ثبت من التقرير الاقتصادي السنوي لعام 2008 الذي أعلنه وزير الاقتصاد والتقنية الألماني ميخائيل جلوس في بداية العام أن ألمانيا تسير على طريق النمو الاقتصادي المذهل، ويشعر الناس هناك بهذا الانتعاش الاقتصادي، وبدأت الإصلاحات التي تطبقها الحكومة تؤتي ثمارها أخيراً.
وذكر التقرير أن ألمانيا سجلت نمواً بنسبة 5, 2% في 2008، مقابل 8 ,1% في 2007، وانخفض معدل البطالة فيها إلى 9%، وهو أقل معدل منذ 1995 وينخفض معدل البطالة بشكل كبير مقارنة بمرحلة الانتعاش الاقتصادي السابقة.
وترتفع ثقة المستهلك بشكل مطرد، والمتوقع ان ينمو الدخل الخاص بنسبة تزيد على ارتفاع الأسعار الاستهلاكية بمقدار 7, 2% ويحتمل أيضا أن يتراجع العجز في ميزانية الحكومة، المستمر منذ عقدين، عندما يتلو جلوس بيان ميزانية الحكومة، وذلك لأول مرة منذ عام 1989، بفضل ارتفاع عائدات الضرائب على خلفية تسارع النمو الاقتصادي.
كما تمكنت ألمانيا من الاحتفاظ بالمركز الأول عالمياً، من حيث حجم الصادرات، متفوقة على أميركا والصين في هذا الصدد.
غير أن هذا الانتعاش لم يكن مجانياً، فقد كان يشار إلى ألمانيا بأنها «مريض أوروبا» لعدة سنوات لأن نموها الاقتصادي كان بطيئا منذ مطلع التسعينات، مقارنة بأي دولة صناعية أخرى، حتى بلغت هذه النسبة معدلاً محزنا (8,0%) في 2005، وبلغ معدل البطالة 13% خلال ذاك العام، وهو أعلى معدل منذ الحرب العالمية الثانية، وسارع الخبراء إلى تشخيص المرض الذي يعاني منه رجل أوروبا الذي كان يوصف بالرياضي، في إشارة إلى قوة ألمانيا الاقتصادية، ومحرك أوروبا الاقتصادي.
وشخص الخبراء الأسباب على أنها البيروقراطية وعدم مرونة سوق العمل المحلية التي أصابها الشلل بسبب لوائح جامدة، وارتفاع الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية، والأكثر من ذلك أن الصناعة الألمانية عانت من الدول ذات العمالة الرخيصة في آسيا وأوروبا الشرقية أكثر من أي بلد صناعي آخر.
ونتيجة لأن هذه الدول أصبحت تصدر منتجات بتكلفة أقل وقدرة تنافسية أعلى، تم نقل العديد من قواعد الإنتاج الألمانية إلى الخارج، فيما ظلت أعداد كبيرة من الشعب الألماني بلا عمل.
طريق مسدود
لقد تأثر الاقتصاد الألماني أكثر من أي شيء آخر بفعل انضمام شطري ألمانيا (الغربية والشرقية الاشتراكية) وبعد سقوط الستار الحديدي، واجهت ألمانيا الفيدرالية تحدياً تاريخيا لتحقيق الانسجام بين الشطرين اقتصادياً.
فقد كانت ألمانيا الفيدرالية (الغربية) تطبق قواعد الاقتصاد الحر المفتوح بنجاح على أساس نموذجها الرأسمالي لكن جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية (سابقاً) كانت في وضع اقتصادي مذر وغارقة في الديون. ولا تزال عملية إدماج الاقتصاديين مستمرة حتى الآن.
وبعد نحو 20 عاماً من توحيد شطري ألمانيا، كان 5,4% من الأداء الاقتصادي للشطر الغربي سابقاً يتعرف إلى الشريك الشرقي الجديد (ألمانيا الشرقية سابقاً) وبلغ ثمن أوتكلفة اندماج شطري ألمانيا في شكل دعم حتى الآن 5,1 تريليون يورو، أي ضعف إجمالي الناتج المحلي لدول مجلس التعاون الخليجي معاً.
الإصلاح الاقتصادي
وقبل عامين من وصول الاقتصاد الألماني إلى هذا الطريق المسدود، بادرت حكومة المستشار جيرهارد شرودر ببرنامج شامل يسمى «خطة 2010» وهو مجموعة من الاصلاحات تهدف إلى تعزيز الاقتصاد الألماني المريض.
