انجذبت شركة «جريس» إحدى الشركات العالمية الرائدة في مجال المواد الكيماوية المتخصّصة إلى دبي لتتخذها قاعدة ومقراً إقليمياً لمختلف أنشطتها في منطقة الشرق الأوسط، وشكّلت توليفة يمتزج فيها التطلع إلى الفرص ومعالجة التحديات ـ بحسب أقوال رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي فرد فستا لـ «البيان الاقتصادي «ـ الأساس الذي نهض عليه قرار الشركة الخاص بافتتاح مقر إقليمي في دبي.

وبافتتاح مكتبها الإقليمي خلال الأسبوع الماضي، التحقت شركة «جريس» بركب الكثير من شركات الطاقة العالمية التي اتخذت دبي مقراً رئيسياً لعملياتها الإقليمية، وهو ما يبشر بأن تكون دبي مقصداً لشركات البتروكيماويات العالمية في عملية اندفاعها المرتقب نحو المنطقة كنتيجة لانتقال مراكز قيادة هذه الصناعة المهمة إلى منطقة الخليج بسبب توافر خامات تغذية تتميز برخص السعر ووجود طلب يتسم بالقوة. وتبرز دبي كساحة مثلى لتسيير عمليات شركات البتروكيماويات الساعية إلى الحصول على موطئ قدم في أسواق الخليج المزدهرة، وتمر هذه الأسواق بمرحلة درج الكثير من المحللين على تسميتها «بالمرحلة الذهبية».

وتحفز بيئة الأعمال المواتية في دبي الكثير من اللاعبين في صناعة البتروكيماويات العالمية على النظر إليها بوصفها منصة مثلى لتعزيز التواجد في أسواق الخليج، وذلك ضمن عملية إعادة الهيكلة التي تجتازها الصناعة في الوقت الحالي، وتشتمل هذه العملية على اتجاه الكثير من الشركات إلى التواجد في منطقة الخليج للاستفادة من الميزة الرئيسية التي تتمتع بها وهي امتلاكها كميات وفيرة من الغاز الطبيعي الرخيص الثمن.

يتحدث فريد فستا رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «جريس» عن أسباب اختيار دبي مقراً إقليمياً بقوله: نحن نعمل في حوالي 40 دولة حول العالم.

وما نحن نحاول فعله، هو تأسيس مقرات إقليمية للمناطق الرئيسية التي تشهد نمواً كبيراً، ولقد اتخذنا منذ عامين ماضيين قراراً بأن منطقة الشرق الأوسط سوف تصبح واحدة من المناطق التي تشهد معدلات نمو عالية في القطاعات التي نعمل فيها سواء فيما يتعلق بالمنتجات البتروكيماوية أو المنتجات البترولية المكررة أو قطاع الإنشاءات.

توسيع نطاق الأعمال

ويمثل افتتاح المقر الإقليمي للشركة ـ والكلام على لسان فرد فستا ـ إقراراً بأهمية المنطقة، وتعود بدايات نشاط الشركة في منطقة الشرق الأوسط إلى عام 1983، ورغم اتسام قاعدة عملياتها حينذاك بالمحدودية والصغر، إلا أنها تعمل الآن على توسيع نطاق أعمالها وتوطيد مراكزها في الصناعات الوثيقة الصلة بنشاطها.

وتابع حديثه قائلاً: نحن قدمنا إلى هنا من أجل الاستفادة من النمو الذي تشهده المنطقة ومواجهة التحديات التي تخيم على الصناعة، فالشركات الناجحة هي التي تقر بوجود التحديات وتعمل على مواجهتها، ومن ثم، تعمل على تحقيق النمو ودعم تطلعات واحتياجات قاعدة المستهلكين، فعلى سبيل المثال، إذا ما فكرنا في سوق الإنشاءات هنا، نجد أنه يزخر بالكثير من التغييرات.

