يعقد تجار المجوهرات آمالهم على مهرجان دبي للتسوق لتنشيط مبيعاتهم بعدما تعرضت للتقلص والتراجع بفعل الصعود الصاروخي لأسعار المعدن الأصفر، وهو الأمر الذي أكسب المهرجان في دورته الحالية وضعية متميزة مقارنة بالدورات السابقة.

فلم يعد المهرجان مجرد ساحة فقط تجتذب المشترين من مختلف دول العالم، بل أضحي كذلك منفذا لتنشيط المبيعات من وطأة الركود الذي يخيم على أسواق الذهب في العالم بأسره، وهو ما جعل المهرجان أشبه ما يكون بطوق النجاة بالنسبة لتجار المجوهرات الذهبية الذين يلوذون به للاحتماء من لهيب الأسعار المرتفعة.

وعليه، تألق دور جديد للمهرجان في دورته الجارية وهو بروزه كملاذ لتجار المجوهرات الذهبية في الأوقات العصيبة على نحو يماثل الدور الذي يقوم به المعدن الأصفر في الأوقات الذي تتبلد فيه غيوم عدم اليقين والتأكد نتيجة ارتفاع معدلات التضخم، وتصاعد حدة التوترات السياسية.

ويعبر توحيد عبد الله المدير العام لمجموعة دبي للذهب والمجوهرات عن هذه الآمال التي يعقدها تجار الذهب على المهرجان بقوله: إنه من المتوقع خلال الدورة الحالية لمهرجان دبي للتسوق أن تصعد المبيعات الذهبية بنسبة 40%، مشيرا إلى أن مبيعات الذهب صعدت بنسبة 45% خلال الدورة السابقة لمهرجان دبي للتسوق.

وتميز السوق - بحسب توحيد عبد الله - بالأداء الجيد في أغلب أوقات عام 2007، ولكن قادت الأسعار المرتفعة التي شاهدناها خلال الربع ومن الطبيعي أن يظل المشترون خارج السوق عندما تكون الأسعار متقلبة، ولكن من المتوقع في عام 2008 من المتوقع أن يكون السوق أكثر استقرارا.

الأسعار المرتفعة

وقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 30% خلال عام 2007، وسجلت مستويات قياسية ببلوغها 914 دولارا للأونصة، نتيجة لاندفاع المشتريين نحو شراء الذهب بحثا عن ملاذ آمن وسط إضرابات أسواق المال والأسهم والائتمان، فضلا عن سيطرة القلق بشأن صحة الاقتصاد الأميركي والتي أرسلت أسعار الدولار نحو تسجيل انخفاضات قياسية، إلى جانب صعود أسعار النفط.

وواكب ذلك، تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وسيطرة عدم اليقين بشأن سياسات بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي بخصوص أسعار الفائدة، وتضافرت هذه العوامل مجتمعة في زيادة جاذبية الذهب كوعاء استثماري.

وعليه، أثقلت أسعار الذهب المرتفعة على مبيعات المعدن الأصفر، مما اردع المستهلكين عن شراء المجوهرات الذهبية، وهو ما أدى إلى تقليص قيمة المبيعات بحوالي 30% خلال الربع الأخير من عام 2007.

ويتوقع التجار أن يصعد الطلب في قطاع التجزئة خلال فترة انعقاد المهرجان وما بعدها، إذا ما انخفضت الأسعار إلى أقل من 900 دولار للأونصة، ويعكس هذا الاعتقاد شهادات بعض التجار التي أفادت بأن سوق الذهب شهد في مطلع شهر يناير بوادر الانتعاش عندما كان سعر المعدن الأصفر أقل من 900 دولار للأونصة، وبدت الأسعار ستستقر عند هذا المستوى، وقد انتعشت المبيعات مع إطلاق مهرجان دبي للتسوق.

