عادت مسألة التضخم والوقوف على معطياته وأسبابه لتطفو على سطح اهتمامات الخبراء الاقتصاديين في دول مجلس التعاون الخليجي، بعد مرحلة خفض الفائدة، التي أعادت تسليط الضوء من جديد على المشكلات الحقيقية التي من شأنها تخفيف حدة هذه القضية التي باتت تشكل هاجساً لدى المسؤولين، في ظل اعتراف بعضهم بتأثيراتها على جاذبية الاستثمار الأجنبي وتدفقاته إلى المنطقة.

وانقسم الخبراء والمتحدثون في مؤتمر تحديات التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي الذي عقد في دبي أمس، في تفنيدهم لأهم الأسباب التي تقف خلف تفاقم مشكلة التضخم في المنطقة والاختلالات الهيكلية التي تعزى إليها هذه الظاهرة.

إذ اتفق معظم الخبراء على أن سياسات النقد المتبعة، وارتباط العملات الخليجية بالدولار الأميركي، تعتبر واحدة من أهم النقاط الجوهرية التي يجب حلها في أسرع وقت ممكن، مشيرين إلى أن استمرار الربط يعني مواصلة خفض الفائدة، والتي تدفع بدورها إلى زيادة حجم الخسائر المسجلة على الفائدة الحقيقية بسبب ارتفاع نسب التضخم.

وأكدوا أن الحل يكمن في إعادة تقييم العملات الخليجية بشكل جماعي، معتمدين على ظهور قوى اقتصادية جديدة في العالم تضاهي قوة وحصة الاقتصاد الأميركي والتي تمثل 27% من الاقتصاد العالمي.

في حين جاء فريق آخر ليؤكد أن أسباب التضخم داخلية، بسبب الإيجارات التي تمثل في ميزان التضخم لبعض الدول مثل الإمارات وقطر أكثر من 50% من إجمالي التضخم، وهو ما قادهم لاعتبار خطوة فك الارتباط أو إعادة تقييم العملات الخليجية مسألة لا تلقي بظلالها الإيجابية على اقتصادات الخليج بسرعة، ولا تفيدهم.

من جهة أخرى اعتبر فريق آخر أن نسب التضخم في 4 دول خليجية وهي السعودية، والكويت، والبحرين، وعمان، لا تدعو للقلق أو الخوف، إذ يبلغ متوسطها 2,2% وهي نسبة بسيطة خاصة إذا ما نظرنا إلى موازاتها لنسب التضخم المسجلة في دول أوروبا.

تغيير السياسات النقدية

أشار خالد علوش المندوب الدائم لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، إلى أن أغلب اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي تتحرك وفقاً لأسعار النفط، وتحاول حكومات الخليج التنويع في اقتصاداتها بالتركيز على العقارات والقطاعات المالية، إلا أن هذه الخطوات لا تغنيهم عن الاعتماد على النفط.

وأشار علوش إلى أن معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي في 2007 كان 7,7%، مقارنة مع ذروة الارتفاعات في 2003 والتي بلغت 9 ,11%، و7 ,9% في 2004، و4, 9% في 2006.

ووصف الاقتصاد الخليجي بأنه كان مبهراً منذ العام 2003، ولكن الاعتراف بأن الطريق مازالت طويلة هي حقيقة يجب الوقوف عندها، نظراً للاعتماد الكبير على الدخل من النفط والغاز.

فدول الخليج مازالت مؤهلة لمواصلة النمو، وتملك المقومات الكافية للسير في هذا الطريق، إذ تتسم بوجود النفط الذي يشهد ارتفاعاً قوياً لأسعاره، فضلاً عن حالة الاستقرار السياسي التي تعيشها رغم ما يحدث في المنطقة من اضطرابات، بالإضافة إلى وجود الإدارة الاقتصادية السليمة.

وأضاف علوش: «هناك دول أخرى تملك النفط ولكنها لم تسجل نمواً وأداءً اقتصادياً فعالاً كما حدث في دول الخليج».

وأكد علوش أن قضية ارتباط العملات الخليجية بالدولار الأميركي كانت مبررة في السابق، نظراً لأهمية الاقتصاد الأميركي وقوته على مستوى العالم الذي يمثل ما نسبته 27%، فضلاً عن تسعيرة النفط بالدولار، ولكن الوقت الراهن يشهد تطورات مختلفة على الصعيد العالمي، فقد ظهرت قوى اقتصادية جديدة على الساحة والمتمثلة في الصين، واليابان، وفرنسا، وروسيا، والتي تظهر مجتمعة حصة أكبر من حصة أميركا، كما أنهم في الوقت ذاته شركاء استراتيجيون لدول الخليج.

وأشار علوش إلى أن نسب التضخم في دول الخليج باستثناء الإمارات وقطر لا تبدو مقلقة على الإطلاق، إذ يبلغ المتوسط الآن 2,2% في السعودية، والبحرين، والكويت، وعمان.

كما أنه يتماشى بحسب الأرقام مع الدول الأوروبية، ولكن فكرة فك الارتباط كما يحاول البعض أن ينظر لها، فإنها لا تعني انتهاء الصداقة وعلاقات التعاون بين أميركا ودول الخليج، فالحقيقة القائمة اليوم تشير إلى أن الدولار خسر 35% من قيمته في آخر 5 سنوات، وإذا استمر الوضع على حاله، فإن دول الخليج ستتجه للتفكير جيداً في استمرارية ربطها عملاتها بالدولار.