حيث يجري تشييد المباني الأكثر حداثة في العالم بوتيرة نمو عالية، وتحتاج هذه المباني لمنتجات تقوم الشركة بإنتاجها، في حين، أن بعض المصنعين المحليين في غير مقدورهم إنتاج مثل هذه المنتجات بالمواصفات المطلوبة، كما أن تصاميم بناء هذه المباني يبين أنها تحتاج إلى تقنيات غير تقليدية.

ومن ثم، بقدر ما تتيح الأسواق فرصاً، إلا أنها تنطوي وبالقدر ذاته على تحديات، ومن ما تقدمه أسوق التحديات وفي نفس الوقت يقدم فرصاً، وبعض المصنعين المحليين في غير مقدورهم إنتاج مثل هذه المنتجات بالمواصفات المطلوبة، وبالتالي، تتطلع شركة «جريس» إلى الاستفادة من الفرص الماثلة ومواجهة التحديات.

ويستند اندفاع الشركات العالمية نحو تعزيز تواجدها في أسواق البتر وكيماويات الخليجية إلى الميزة الرئيسية التي تتمتع بها وهي امتلاكها كميات وفيرة من الغاز الطبيعي الرخيص الثمن، فمادة الإيثان التي تعتبر المادة الرئيسية المستخدمة في صناعة البتروكيماويات، لا يتجاوز سعرها 50, 1 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

في حين يصل سعرها إلى ما يتراوح بين 6 و8 دولارات في الأماكن الأخرى من العالم. يضاف إلى ما سبق تمتع منطقة الخليج بمزايا أخرى لا تقل أهميه، وتتمثل في شغلها موقعا إستراتيجيا مهما بين أوروبا وآسيا، وامتلاكها بنية تحتية قوية، إلى جانب صعود أسعار النفط.

حوافز ومزايا في الخليج

وعلى هذه الأرضية المليئة بالحوافز والمزايا، يشعر فرد فستا رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة جريس بالتفاؤل إزاء مستقبل صناعة البتر وكيماويات في منطقة الخليج، ويسوق في هذا المجال مبررات عديدة، من بينها، توافر الموارد الطبيعية، ووجود مستويات عالية من السيولة، علاوة على ممارسات جيدة في مجال مباشرة الأعمال.

وقد بدأت جريس مزاولة أعمالها في المنطقة منذ العام 1983، عندما بدأت الشركة بتصنيع المنتجات الكيماوية وتسويقها وبيعها في قطاع الإنشاءات عبر مشروع مشترك. ومؤخراً، أقدمت جريس على توسيع طاقتها التصنيعية عبر استثمارها في الشركة الكويتية لصناعة المواد الحفّازة (KCC).

وبموجب ذلك تعمل الشركة الكويتية لصناعة المواد الحفّازة على تصنيع المواد الحفّازة الخاصة بالمعالجة المائية للترسّبات الناتجة عن تقنيات التكرير المتطورة (ART)، وهو مشروع جريس المشترك مع شركة شيفرون للمنتجات. وتساعد المواد الحفّازة الخاصة بالمعالجة المائية للترسّبات شركات التكرير على إنتاج وقود نقل صديق للبيئة ونظيف، يحرق الوقود بشكل أنظف عبر إزالة الكبريت والملوّثات الأخرى من البترول.

وتدير شركة جريس محطّة تصنيع في المنطقة الحرّة بجبل علي، وهي مركز أعمال رئيسي في دبي. وتنتج المحطّة مواد إنشائية متخصّصة، بما في ذلك خلطات الخرسانة والمواد المضافة الأسمنتية.

وقد تم توسيع المحطّة مؤخراً لزيادة إنتاج تلك المواد من جهة، ولإضافة منتجات البناء والمواد والأنظمة المضادة للحريق والمانعة للماء من جهة أخرى. وتساعد هذه المنتجات مجتمعة على جعل المنازل والمباني أقوى وأكثر أماناً وراحة.