ولكن قد تتعرض المبيعات للتراجع مجددا، إذا ما واصلت الأسعار، إذا ما واصلت الأسعار مسيرة الصعود نحو تحقيق المزيد من الارتفاعات الجديدة، وبالتالي، يمثل ارتفاع الأسعار الهاجس الرئيسي الذي يسيطر على تجار المجوهرات الذهبية، وذلك تخوفا من أن يؤدي هذا الارتفاع إلى تآكل حجم المبيعات.

أفادت شهادة أخرى بأنه يمكن لأسعار الذهب المرتفعة أن تسبب ذعرا لمشتري المجوهرات الذهبية في دبي، إذا ما صعدت الأسعار إلى مستوى أعلى من 900 دولار للأونصة، وسيكون المشترون بحاجة لبعض الوقت لكي يتكيفوا مع هذه الأسعار المرتفعة.

وقال بائعو سبائك ذهبية إن الطلب الرئيسي يأتي من الجالية الهندية المقيمة في دبي ومن المستوردين الرئيسيين في شبه القارة الهندية، وقد تراجع هذا الطلب على الرغم من بدء موسم الزفاف الذي يبدأ في منتصف شهر يناير حتى نهاية شهر فبراير، حيث أفضى صعود المعدن الأصفر إلى سيطرة حالة من الذعر لدى المستهلكين في الهند التي تستهلك 30% من الطلب العالمي.

تآكل الطلب

وقد أثقلت أسعار الذهب المرتفعة على مبيعات المعدن الأصفر، مما اردع المستهلكين عن شراء المجوهرات الذهبية الذهب، وهو ما أدى إلى تقليص قيمة المبيعات بحوالي 30% خلال الربع الرابع من عام 2007. وقاد الصعود القياسي في أسعار الذهب إلى انخفاض حاد في تدفق ذهب الخردة إلى دبي، وذلك مع تزايد رغبة مقتني المجوهرات الذهبية في الاحتفاظ بمقتنياتهم الذهبية أملا في صعود الأسعار إلى مستويات أعلى.

وقد أثرت الارتفاعات المتتالية لأسعار الذهب - بحسب أقوال توحيد عبد الله- على مبيعات المعدن الأصفر، وقلصت قيمة المبيعات بنسبة 14%، وسيقود المزيد من الارتفاعات إلى سيطرة حالة من الإرباك على الأسواق، وأضاف أن السوق في دبي أكثر قوة بالمقارنة مع ما يجري في الأسواق الدولية الأخرى، ولكننا لا نرغب في رؤية أسعار تقترب من مستوى 1000 دولار للأونصة.

وعلي نفس المنوال، قدر رئيس مجموعة الذهب والمجوهرات في أبوظبي أن حجم مبيعات الإمارة من الذهب تراجع بنسبة 20% في سبتمبر أ وبنسبة 10% في الربع الثالث من العام الماضي قياسا إلى الفترتين نفسيهما قبل عام، وأوضح توشار باتني أن شهر سبتمبر كان فترة بالغة الهدوء لمبيعات الذهب من حيث الحجم والقيمة بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الذهب كما أن شهر أكتوبر لم يبدأ على إيقاع ايجابي.

وأضاف أن أداء السوق في سبتمبر نال من أرقام الربع الثالث بعدما كنا نتطلع إلى أرقام أفضل في وقت سابق هذا العام، وأشار إلى أن الطلب من العمال والمقيمين الأجانب في أبو ظبي على شراء الهدايا لأخذها إلى أوطانهم خلال العطلة الصيفية عزز حجم المبيعات في الفترة من مايو إلى يوليو، وخلص باتني إلى القول بأنه إذا ما جرى عقد مقارنة الأيام العشرة الأخيرة من سبتمبر بالفترة نفسها من العام الماضي نجد أن حجم المبيعات تراجع بنحو 50%.

شهية المستثمرين

ورغم ارتفاع الأسعار، ظلت شهية المستثمرين في دبي مفتوحة على اقتناء المعدن الأصفر، حيث صعدت واردات دبي من الذهب - ? بحسب بيانات مركز دبي للسلع المتعددة - بنسبة 3. 14% إلى 559 طنا في عام 2007 فيما قفزت الصادرات بنسبة 7. 4% إلى 287 طنا، وقال مجلس الذهب العالمي في سبتمبر ان قيمة مبيعات الذهب في الإمارات ارتفعت بنسبة 22% على أساس سنوي في الربع الثاني من 2007 مع تزايد الطلب من السائحين.

