تلمس المراقبون أخيراً بصيصاً من النور في النفق الحالك السواد الذي تقبع في داخله مفاوضات التجارة الحرة لفترة اقتربت من عقدين كاملين، وصارت الآمال معقودة في أن تسهم اللقاءات الحالية الرفيعة المستوى بين الإمارات وألمانيا في تحريك هذا الملف، بما يؤدي إلى التوصل في المطاف النهائي إلى التوصل إلى اتفاق، ويفضي في الوقت ذاته إلى تبديد حالة التشاؤم التي تسيطر على الدوائر الاقتصادية والتجارية على الجانبين.
ومع انتهاء الرئاسة الألمانية في يونيو 2007، وتبخر الوعود المقطوعة في اللقاءات الخليجية الأوروبية بقرب وضع نهاية لهذه المفاوضات، وجدت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها مرة أخرى مدفوعة إلى المربع رقم واحد في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي، من دون أن يلوح لها أي بصيص من النور يرشدها إلى المسار الذي ينبغي أن تسلكه للخروج من حالة الجمود التي لازمت جولات التفاوض على مدار فترة طويلة، لم يتحقق فيها الكثير من التقدم، بالرغم من قطع مسارات مفاوضات التجارة الحرة الأخرى مع كل من الصين واستراليا ونيوزيلندا والهند مراحل تقدم مختلفة. وقد تصاعدت الآمال خلال تولي ألمانيا رئاسة الاتحاد الأوروبي باقتراب المفاوضات من نهايتها، وانعكست حالة التفاؤل على تعليقات المسؤولين الخليجيين، حيث ساق مسؤولون سعوديون توقعات بأن يتم التوقيع على الاتفاقية في غضون فترة شهرين، وبالفعل، قطعت ألمانيا على نفسها وعودا بأن تعمل على التوصل لاتفاق خلال رئاستها.
بيد أن الجانبين يظهران في الوقت الراهن بمظهر العاجز عن الوصول إلى صفقة تحظى برضاهما، وتلاشت تدريجيا مشاعر التفاؤل التي سيطرت على الأجواء لبرهة من الزمن، وحلت محلها انطباعات بأن النجاح في الوصول إلى تسوية صار أمرا بعيدا عن المنال، وترسخت قناعة بأن مسألة الوصول إلى صفقة مشتركة تنطوي على تعقيدات بالغة نتيجة للتغير المستمر في حزمة المطالب المطروحة على مائدة التفاوض، وبالتالي، أصبح أمرا حتميا تأجيل التوصل إلى تسوية. وعلي الرغم من تباطؤ الوتيرة المفاوضات، إلا أن اتفاق التجارة الحرة ما زال يمثل الطريق المفضل لدول مجلس التعاون الخليجي، باعتبار أن هذا الاتفاق يتيح لدول مجلس التعاون الحليج نفاذا أكبير لصادراتها إلى أكبر وأربح سوق على مستوى العالم، كما يعطي لمستهلكيها نفاذا أكبر للحصول على سلع ذات أسعار تنافسية على الصعيد الدولي، وزاد تطلع دول مجلس التعاون الخليجي إلى هذه الاتفاقية، مع إخفاق منظمة التجارة العالمية في تحريك المفاوضات بخصوص أجندة الدوحة والتي تهدف إلى تقليل الحواجز التجارية، حيث مازالت المفاوضات دائرة بشأنها من دون أن يتم التوصل إلى اتفاق بين الدول المتقدمة والنامية.
مزايا الاتفاق... ويرى الجانب الخليجي ثمة مزايا ستعود عليه من جراء التوصل إلى هذا الاتفاق، فمن جانب، يحقق الاتفاق كفاءة تجارية تقترب من حدودها القصوى بين الجانبين نتيجة نصه على خفض التعريفة الجمركية الخليجية على الصادرات الأوروبية من 5% إلى 3%، فضلا عن انه يعزز مكانة دول مجلس التعاون الخليجي كمقصد للاستثمارات الأجنبية المباشرة. وعلى أرضية حالة الجمود التي تخيم على المفاوضات الخليجية الأوروبية، برزت دعوات من جانب محللين تنصح بأن تسعى كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي إلى التفاوض والتوقيع على اتفاقية شراكة أوروبية أحادية الجانب، بدلا من انتظار التوقيع على اتفاقية جماعية. وذلك بحكم محدودية التبادل التجاري بين كل دولة على حدة من دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن أن التجارة النفطية تمثل القسم الغالب من صادرات هذه الدول إلى السوق الأوروبي، بيد أن هناك إجماعا في الرأي بأنه سوف يكون مفيدا للجانبين، إذا ما جرى التوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة بينهما.
مطالب جديدة
ولخص أحد المسؤولين الخليجيين المعضلة بأن الاتحاد الأوروبي دأب في كل جولة تفاوضية على طرح مطالب جديدة.
