«ليس هناك وقت أفضل من الوقت الحالي للاستثمار في ألمانيا» توجز هذه العبارة الواردة على لسان سمير الأنصاري المدير التنفيذي لـ «دبي إنترناشيونال كابيتال» الأسباب التي حدت بأصحاب الأعمال في الإمارات إلى توجيه بوصلتهم الاستثمارية إلى الحصول على حصص في شركات ألمانية.
كما تعبر عن تطلع الأموال الإماراتية إلى الانسياب السلس إلى سوق يتم بدرجة عالية من التنافسية والنضج، وهو الأمر الذي من شأنه أن يجعل دعوات المسؤولين الإماراتيين والألمان بتعزيز التعاون الاستثماري بين البلدين واقعا ملموسا على الأرض، وليس مجرد نداءات يتردد صداها فقط في أروقة الاجتماعات الرسمية من دون أن تكون لها قاعدة تنهض عليها.
وقد اكتسبت هذه التطلعات ـ في رأي المراقبين ـ المزيد من الإلحاحية مع بروز مفارقة رئيسية في العلاقات التجارية والاستثمارية وهو عدم التوازي بين حجم الأموال الإماراتية المتدفقة على السوقين الأميركي والبريطاني، وتلك المتدفقة على السوق الألماني، بالرغم من تواجد أزرع تجارية واستثمارية للدولتين تضع في صدارة أجندة عملها تعزيز روابط الأعمال بين الجانبين الإماراتي والألماني.
بحيث صار التحدي الرئيسي هو كيفية المواءمة بين طرفي معادلة، يتجسد طرفها الأول في المصلحة الألمانية المتمثلة في العمل على زيادة صادرات الشركات الألمانية إلى السوق الإماراتي، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي للدولة في الحصول على شريحة مهمة من السوق الخليجي بشكل عام، فيما يتمثل الطرف الثاني في المصلحة الإماراتية في تصحيح الخلل الحالي في الميزان التجاري.
والذي يميل بشدة لصالح ألمانيا عن طريق إتاحة المزيد من النفاذ للسلع والخدمات الإماراتية إلى السوق الألماني، فضلا عن إتاحة إمكانية التدفق السلس للأموال والاستثمارات الإماراتية، وذلك على اعتبار أن الإمارات لم تعد دولة مصدرة للنفط فقط، بل أضحت كذلك مصدرة لرأسمال.
وقد تدفقت بالفعل أموال إمارتية على غرار حال وضع الدول الخليجية الأخرى على السوق الألمانية، وتصدرت عمليات شراء حصص في شركات ومؤسسات ألمانية من العيار الثقيل اهتمام أوساط الأعمال على مستوى العالم، وارتبطت شركات إماراتية بعمليات استحواذ تخص علامات تجارية متجذرة في التاريخ الألماني، بزيادة استهداف رؤوس الأموال الإماراتية كبريات الشركات في ثالث أكبر اقتصاد على مستوى العالم.
صفقات استحواذ
وشكل استحواذ شركة دبي انترناشيونال كابيتال على حصة في مؤسسة ديملر كرايزلر ثاني أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم المالكة لمرسيدس، في صفقة بلغت قيمتها قرابة مليار دولار أميركي واحدة من صفقات الاستحواذ الكبرى في العالم، حيث صارت شركة دبي انترناشيونال كابيتال ثالث أكبر مساهم في الشركة المذكورة بحصة بلغت نسبتها 2%.
وفي السياق ذاته، أشترى مركز دبي المالي العالمي حصة تبلغ 2,2 في المئة في دويتشة بنك الألماني، وتبلغ قيمة الحصة نحو 35 ,1 مليار يورو نحو (83 ,1 مليار دولار)، وجاءت عملية الشراء في ظل تبني المركز استراتيجية ترمي إلى الاستحواذ على حصص في مؤسسات مالية عالمية.