وأشار إلى أن الطلب ارتفع بنسبة 6. 14% في الربع الثاني ليصل إلى 8. 29 طنا مقارنة مع الفترة نفسها من 2006، في حين بلغت قيمة المبيعات 8. 2 مليار درهم (5. 762 مليون دولار). وعلى نفس المنوال، قدر معاذ بركات الرئيس التنفيذي لمجلس الذهب العالمي في الشرق الأوسط وتركيا وباكستان أن واردات الإمارات من الذهب خلال العام الماضي 2007 نمت بمعدل 15% لتتجاوز 550 طنا من الذهب في الوقت الذي وصل فيه حجم الاستهلاك في منطقة الشرق الأوسط 700 طن منها 110 أطنان حصة سوق الإمارات.

والتي احتلت المركز الثاني بعد المملكة العربية السعودية التي سجلت نحو 170 طناً تلتها مصر بحوالي 75 طناً إلى 80 طناً، وقال إن استيراد المنطقة من المعدن الأصفر قد يصل إلى 800 طن خلال العام الجاري 2008 كما أن هناك آفاق نمو كبيرة خلال العام الجاري مع ارتفاع أسعار النفط وعائدات المنطقة خاصة دول الخليج في ظل ارتفاع أسعار البترول ووجود فائض نقدي يصل في بعض التقديرات إلى 3000 مليار (3 تريليونات دولار) في دول الخليج وحدها.

عروض الذهب

وتعد عروض الذهب في مدينة الذهب عنصرا رئيسيا في عناصر الجذب الكثيرة التي تميز مهرجان دبي للتسوق في دوراته المختلفة، وغالبا ما تكون محلات الذهب محط أنظار السياح والزوار الذين يقدمون إليها من جميع أنحاء العالم يحرصون على شراء المنتجات التي تتمتع بجودتها العالية وسعرها المميز والثقة التي تحظى به هذا السوق من حيث نوعية ومستوى الذهب في السوق، وتسجل مبيعات التجزئة بسوق الذهب والمجوهرات المحلية زيادة بمعدلات الأداء في ظل الحملة الترويجية المصاحبة للمهرجان دبي للتسوق والتي تتيح للمتسوقين الحصول على جوائز إضافية عبر السحوبات اليومية.

ويسهم مهرجان دبي للتسوق في تشجيع الجمهور على شراء الذهب من خلال الحملة الترويجية التي يتم تنظيمها كل عام، حيث يتدفق المتسوقين لحضور فعاليات المهرجان، وهم من داخل الدولة، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الدول الخليجية، حيث يرتاد المهرجان نسبة كبيرة من العائلات الخليجية، ثم يأتي بعد ذلك السائح العربي ثم السائح الأوروبي.

وبالتالي، تأجج مدينة دبي حلم الذهب لدى المقيمين والزائرين، بل يرتادها السياح، وهم مدفوعون بهذا الحلم، حتى يخال للمرء أن حلم الذهب الذي كان وراء اكتشاف قارات العالم الجديد، ما زال يتحرك بقوة ونشوة في مختلف أنحاء مدينة دبي، ويأسر مخيلة الكثيرين الذين يتوقون إلى الترفل بنعيم امتلاك الذهب.

ويعتبر حلم الذهب أحد الملامح المميزة لمدينة دبي، لكونها تعيش في حالة احتفالية دائمة وطوال أوقات العام، فما بين مفاجآت صيف دبي التي تبدأ من يوليو حتى سبتمبر، وفعاليات مهرجان دبي للتسوق التي تبدأ في شهر يناير من كل عام، تتعدد المبادرات والحملات التسويقية للذهب في الداخل والخارج، وتبرز المفاهيم الخلاقة والإبداعية في كيفية تنظيم الحملات التسويقية، وتتنوع أشكال المشاركة بين العام والخاص في إشاعة إغواء الذهب بين مختلف الفئات والأعمار. وتصب كل هذه الاعتبارات في جعل حلم الذهب يفتتن الكثيرين.