فمن جانب، يطالب الاتحاد الأوروبي ـ بحسب المعلومات المنشورة ـ دول مجلس التعاون الخليجي باتخاذ المزيد من الخطوات باتجاه التحرير التجاري، وذلك بأن تعطى الدول الأوروبية حرية تأسيس الأعمال، فيما تطالب دول مجلس التعاون الخليجي بإدراج الكفالة المحلية للأعمال ضمن بنود الاتفاق، كما يطالب الاتحاد الأوروبي بتعيين نقطة تفتيش واحدة للسلع الأوروبية المصدرة إلى دول مجلس التعاون الخليجي بدلا من أن تخضع للتفتيش في نقاط متعددة.
وقال ديفيد كيرنوهان رئيس الاقتصاديات والإحصائيات في مدرسة الأعمال بجامعة ميدل سكس والمشارك في دراسة عن اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي أن النظرة الشائعة تضع اللائمة على دول مجلس التعاون الخليجي للإخفاق في التوصل إلى اتفاق، ولكن كان هناك ما يسمى باسم «عقيدة لامي» نسبة إلى باسكال لامي المفوض التجاري الأوروبي السابق والذي يشغل الآن منصب المدير العام لمنظمة التجارة العالمية، وبموجب هذا المبدأ، يمتنع الاتحاد الأوروبي عن توقيع أية اتفاقات تجارية، طالما بقيت مفاوضات منظمة التجارة العالمية بخصوص أجندة الدوحة مستمرة.
ولكن ـ ومازال الكلام على لسانه ـ وعلى الرغم من التخلي الأوروبي عن هذا المبدأ، ووضع هدف استكمال المفوضات التجارة الحرة الخليجية ضمن الأهداف الإستراتيجية للمفوضية الأوروبية في بروكسل، إلا أن هناك تعقيدات تجعل مسالة الوصول إلى أتفاق مسالة شائكة، وتتعلق هذه التعقيدات بمسألتين بالغتي الحساسية بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، تتمثل الأولى في مسألة تحرير الخدمات.
فيما تتعلق الثانية بقضية تسعير مدخلات الغاز والنفط في الصناعة والتي يرى الاتحاد الأوروبي بأن أسعار هذه المدخلات أقل من سعرها السوقي، حيث إنه من شأن التوصل إلى اتفاق، أن يعرض الصناعات الأوربية كثيفة الاعتماد على الطاقة للخسارة، فيما سيعاني كثيرا قطاعا المصارف والتأمين في دول مجلس التعاون الخليجي.
وفي رأيه، تكمن ذروة المعضلة في اختلاف نظرة الجانبين إلى الاتفاق، حيث يعتبر الاتفاق بالنسبة للدول الخليجية مهما ولكن ليس بالدرجة التي تعرض فيها أوضاعها الحالية إلى الخطر، وربما يكون صائبا أن أي فشل لمفاوضات منظمة التجارة العالمية سيكون مرده إلى تصاعد النزعة الإقليمية، وهو ما يصب في صالح التوصل إلى اتفاقيات للتجارة الحرة، ولكن يعتبر هذا الوضع مجرد تعبير عن أحد جوانب الصورة.
حيث إن الوضع المثالي، هو أن يتم التوصل اتفاقية تجارة حرة متعددة الأطراف، ثم يتلو ذلك، التوصل إلى اتفاقيات إقليمية، وتحت مظلة هذا النسق، تكون الاتفاقيات الإقليمية في مكانة أعلى من الصفقات الثنائية، بحكم أن النوع الأول من الاتفاقيات يضع الإجراءات والقواعد الموحدة لانتقالات السلع والخدمات عبر الحدود.
آراء مخالفة
وعلى الجانب الآخر، تثور آراء مخالفة، ففي تقدير جاسم حسين علي عضو البرلمان البحريني ولجنة المالية والاقتصاد أن دول مجلس التعاون الخليجي على استعداد لتوقيع الاتفاقية، ولكن الاتحاد الأوروبي هو الطرف المسؤول عن تأجيل التوصل إلى اتفاق، بيد أن القضية الخلافية التي مازلت عالقة هو وضع دول مجلس التعاون الخليجي سقفا على ملكية الأجانب بألا تتجاوز حصص ملكياتهم نسبة 49%.
كما أن الاتحاد الأوروبي ما زال قلقا بشأن الدعم الحكومي لبعض السلع على غرار تزويد منتجي دول مجلس التعاون بغاز طبيعي بسعر يقل عن أسعار السوق، وهي مسألة تعزز القوة التساومية للمنتجين الخليجيين في مواجهة نظرائهم الأوروبيين.