لم تكن هذه الصفقات مجرد استثمار جيد فحسب، بل مثلت كذلك إشارة تنم عن الرغبة لإرساء المزيد من العلاقات المتينة بين الشركات الألمانية ومثيلتها الإماراتية، وتجلت هذه الرغبة في العديد من لقاءات الأعمال بين الشركات الإماراتية ونظيرتها الألمانية، فضلا عن المؤتمرات وورش العمل التي جمعت أصحاب أعمال من البلدين.
وتنهض هذه التطلعات، على واقع يزخر بمؤشرات تنم عن مرور الاقتصاد الألماني بمرحلة تحول جذرية تؤشر بتعافيه وانتعاشه من حالة الركود التي سيطرت عليه لسنوات عديدة، فبحلول نهاية عام 2006، رفعت ست مؤسسات تقييم توقعاتها لنمو الناتج المحلي الألماني من 8 ,1 إلى 3 ,2% لعام 2006، ومن 2, 1 إلى 4,1 % لعام 2007، وقد تضاعفت بالفعل أرقام النمو الاقتصادي على مدار الخمس أرباع الأخيرة بالمقارنة مع الأرقام التي سجلتها خلال الفترة الممتدة من عام 1994 إلى عام 2004.
إعادة الهيكلة
ويسلط سمير الأنصاري المدير التنفيذي لـ «دبي إنترناشيونال كابيتال» الضوء على تحسن المناخ الاستثماري في ألمانيا بقوله: لم يكن مطلقا هناك وقت للاستثمار في ألمانيا أفضل من الوقت الحالي، حيث ينطوي إطلاق المبادرات لإعادة هيكلة الاقتصاد الألماني على دلالة مؤداها أن الفرص الاستثمارية بين دول مجلس التعاون الخليجي وأكبر اقتصاد أوروبي ستسلك مسار الصعود، ويتجلى نجاح هذه العلاقات في نمو الصادرات بقيمة مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2006.
وبالفعل، تألقت مكانة السوق الألماني في الأجندة الاستثمارية الإماراتية نتيجة لحالة التعافي والانتعاش التي تظلل الوضع الاقتصادي في ألمانيا، سواء على صعيد تزايد الثقة في الاقتصاد الألماني بعدما نفض عن كاهله حالة الركود والانكماش التي ظلت ملازمة له لسنوات عديدة، أو على صعيد تحسن الأوضاع المالية للشركات الألمانية.
عودة الثقة
وعلى أرضية حالة التعافي، عاد مجددا المحللون والخبراء لقدح زناد أفكارهم لابتكار توصيفات وتسميات تعبر عن حالة الازدهار التي يمر بها الاقتصاد الألماني، وذلك بعدما فقد لقب «المعجزة الاقتصادية الألمانية» الكثير من بريقه تحت وطأة الركود الذي خيم على الوضع الاقتصادي لسنوات عديدة.
وذلك على الرغم من احتفاظه بمكانته كأكبر اقتصاد على صعيدي منطقة اليورو والقارة الأوروبية بشكل عام، وعليه، ظهرت على سطح التحليلات توصيفات أخرى على غرار «إعادة الاحياء» و«التحول الكلي» و«تجدد الثقة».
وبعدما تراجعت ثقة الأعمال في الاقتصاد الألماني في أبريل 2005 إلى أدنى مستوياتها على مدى عامين، صعدت الثقة في الاقتصاد الألماني بوتيرة تعد الأسرع على مدى 15 عاما.
وذلك في غضون أشهر قليلة من تولي الدكتورة أنجيلا ميركل منصب المستشارية في ألمانيا، حيث قدرت مؤسسة «آي إف أو» للبحوث الاقتصادية ومقرها ميونيخ في مطلع عام 2007 أن ثقة الأعمال واصلت صعودها على الرغم من قوة اليورو والزيادة المحتملة في ضريبة القيمة المضافة.