حصص في شركات

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت شركة جريس تتطلع إلى الحصول على حصص في شركات بالمنطقة، أجاب فرد فستا بقوله: يعتبر الحصول على مراكز حصص في الشركات مسألة مهمة بالنسبة لنا، ونحن نتطلع إلى إنجاز ذلك من خلال نسج علاقات مشاركة مع شركاء مناسبين.

ورفض فرد فستا الكشف عن أسماء الشركاء المحتملين، معللا ذلك بأنه لا يستطيع التحدث في مثل هذا الأمر في الوقت الراهن، ولكنه عدد المعايير المفترض توافرها في الشركاء المحتملين قائلا: يجب أن يتوافر في الشريك حزمة من المواصفات، بأن يكون على دراية وفهم بالسوق، وأن تتوافر لديه قناعات تتعلق بالصحة والسلامة وحماية البيئة، وأن يتحلى برؤية تتعلق بتوسيع وتطوير عمليات الشركة.

ويري فريد فستا أن المنطقة تزخر بالكثير من الشركاء المؤهلين والمناسبين، معربا عن اعتقاده بأنه من السهل العثور على الشركاء المناسبين في المنطقة مقارنة مع بعض الدول في بعض الأسواق الصاعدة حول العالم، ودلل على ذلك بإشارته إلى أن العثور على الشركاء في المنطقة أيسر مقارنة بالصين.

إعادة توزيع الاستثمارات

ومع تحرك قيادة الإنتاج من الأسواق الناضجة المتقدمة إلى المناطق التي تمتلك خامات تغذية رخيصة يضع العدد الضخم من المستخدمين النهائيين على غرار شركة «بروكتر آند جامبل «و«يونيليفر «نصب عينيهم على امتلاك حصص في إنتاج منطقة الخليج من البتر وكيماويات، بهدف تحقيق بعض السيطرة على قاعدة التكاليف، وبالتالي، صارت شركات عديدة تتطلع إلى زيادة استثماراتها في منطقة الخليج.

وينسحب مثل هذا الوضع على شركة جريس، بقيامها بإعادة توزيع محفظتها الاستثمارية، حيث استثمرت ـ بحسب أقوال فريد فستا ـ على مدى الإثني عشر شهرا الماضية قرابة 20 مليون دولار، توزعت ما بين امتلاك حصة أقلية، وإطلاق عمليات توسع جديدة، ويعكس هذا الحجم من الاستثمارات أحد التغييرات المؤثرة التي أقدمت عليها الشركة خلال العامين الماضيين.

وتواجه شركات البتروكيماويات تحديات مثلت حافزا لها على الانتقال إلى المناطق التي تتمتع بتوافر موارد الطاقة، حيث تواجه صعودا في تكلفة الإنتاج نتيجة توليفة من العوامل، فمن جانب، هناك عجز في المقاولين الدوليين القادرين على تنفيذ مثل هذه المشروعات، ومن جانب آخر، يوجد نقص حاد في العمالة الماهرة، ومن جانب ثالث،تضاعفت تكلفة بعض المواد، وقد ترك هذا الأمر أثره على بعض خطط اقامة مشروعات بترو كيماوية.

ومع افتتاح المكتب الإقليمي الجديد في دبي، تتطلع شركة جريس إلى مواصلة ضخ المزيد من الاستثمارات، حيث انها تقوم بفحص ودراسة العديد من الخطط الإستراتيجية، كما أنها في منتصف الطريق في تنفيذ خطتها الرامية إلى مضاعفة إنتاج محطّة تصنيع التابعة لها في المنطقة الحرّة بجبل علي.

وسيسند إلى المكتب الإقليمي العديد من المهام، وتشتمل على تقديم الدعم لأنشطة الشركة على مستوى منطقة الشرق الأوسط بأسرها، وتشكيل التحالفات، حيث يغلب على القسم الغالب من السوق السمة المحلية، سواء من متطلبات التصميم والهندسة والبناء أو من حيث المواد المستخدمة، ومن ثم، ترى شركة جريس أنه يجب عليها أن تضع مثل هذا الأمر في حسبانها.