ويتفنن المروجون في ترسيخ حلم الذهب في عقول الناس، فبالإضافة للحملات الترويجية المصاحبة للمهرجانات، فإن هناك تحالفات للترويج المشترك بين بعض المراكز التجارية وبعض محلات الذهب الشهيرة، حيث يمنح المتسوق من هذه المراكز بمبلغ معين قسيمة للشراء مجانية للذهب، كما أن هناك محلات تجري حملات تسويقية خاصة على سيارات وهدايا ذهبية للمتسوقين منها تحت عنوان «أربح الذهب» مما ينعش حلم الذهب طوال العام.

وهكذا يستفيد تجار المجوهرات الذهبية من الحالة الاحتفالية التي تعيشها مدينة دبي طوال أيام المهرجان في تنشيط مبيعاتهم، وهو ما يرسخ القناعة «بأن مدينة الذهب ليست مجرد مجوهرات متراصة بشكل مبدع وخلاب، بل كذلك حلم يأسر قلوب الناس وعقولهم لتحقيق أمنيه الثراء عبر الفوز بجوائز الذهب».

حلم الذهب

يغذي حلم الذهب اللاعبين الرئيسيين في صناعة وتجارة الذهب في دبي، وتبرز هنا مجموعة الذهب والمجوهرات التي تنشط وبقوة في جعل حلم الذهب يداعب عقول الكثيرين، فهي تنظم الحملات الترويجية، وترصد جوائز ذهبية لدعم مبيعات التجزئة، حيث يفضل الناس الهدايا المجانية والتي تتمثل في كوبونات على المبيعات تمنح صاحبها الفوز بجوائز قيمة.

وأضافت بورصة دبي للذهب الكثير إلى حلم الذهب في دبي، فقبل إطلاق بورصة دبي للذهب والسلع، لم يكن في مقدور تجار الذهب التخطيط للمستقبل، ولم يكن متاحا لهم معرفة ما ستكون عليه حجم إمدادات الذهب في المستقبل، ولكن مع إطلاق البورصة، صار في إمكانهم التخطيط للمستقبل.

كما تتمثل أحد الفوائد التي يجنيها التجار من تداولهم على عقود الذهب الآجلة في بورصة دبي للذهب والسلع، في التحوط ضد المخاطر، خصوصا فيما يتعلق بمخاطر تذبذب الأسعار في سوق الذهب فضلا عن المخاطر الأخرى المتصلة بالتضخم مثلا، حيث تبين الخبرات انه في الأوقات الصعبة، تميل الأصول نحو تراجع قيمتها، في حين يحتفظ الذهب بقوته الشرائية، وبالتالي، فهو يلعب دورا في حماية الثروات من تآكل قيمتها.

كما أن هناك علاقة ارتباط سالبة بين العوائد المتحققة من الاستثمار في الذهب وتلك المتحققة من الاستثمار في الأصول الأخرى، وبالتالي، فإن الاستثمار في الذهب يتيح إمكانية لتنويع أصول المحافظ المالية، كما يجني التجار فائدة أخرى من تداولهم على عقود الذهب الآجلة في بورصة دبي للذهب والسلع، وتتعلق بالتكهن بما سوف يكون عليه السعر، ومن ثم يكون لديهم تصور طويل الأجل بشأن مستقبل سعر الذهب.

إلى جانب الاستفادة من الاختلافات الموجودة في الأسعار بين البورصات، فعن طريق تتبع حركة الأسعار، يمكن للمستثمر أن يحقق فوائد ويجني فرصا من خلال الاستفادة من فروق الأسعار بين البورصات وهي العمليات التي يطلق عليها باللغة الإنجليزية ARBITRAGE وتعني باللغة العربية «المراجحة».

دبي ـ مجدي عبيد