وكشفت دراسة شهرية أجراها معهد زيو للبحوث الاقتصادية ومقره مانهايم ان ثقة المستثمرين في ألمانيا ازدادت بواقع 9,22 نقطة مئوية لتصل إلى 6 ,61 بالمئة في ديسمبر الماضي وهو أعلى مستوى لها منذ فبراير 2004 وقال المعهد إن مؤشر الثقة تجاوز بكثير مستواه التاريخي وهو 5,34 بالمئة، وأضاف أن السبب الهام للتفاؤل هو زيادة الثقة الاستثمارية لدى الشركات الألمانية مما انعكس على نواح كثيرة منها زيادة الطلب المحلي حسبما ذكرت شركات توريد البضائع الاستثمارية.
وقدرت مجموعة «جي.اف.كيه» لأبحاث السوق ومقرها نورمبيرج في تقريرها الأخير أن ثقة المستهلكين في ألمانيا ارتفعت إلى أعلى مستوى لها منذ خمسة شهور في أكتوبر الماضي.
ورصد مكتب الإحصاءات الفيدرالي أن الصادرات الألمانية والتي بلغت قيمتها 7 ,68 مليار يورو (27, 81 مليار دولار أميركي) في أكتوبر الماضي، ازدادت بنسبة 2, 7 بالمئة عن العام السابق، رغم أن هذا الرقم انخفض بنسبة 6,0 بالمئة المعدلة موسميا وذلك في سبتمبر.
وورد في تقرير صادر عن معهد كيل لاقتصادات العالم وهو مؤسسة اقتصادية رائدة في سبتمبر الماضي أن الاقتصاد الألماني خرج من دائرة الضعف التي استمرت منذ ربيع عام 2004.
تعافي الشركات الألمانية
وشكل التغير الجذري في الأداء المالي للشركات الألمانية أحد الأسباب الرئيسية المسؤولة عن سلك الاقتصاد الألماني مسار الصعود، وهو ما يعني أن الشركات الألمانية صارت أكثر جاذبية لرؤوس الأموال الأجنبية، ومن بينها الأموال الإماراتية.
وفي رأي ديرك سكيميشر المدير التنفيذي في مؤسسة «جولد مان ساكس» أنه غير ممكن نسب فضل هذا التحول الضخم في الاقتصاد الألماني كليا إلى الدكتورة أنجيلا ميركل أو سلفها، بل يمكن نسب جزء من هذا الفضل إلى قادة أعمال الشركات الذين قاموا بإصدار قرارات كان لها أبلغ الأثر في تغيير حظوظ هذه الدولة في مجال الأعمال، وهو الأمر الذي يفسر التغييرات الرئيسية التي شهدها الوضع المالي للشركات خلال الفترة من 2003 إلى 2005.
ومع ازدهار الاقتصاد العالمي، حظيت الشركات الألمانية بالكثير من الدعم، ولعبت البنوك دورا مهما، حيث انها شرعت مع تغيير عاداتها في إقراض القطاع الخاص، وذلك نتيجة لتراجع هذا المعدل على مدى عامين، على الرغم من ارتفاع معدل الإقراض في بقية دول منطقة اليورو نتيجة لقيام البنك المركزي الأوروبي بخفض معدل الفائدة.
بيد أن حملة أسهم البنوك- بحسب آراء ديرك سكيميشر ـ طالبوا بزيادة مستويات الإقراض لتحقيق ربحية أكبر، خصوصا وأن الشركات الألمانية اتجهت إلى الحصول على التمويل من الأسواق المالية وصناديق الاستثمار، وذلك بسبب تركيز البنوك على ضمانات الإقراض، فيما اهتمت الصناديق الاستثمارية وأسواق المال بتحقيق الربحية، ومع صعود معدل الإقراض، وتحسن الوضع المالي للشركات، بدأت الشركات تتجه مجددا إلى الحصول على القروض من البنوك، بعدما صارت أكثر قدرة على تلبية متطلباتها.
إعادة الهيكلة
وقد مرت عملية إعادة هيكلة الشركات الألمانية بتحديات ناجمة عن ضغوط النقابات العمالية التي طالبت رفع الأجور وخفض ساعات العمل، ولكن مثل إخفاق الإضراب الذي نظمه إتحاد صناعة الصلب الألمانية في رأي ديرك سكيميشر نقطة البداية التي انطلقت بعدها الشركات الألمانية على طريق تنفيذ خطط الهيكلة، حيث اكتشفت مجالس إدارات ضعف القوة التساومية لاتحادات العمال، ومن هنا صار بالإمكان إعادة هيكلة الشركات.