ورفض رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة جريس الكشف عن قيمة الاستثمارات التي تعتزم الشركة ضخها في المنطقة خلال السنوات الخمس القادمة، معللا ذلك بأن المنافسين يتابعون كل ما تفعله الشركة.

ومن شأن الكشف عن هذه المعلومات أن يضع الشركة في وضع غير موات، واكتفى بالقول بأن الشركة استثمرت 20 مليون دولار خلال السنوات الماضية، وأنها تعتزم مواصلة هذا النهج طالما استمرت خبرتها مع النمو، وواصلت جلبها تكنولوجياتها إلى هذه المنطقة، واستمرت في العثور على الشركاء المؤهلين، ومن ثم، فأنه لا يرى سببا يدعو إلى عدم مواصلة ضخ الاستثمارات في ظل توافر مثل هذه الأوضاع.

أسواق مستهدفة

وتستهدف شركة جريس شرائح متنوعة من السوق، يبرز من بينها، قطاع الإنشاءات ومصافي التكرير والمجمعات البتر وكيماوية، ويتحدث فريد فستا عن هذه القطاعات قائلا: انه يجب النظر إلى ما يحدث في قطاع الإنشاءات، كما أن المنطقة شرعت في تصدير المزيد من الجازولين الذي يتوافق مقاييس النقاوة من ناحية انخفاض نسبة الكبريت.

ويرى فريد فستا أن شركة جريس تمتلك إمكانيات تؤهلها للتعامل مع سوق يتميز بدرج عالية من التنافسية قائلا: ان السوق صار يتميز بالتنافسية العالية، وأضحت الشركات الوطنية تتمتع بمستويات أداء أفضل، ولكننا سنتعامل مع هذا السوق من خلال تأسيس شراكات مع شركاء مناسبين ومؤهلين على غرار شراكتنا مع الشركة الكويتية لصناعة المواد الحفّازة (KCC).

كما سنعمل على جلب أحدث تكنولوجياتنا إلى المنطقة، إلى جانب استعانتنا في مباشرة أعمالنا بنخبة متميزة من قادة الأعمال التي ستجلب خبراتها ومعرفتها، ومن ثم، نحن نعمل على تسيير أعمالنا انطلاقا من هذه القاعدة من المقومات والموارد.

رؤية ثاقبة

أثنى فرد فستا رئيس مجلس إدارة شركة جريس على الرؤية الشاملة والثاقبة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله «بشأن وضع حماية البيئة في صلب أولويات الرؤية الإستراتيجية لإمارة دبي وتطبيق مفهوم المباني الخضراء في المشاريع والمرافق والمباني.

وقال ان مثل هذه الرؤية الإستراتيجية قد حفزتنا على القدوم إلى المنطقة. وأوضح فستا أن الشركة تمتلك القدرة على تنفيذ هذه الرؤية فيما يتعلق بأنشطتها ومنتجاتها، حيث انها تراعي تصنيع منتجات متوافقة مع معايير حماية البيئة من ناحية خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وترشيد استهلاك الطاقة، وهو يجعلها منتجات صديقة للبيئة.

وتُعد شركة جريس مورّداً عالمياً رائداً للمواد المُحفّزة وغيرها من المنتجات والخدمات الخاصة بمحطات تكرير البترول؛ والمواد المُحفّزة لتصنيع المواد البلاستيكية؛ والمواد الهندسية المرتكزة على السيليكا والمواد المتخصّصة لمجموعة واسعة من التطبيقات الصناعية؛ والمواد الكيماوية المتخصّصة؛ والمواد المُضافة والمواد الخاصة بقطاع الإنشاءات التجارية والسكنية؛ والمواد المانعة للعلب والطلاء الخاص بتعبئة المواد الغذائية. وبمبيعات سنوية تتجاوز 8,2 مليار دولار أميركي، تضم شركة جريس حوالي 500,6 موظف، وتدير أعمالها في أكثر من 40 بلداً.

دبي ـ مجدي عبيد