وقال: «دول الخليج مطالبة بتحرك جماعي لإصلاح أسعار الصرف، كما انها مطالبة برفع أسعار الفائدة، ولكنهم نتيجة ارتباطهم بالدولار فإنهم يقومون بعكس المطلوب وهو أمر لا يتم دون تغيير السياسة النقدية.

الحاجة لإصلاح أسعار الصرف

أكد جيني ليون، نائب رئيس شعبة دول مجلس التعاون الخليجي بصندوق النقد الدولي، على أن الدول الخليجية ونتيجة ارتباطها بالدولار الأميركي فإنها لا تملك بالتالي أدوات سياسية نقدية للتعامل مع التضخم، مشيراً إلى أن فعالياتها في التعامل مع هذه النقطة غير كافية، في ظل الحاجة لإصلاح أسعار الصرف.

ونوه ليون، إلى أن ربط قضية إصلاح أسعار الصرف بالتضخم لا تسير في السياق الصحيح، فالحل يكمن في هذا الاتجاه بالتحكم في العرض النقدي، وتحفيز الاقتصاد عند القيام بعملية خفض الفائدة، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأميركا وهو أمر يجب أن ينتهي فلكل دولة ظروفها الخاصة بحسب ما يرى ليون.

وأشار إلى أن أرقام التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي متفاوتة بحسب ما يتم التصريح به رسمياً، ولكنه أشار في السياق ذاته إلى أن هذه الأرقام لا يمكن التشكيك بها، ولكن صندوق النقد الدولي يسعى باستمرار إلى مناقشة هذه الأرقام مع الجهات الصادرة عنها، فالإمارات وقطر بناء على الأرقام المعلنة هما الأكثر تضخماً بنسبة 14% و8% على التوالي في 2007، في حين تحتل البحرين والكويت المراتب الأدنى.

وأكد ليون أن قيام دول الخليج بخطوة إعادة التقييم ترفع القدرة الشرائية للعملات، وقيامها بدعم السلع فإن هذه الخطوة ترجع إلى قرار سياسي فالغذاء في النهاية ليس مجانياً.

مشيراً إلى أنهم يجب أن يتحركوا في هذا السياق ككتلة واحدة، نظراً للهدف الواحد المتفق عليه والذي يكمن في الوحدة النقدية، والتي لا يوجد حتى الآن ما يمنع حدوثها في العام 2007، ولكن الدول الخليجية برأيه في المقابل، ملتزمة أما كبح التضخم وهو أمر لن يحدث دون تعديل أنظمة أسعار الصرف.

واختتم ليون قائلاً: «اقتصادات الدول الخليجية حققت في العقد الأخير نمواً وازدهارا، وعلى الرغم من ذلك صاحب هذا النمو ارتفاع تدريجي في الأسعار نتج وتولدت معه ظاهرة التضخم، وأن التطبيق الجيد للسياسات والخطط متوسطة وبعيدة المدى التي تتمتع بالقدرة على احتواء ضغوط الطلب الحالية هي السبيل أمام مواجهة التضخم».

مشكلة التضخم داخلية

وأوضح جياس كوكينت، رئيس قسم البحوث بالبنك الأهلي الوطني بأبوظبي، أن الدول الخليجية تختلف الواحدة عن الأخرى من حيث معدلات ومراحل التضخم، كما وضع التقرير ظاهرة التضخم الخليجية في الإطار والسياق التاريخي والدولي للظاهرة الأمر الذي يساعد على تحديد الأسباب التي أدت إلى التضخم ومعرفة الحلول والتجارب المتاحة والناجحة في مواجهة هذه الظاهرة.

وأكد أن نسبة التضخم في الإمارات عام 2006 كانت 3 ,9%، ويتضح أن الإيجارات تشكل ما نسبته 6 ,5% منها، فإصلاح الصرف لن يفيد التضخم في تخفيضها سريعاً، وهو أمر يركز على أن التضخم مشكلة داخلية وحلها يبدأ من الداخل قبل الخارج، ارتفاع معدل التضخم أعلى من أسعار الفائدة يسبب خسارة في الفائدة الحقيقية.

الوحدات السكنية

تناولت ورقة عمل غرفة تجارة وصناعة دبي التي قدمها المتحدثان عيسى عبد الجليل، الخبير الاقتصادي، وسارة هيوجو، الباحثة الاقتصادية، الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ظاهرة التضخم في دول المنطقة، حيث أشار عيسى عبد الجليل إلى الدور الرئيسي لارتفاع أسعار الوحدات السكنية والأجور في زيادة وانتشار ظاهرة التضخم في المنطقة.

وتحدثت سارة هيوجو عن أثر ارتباط العملات الخليجية بالدولار الذي شهدت قيمته انخفاضا كبيراً أمام العملات الأجنبية الأخرى، واعتبرته أحد الأسباب التي أدت إلى نشوء ظاهرة التضخم.

التدفقات الاستثمارية

قدّر خالد علوش، خلال كلمته حجم التدفقات الاستثمارية المباشرة التي دخلت إلى دولة الإمارات خلال العام 2007 بقيمة 3 ,8 مليارات دولار «أي ما يعادل 5, 30 مليار درهم»، في حين صدّرت دول مجلس التعاون الخليجي خلال العام الماضي استثمارات نقدية مباشرة بقيمة 5, 12 مليار دولار ، ثلثاها للكويت، ونصيب الإمارات من الاستثمارات المصدرة ما قيمته 3 ,2 مليار دولار «أي ما يعادل 5, 8 مليارات درهم».

دبي ـ سمير حماد