وكان هدف هذه الخطة التي لاقت معارضة واسعة من الشعب الألماني، إنقاذ نظام الضمان الاجتماعي من الإفلاس وزيادة معدلات التوظيف وتحديث الدولة. وتم خفض معاشات التقاعد وبدأت مبادرة إصلاح نظام الرعاية الصحية الوطني بالإضافة إلى إجراءات أخرى.
كما تم خفض المزايا الوظيفية إلى أقصى حد ممكن. وفي ذات الوقت، تم خفض الضرائب على الفئات العليا من الدخل من 53% إلى 42% كما أدخل شيرودر أيضا مجموعة من المزايا والدعم للذين يسعون إلى إنشاء مشاريع جديدة.
وأخيرا اضطر شيرودر أن يدفع الثمن أيضا مقابل هذه الإصلاحات غير الشعبية، فخسر في انتخابات 2005، وحصدت الحكومة الألمانية الجديدة ثمار هذه الإصلاحات. وقالت مستشارة ألمانيا الحالية انجيلا ميركل «أود أن أشكر شخصياً المستشار شيرودر لشجاعته وعزمه الباسل في فتح الباب أمام نظام تحديث جديد بطرح خطة 2010.
انتعاش جديد
وعاد الاقتصاد الألماني إلى سرعة نموه مرة أخرى، ويحق للوزير ميخائيل جلوس أن يبتسم الآن، ويستطيع الألمان التركيز مرة أخرى على ما يجيدونه، وهو الهندسة الانتاجية، والتقنية المرتفعة المستوى والابتكار من خلال الأبحاث والتنمية وإنتاج السلع الممتازة التي صنعت لتعيش لأجل طويل. وعادت ألمانيا إلى مكانتها الأولى على مسرح الاقتصاد العالمي.
وهنا طلب عالمي مرتفع على الآلات الألمانية وتمثل الهندسة الميكانيكية 138 مليار يورو من الاقتصاد الألماني. ويعمل 850 ألف شخص في هذا القطاع، مما يعطي ألمانيا المركز الأول في تصدير الماكينات والآلات والمصانع على مستوى العالم.
وتقول مؤسسة الهندسة الألمانية أن ألمانيا هي الأولى عالمياً في ثلث أفرع الصناعة الهندسية في العالم وأنظمة الطاقة والمحركات. وتسيطر ألمانيا على ربع السوق العالمية في هذه المجالات فضلا عن أن عائدات قطاع الهندسة الالكترونية تبلغ 152 مليار يورو سنويا.
وقطاع الالكترونيات الدقيقة من أسرع القطاعات نمواً في الصناعة الألمانية، وتكتسب منطقة الشرق الأوسط سريعة النمو أهمية متزايدة كسوق للمبيعات في السنوات الأخيرة.
10 ملايين سيارة سنوياً
تزدهر صناعة السيارات الألمانية، وتبلغ عائداتها ربع تريليون يورو سنوياً، ويعمل بها 770 ألف شخص. وتنتج هذه الصناعة سيارات متقدمة أمثال أودي وفولكس فاجن وبي ام دبليو وديلمر وبورشة، وبذلك تحتل ألمانيا مكانة بارزة في صناعة السيارات العالمية.
ولا منافس للسيارات الألمانية في قطاع السيارات الفاخرة القوية، وتنتج ألمانيا نحو 6 ملايين سيارة سنوياً على أرضها، فضلاً عن 8,4 ملايين سيارة في أماكن أخرى في العالم. وهنا يأتي الشرق الأوسط مرة أخرى، وخاصة دول الخليج، ليصبح منطقة متزايدة الأهمية لصادرات صناعة السيارات الألمانية. ولم تكن مصادفة أن أحدث طراز من بورشة كايين أطلق في دبي، وليس في شتوتجارت.
صناعة الكيماويات
يعمل في صناعة الكيماويات الألمانية 440 ألف شخص وتحتل ألمانيا المكانة الأولى عالمياً في تصدير الكيماويات ويعترف بها العالم على أنها الأولى ليست فقط في الإنتاج بل في الأبحاث أيضا. وهناك 80 جامعة في ألمانيا متخصصة في أبحاث الكيماويات والكيمياء العضوية.
ويوجد أيضاً عشرات من معاهد البحث الكيميائي. ويبلغ الإنفاق الحكومي والخاص على الأبحاث والتطوير الكيماوي 7 مليارات يورو حسب أرقام العام الماضي فقط.