ومن جانبها، تطالب دول مجلس التعاون الخليجي بإزالة الجمارك على صادراتها من الألمونيوم والبتروكيماويات، وعلى أية حال، تتزايد أهمية اتفاقيات التجارة الحرة واتفاقيات التجارة التفضيلية، ويعود ذلك جزئيا إلى تفضيل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مثل هذه الاتفاقيات، بحكم أنها تتيح لهم فرض شروط، وذلك بالمقارنة مع الدخول في مباحثات متعددة الأطراف، ومن ثم، سيعني إخفاق التفاوض على أجندة الدوحة ظهور العديد من اتفاقيات التجارة الحرة والتفضيلية.
وأعرب سعد العوضي مدير تنفيذي في مؤسسة دبي لتنمية الصادرات عن إيمانه الجازم برغبة المنطقة في الدخول في اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي ولكن أسباب التأجيل تعود إلى الحذر المفرط من جانب الاتحاد الأوروبي، فهو يريد أن يكون على ثقة بمعالجة كافة القضايا البارزة، ولكن في اعتقادي أن المسائل العالقة لا تتجاوز نسبتها 2 أو 3% من إجمالي القضايا التي جرى الاتفاق بشأنها.
مشيرا إلى أن الهدف الرئيسي هنا يتمثل في خلق المناخ المواتي لنمو الصادرات غير النفطية، ويعتبر اتفاق التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي وسيلة لتحقيق مثل هذه الغاية، ويمتلك المصدرون في منطقتنا نفاذا لأسواق كل من إيران وباكستان، وإذا ما تم التوقيع على اتفاقيات تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي والهند وروسيا، فلسوف تسهم هذه الاتفاقيات في زيادة الصادرات.
وفي تقدير إيكهارت وورتز مدير برنامج الاقتصاديات في مركز البحوث الخليجية أنه يمكن أن تتعرض اتفاقية التجارة الحرة الخليجية الأوروبية للتأجيل لأسباب خارجة عن سيطرة الطرفين، حيث إن الألمان سيتولون رئاسة الاتحاد الأوروبي بعد مرور فترة طويلة، ومن ثم، ستتناوب دولتان صغيرتان أوربيتان رئاسة الاتحاد الأوروبي، وذلك قبل تولي فرنسا الرئاسة الأوروبية، وقد ثارت توقعات من قبل عديدين بأن التوقيع على الاتفاق سيكون في وقت تولي ألمانيا رئاسة الاتحاد، ولكن لم يحدث هذا الأمر.
وقال إيكهارت وورتز إن مجالي البتروكيماويات والألمونيوم يمثلان مشكلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فيما تعتبر مجالات التأمين والمصارف والزراعة على درجة أهمية بالغة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فهناك دائما أطراف تربح وأخرى تخسر، حيث ستجني شركتي «دوبال» و«بروج» من الاتفاق.
وفي ظل هذا المناخ الملبد بالكثير من الغيوم بشأن مستقبل اتفاقية التجارة الحرة الأوروبية الخليجية، تطل الاجتماعات العالية المستوى بين الجانبين الإماراتي والألماني التي تحفز على رؤية بصيص من النور في نفق مفاوضات التجارة الحرة الألمانية الأوروبية.
تبادل الخبرات في مجال الطاقة
يثمن المسؤولون في الإمارات إقامة شراكة إستراتيجية بين شركات الطاقة في البلدين نظرا للخطط الطموحة التي تتبناها الدولة في تطوير إنتاج وتصنيع النفط والغاز خلال السنوات القادمة، وبالتالي، تولي أدنوك والشركات الأخرى أولوية كبيرة لاستكشاف آفاق التعاون مع نظرائها الألمان في مجال التقنية.
وقد قامت شركة أدنوك باستضافة الندوة الأولى للطاقة بين ألمانيا والإمارات والتي عقدت في أبوظبي في 20 سبتمبر 2004، وجرى خلالها التعبير عن رغبة أدنوك في إقامة شراكة إستراتيجية مع نظرائها في قطاع الطاقة بألمانيا، وركزت الندوة على استكشاف المشاريع المشتركة المستقبلية بين قطاعي النفط في أبوظبي وألمانيا.
وقد وقع المعهد البترولي الذراع الأكاديمية لأدنوك، ومعهد جوته الألماني على مذكرة تفاهم وهي أول اتفاقية تعاون من نوعها يوقعها المعهد مع مؤسسة تعليمية في المنطقة.
هناك رغبة قوية تجلت خلال الزيارات المتبادلة لوزيري خارجية البلدين الصديقين لتطوير أوجه التعاون بينهما ليشمل هذا التعاون مجالات أوسع ومنها انعقاد ورشة العمل في مجال الطاقة والتي عقدت في أبوظبي بتاريخ 20 سبتمبر 2006 لتبادل الخبرات والمعلومات في مجال الطاقة حيث أوصى المشاركون بعقد ورشة عمل مماثلة في برلين كما يوجد هناك مشروع قائم بين البلدين يتعلق بتبادل الخبرات في مجال مراقبة الصادرات وقد قام الجانبان بزيارات متبادلة لبحث آلية العمل ولوضع خطة عمل بهذا الشأن.
دبي ـ مجدي عبيد