معادن) او السياحة. يمكن المحاججة في هذا المجال بالقول ان ليس لذلك علاقة مهمة بالتنافس السعري».
ويضيف التقرير:«في الواقع، ان إعادة التقييم والتحول من الارتباط بعملة واحدة الى سلة من العملات من شأنه ان يدعم ثبات النموذج الاقتصادي لبلدان التعاون بمساعدتها في تخفيف الضغوط التضخمية التي نشأت كتحدّ رئيسي في المدى المتوسط.
وفيما تحاول بلدان التعاون ان تنوّع بعيداً عن النفط وتخفف من اختناقات التزويد من خلال قناتين رئيستين: زيادة في الوافدين من السكان ومشاريع ضخمة في البنية التحتية. فالتضخم يهدّد ثبات القناتين لأن تكلفة المعيشة وتكلفة الانتاج تتسارعان.
ومن جهة ثانية، ان ارتفاع الأجور والتحويلات والإعانات التي تهدف الى التخفيف من آثار ارتفاع الأسعار لا تخفّض من فوائض مالية الدولة وحسب، بل تنتج ايضاً دينامية تضخمية وتعمل على أضعاف تنافسية الشركات.
وعن العوامل التي يمكن ان تمنع او تؤخر إعادة التقييم قال التقرير: «تنظر حكومات بلدان التعاون الخليجي إلى التضخم المرتفع كتكلفة محضة تتعلق بالرفاه وتحاول التغلب عليه من طريق تدابير لا علاقة لها بالسوق كزيادة الإعانات والمنح المالية وزيادة غير معقولة بالأجور وتجميد الايجارات إلخ.
هذه التدابير مرشحة ان تصبح في المدى القصير تضخمية، ومن جرّاء التكاليف المخيفة من خلال الاعانات والتحويلات يستمر الطلب الداخلي في النمو دون هوّادة. وثمة تدابير اخرى تشمل اللجوء الى مراقبة الرساميل او الى ادوات نقدية اقل فاعلية كتغيير نسبة الاحتياط المصرفي او تغيير معدلات الحسم.
ويؤكد التقرير ان الخطر الأكبر على التقييم هو أي محاولة لمنع المضاربة واتخاذ تدابير للاقتصاص من المضاربين مثل مراقبة الرساميل في المدى القصير، ان ذلك تهديد ممكن وقد حدث مثله في الماضي في عدة بلدان ناشئة.
غير انه اذا كان ثمة رغبة صادقة في جذب الرساميل وتشجيع مركز مالي عالمي مزدهر، فمراقبة الرساميل تصبح مضرة حقاً. هناك استمرار في الضغط لفتح الأسواق المالية في المنطقة، يظهر من خلال تحرير بعض أسواق الأسهم في الداخل. فمراقبة الرساميل يقوّض هذا الهدف. لهذا السبب نعتقد ان الخطر هو ضئيل نسبياً.
وترى «ميريل لينش» ان قطر والإمارات هما تحت ضغط اكبر. فالسيناريوهات لا تحصى. ولكن التحرك من قبل الإمارات وقطر مستقلتين او منفردتين يمكن ان يزيد من أرجحية تحرك السعودية في المدى القصير.
ان تحركاً مشتركاً (الإمارات وقطر معاً) يرفع الاحتمال كثيراً. واذا تحرّكت بلدان التعاون الخليجي كمجموعة فإن السيناريو الأخير اكثر صعوبة كي يتحقق لأنه يستلزم ان يتفق جميع الأعضاء على التوقيت ونوعية النظام وغير ذلك.
ويتساءل التقرير: «كيف يصير قرار تغيير نظام القطع؟ من يقرّر؟»، ويرى ان الجواب على هذا السؤال صعب. فالمصارف المركزية على العموم مسؤولة، إنما القرار يصدر عن الحكومات. اما المناقشات على موجات الأثير فما هي سوى دليل على ان الموضوع قيد الدرس في أعلى المستويات. وتبقى التعليقات من قبل المصارف المركزية والرسميين الحكوميين مهمة.
وعن أهمية 2010 (تاريخ الاتحاد النقدي)، وهل هناك سبب وجيه لإعادة التقييم قبل ذلك التاريخ؟ يقول التقرير ان موعد الاتحاد النقدي لبلدان التعاون الخليجي يبقى 2010 لكن ذلك التاريخ بات محفوفاً بالخطر المتزايد لأن معايير التلاقي لا تزال غير مقررة.
لقد حصل بعض التعليقات من عدة مصارف مركزية بأن التنفيذ أمر عسير. فالاتحاد النقدي بحد ذاته يوحي بأنه من الأنسب ان يجري اي تغير بالنظام باتفاق المجموعة. وهذا في الواقع ما قال به عدد من الرسميين. غير ان البيئات التضخمية المنفردة ومستويات الضغط على الاقتصادات الخاصة يمكن ان يجبر البلدان ان تتصرف منفردة.
الإمارات وقطر الأسرع تحركاً لمواجهة الظاهرة
تتوقع «ميريل لينش» أن تكون الإمارات وقطر الأسرع تحركاً لمواجهة التضخم، مشيرة إلى أن هناك عاملين يجعلان بلدان التعاون الخليجي تتباطأ في معالجة مشكلة التضخم. الأول، تعتبر هذه البلدان ان التضخم مؤقت. وتأمل ان يحصل تصحيح في أسعار الطاقة والمواد الغذائية التي تعتبرها الحكومات العامل الرئيسي وراء التضخم.
لذلك تخصص الحكومات مبالغ ضخمة من المال لمعالجة تكلفة الرفاه المصاحب للتضخم. ولما كان لديها فوائض ضخمة في موازناتها، يحتمل ان تتمسك بهذه الخطة في المدى القصير بدل التغيير في النظام النقدي.
والثاني، ان التضخم مشكلة أكثر إلحاحاً لدى الوافدين الى بلدان التعاون. ففي الإمارات وقطر، حيث الايجارات ترتفع بين 15 و30% سنوياً استفاد منها بالأكثر الملاّك المواطنون. ففي الحالة القصوى، ان تملّك البيوت مقفل بوجه الوافدين في السعودية .
حيث أسعار الايجارات الدافع الرئيسي لتضخم مؤشر أسعار الاستهلاك. من هنا، ان البلدان التي لديها أعلى نسبة من الوافدين يرجّح ان تتحرّك في الأول لمواجهة التضخم عن طريق تغيير في النظام النقدي. وهذا يشمل الإمارات وقطر.
واشنطن ـ «البيان»