وزاد الاستثمار الأجنبي في هذا المجال ثلاثة أضعاف ليصل إلى 25 مليار يورو خلال الـ 15 سنة الماضية. وقال بحث حديث أجرته أرنست آند يانج إن ارتفاع مستوى التعليم والاهتمام في صناعة الكيماويات الألمانية هو العنصر الرئيسي الذي يساهم في نجاح هذه الصناعة.
الرعاية الصحية
والرعاية الصحية في ألمانيا هي قطاع صناعي نموذجي آخر في ألمانيا. وأعلنت الحكومة الألمانية مؤخراً قراراً بتخصيص 800 مليون يورو للأبحاث والتطوير في التقنيات الطبية حتى 2009. ويبلغ هذا الرقم 9% من انفاق الشركات الطبية الألمانية، على الأبحاث والتطوير أيضاً.
يضاف إلى ذلك عدد لا حصر له من المراكز الأكاديمية الممتازة في الدراسات الطبية في أنحاء البلاد. ولهذا يتضح سبب تفوق ألمانيا عالمياً في المنافسة وانتظار الحلول الطبية وتقنياتها.
وقد أدى ارتفاع عدد المسنين بين السكان في العقود الأخيرة إلى تحول نجاح هذه الصناعة إلى ضرورة. وتتمتع صناعة الرعاية الطبية الألمانية بسمعة عالمية ممتازة، وكذلك في الشرق الأوسط. وكان الجناح الألماني هو الأكبر في معرض الصحة العربي السنوي الذي عقد في دبي مؤخراً.
الصناعة اللوجستية
ويعطي موقع ألمانيا الجغرافي الذي يتوسط أوروبا عنصراً رئيساً في جعل ألمانيا مركزاً لوجستياً في القارة، حيث يحيط بها 10 دول أوروبية من جميع الاتجاهات.
وزادت أهمية ألمانيا كمركز للنقل بين شرق وغرب أوروبا بشكل كبير منذ دخول أعضاء جدد في الاتحاد الأوروبي من أوروبا الشرقية. ويعمل في الصناعة اللوجستية الألمانية الأكبر من نوعها في أوروبا 5 ,2 مليون شخص وتدر عائدات تبلغ 170 مليار يورو سنوياً.
وشركة البريد الألمانية العالمية التي تشمل أيضاً شركة دي اتش إل، هي أكبر شركة لوجستية في العالم ويعمل بها 520 ألف شخص في أنحاء العالم.
وسجل القطاع اللوجستي الألماني في العام الماضي نمواً بنسبة 5%، الأعلى في أوروبا قاطبة. ومرة أخرى يأتي دور التعليم العالي في مجال اللوجستية والأبحاث الذي يلعب دوراً مهماً في ريادة ألمانيا العالمية في هذا المجال. وتدرس علوم اللوجستيات 40 جامعة و50 كلية في ألمانيا.
الأبحاث والتطوير
روح الابتكار هي الميزة الحيوية التي تتمتع بها ألمانيا وتشكل قدرتها التنافسية العالمية. في مجال الطاقة المتجددة مثلاً طورت ألمانيا بسرعة إطاراً قانونياً يهدف إلى وضع سياسة صناعية صديقة للبيئة مستمرة ومستقرة بناء على أبحاث سابقة، بهدف حماية البيئة العالمية.
ويطالب قانون الطاقة المتجددة الصادر عام 2000، شركات الطاقة بشراء الطاقة المتولدة من مصادر متجددة بسعر ثابت لا يرتفع لمدة 20 سنة. وأدى ذلك إلى نشوء صناعة طاقة متجددة رائدة عالمياً في ألمانيا، خاصة في قطاعات توليد الطاقة من الرياح والشمس والوقود الحيوي والخلايا الضوئية.
وتتصدر ألمانيا أوروبا من حيث عدد السكان البالغ 5,82 مليون نسمة، وبالتالي تستفيد ألمانيا من هذه السوق الواسعة. غير أن قوتها الاقتصادية ناشئة من الصادرات وتشكل الصادرات ثلث إجمالي الناتج المحلي لألمانيا وتساهم بنسبة 80% من نموها الاقتصادي منذ عام 2000.
ورغم أن شركات أمثال سيمنز ولوفتهانزا وبي إم دبليو وديملر وباير هي صاحبة أشهر المنتجات الألمانية عالمياً، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة تشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وأبطال السوق العالمية من الشركات الألمانية هي الشركات التي يقل العاملون فيها عن 250 شخصاً.