ويرى ديرك سكيميشر أن الشركات الألمانية قد اجتازت المرحلة الدفاعية في عملية إعادة الهيكلة، وهي مرحلة خفض التكاليف، ولكن يظل الخطر الحقيقي الماثل خلال الاثني عشر شهرا المقبلة متمثلا في خطة الحكومة الخاصة باتباع سياسة مالية متشددة، بيد أن الاقتصاد قد تمكن من تحصين ذاته بالشكل الذي يكفل له استيعاب مثل هذه الصدمات، فعلى الرغم من زيادة ضريبة القيمة المضافة خلال الربع الأول من عام 2007، إلا أن الشركات قد أعلنت اعتزامها توظيف المزيد من العمالة.
وهو ما يدل على ثقتها في المستقبل، حيث أظهر توفير ما يزيد على 300 وظيفة في عام 2006 تزايد قدرة الاقتصاد الألماني على استيعاب الصدمات.
وعليه، توقع كبار الخبراء الاقتصاديين الألمان ارتفاع الأجور في ألمانيا في العام الجاري بمعدل قد يكون الأعلى منذ 13 سنة، في الوقت نفسه توقعوا استمرار نمو الاقتصاد الألماني وانتعاش تجارة التجزئة وانخفاض معدلات البطالة في عام 2008.
وتأتي هذه الزيادة عقب فترة طويلة من جمود الأجور في ألمانيا، كما يأتي وسط توقعات باستمرار هبوط معدل البطالة بعد عامين من النمو الاقتصادي القوي للبلاد.
وفي الوقت نفسه، توقع كلاوس فوبنهورست، رئيس معهد «جي إف كيه» لأبحاث المستهلكين ارتفاع إنفاق المستهلكين خلال عام 2008، ليزيد الآمال بأن الطلب المحلي الألماني القوي قد يساهم في تعويض الآثار الناجمة عن تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي.
جني المكاسب
ويقدر خبراء أن ألمانيا ستواصل جني مكاسب من قوة الأسواق الصاعدة في البرازيل وروسيا والهند والصين، ومن ثم، سينمو الاقتصاد بنسبة تبلغ 2% خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وقد تعززت ساحة الاستثمار الألمانية بفعل تمتعها بشهرة لا تبارى في مجال البحوث والإحصائيات، وفيما يمثل زيادة استخدام اللغة الإنجليزية من جانب الخليج والألمان في دوائر الأعمال عاملا معززا لزيادة التواصل بين الجانبين، وهناك حوالي 649 شركة ألمانية مدرجة في ألمانيا، ويجري التداول على أسهم 1053 شركة أجنبية برأسمال سوقي قيمته 3, 1 تريليون دولار.
وعلق الدكتور آنديراس فابريتييس في شركة «فريشفيلديز بريكهاس» للاستشارات القانونية الدولية أنه على الرغم من محدودية عدد الاكتتابات الأولية الألمانية بالمقارنة مع المراكز المالية الرئيسية، إلا أن عدد الشركات المتداولة آخذ في التزايد، وأوضح أن ألمانيا لا تميز ضد الاستثمارات الأجنبية.
وتقع في نفس المرتبة التي تشغلها المملكة المتحدة في مجال القبول العادل والشفاف للاستثمارات الأجنبية، كما تأتي ألمانيا التي تعتبر ثالث اكبر اقتصاد في العالم في المرتبة التالية بعد الولايات المتحدة على مؤشر التنافسية العالمية.
وقد تضافرت هذه العوامل مجتمعة في تحسين ثقة المستهلك وزيادة الإنفاق ورفع معدل النمو، وزيادة جاذبية السوق الألمانية في أعين أصحاب الأعمال الإماراتيين.
دبي ـ مجدي عبيد
