تعتبر ألمانيا قلبا نابضا للاقتصاد العالمي وركيزة أساسية لأوروبا، وبعدد سكانها البالغ نحو 83 مليون نسمة تعتبر أكبر وأهم سوق في دول الاتحاد الأوروبي.
ويصل حجم الناتج القومي المحلي إلى 2,2 تريليون يورو، ويبلغ متوسط دخل الفرد 27 ألف يورو. ويؤشر مناخ الثقة القوية بين المستثمرين والمحللين إلى نجاح ألمانيا في تفادي المشكلات الاقتصادية التي تواجه الولايات المتحدة. وعززت البيانات التوقعات بشأن قدرة الاقتصاد الألماني على مواصلة الأداء الجيد الذي سجله بعد خروجه من دائرة الانكماش التي عانى منها في السنوات السابقة.
ويعتمد الاقتصاد الألماني على محركين أساسيين هما الصناعة والتجارة الخارجية، رغم تأثر المحرك الثاني بارتفاع سعر اليورو خلال الفترة الأخيرة.
وحافظت ألمانيا خلال السنوات الماضية بلقب أكبر دولة مصدرة في العالم رغم المنافسة الصينية، ويرجع الفضل في نجاحها في الأسواق العالمية إلى الجودة والابتكار التكنولوجي. ويبلغ المتوسط السنوي للصادرات الألمانية نحو تريليون دولار، وتسهم الصادرات بنحو 40% من الناتج المحلي.
وتشكل الصناعة العصب الأساس في الصادرات الألمانية حيث تبلغ مساهمتها نحو 80%. وتشهد معدلات الطلب على المنتجات الألمانية ارتفاعاً كبيراً.
ويحاول خبراء الاقتصاد الألماني إيجاد موازنة معقولة بين الانتعاش الكبير الذي تشهده معظم القطاعات والحفاظ على معدلات مرتفعة من حيث القدرة الشرائية للسكان إضافة إلى الوصول لحلول للمشكلات المتعلقة بالسياسات الضريبية.
وكان الخبراء قد حذروا في وقت سابق العواقب التي تترتب على رفع ضريبة القيمة المضافة، باعتبار أنها يمكن أن تؤثر سلبا على الطلب الداخلي في الاقتصاد. كما اعتبروا أيضا أن اليورو القوي يمكن أن يكون خطرا على التجارة الخارجية، حيث سترتفع أسعار الصادرات الألمانية نسبيا في الخارج.
لكن في الجانب الآخر يرى محللون أن تلك التحذيرات والمخاوف لم تثبت صحتها وذلك نظراً لأن الازدهار الاقتصادي يقوم على أسس متينة ذات أبعاد تعتمد على خطط طويلة الأمد. ويرون أن الحكومة الألمانية الاتحادية أوجدت من خلال تخفيض الضرائب، والإصلاحات في سوق العمل أرضية صلبة لهذا الازدهار.
فالشركات رفعت كفاءتها في المشتريات وفي التكاليف، واستثمرت في منتجات مبتكرة دعمت موقفها التنافسي. والعمال ساهموا بدورهم من خلال محافظتهم على مستويات الدخل وعدم المطالبة بالزيادات، إضافة إلى زيادة عدد ساعات العمل.
واكتسبت الصناعات الألمانية سمعة عالمية قوية ولم يكن الأمر وليد اليوم بل هو أمر تاريخي، فمنذ عشرات العقود وفي ظل المنافسة القوية بين بريطانيا وألمانيا خرجت ملكة بريطانيا بعبارتها المشهورة التي قالت في معناها إن الألمان هم أسياد الصناعة في العالم مستدلة بمنتجين مهمين في ذلك الوقت وهما «الأسبرين» و«المرسيدس» وهذا يدلل على عمق تاريخ الصناعة الألمانية وتنوعها.
ولا يقتصر تفوق الشركات الألمانية حالياً على القطاعات التقليدية، مثل بناء الآلات وصناعة السيارات والصناعات الكيميائية، ولكن أيضا في القطاعات المستقبلية مثل تقنيات المعلومات والبيئة والتقنيات الدقيقة، إضافة إلى التقنيات الطبية وتقنيات مصادر الطاقة المتجددة والبديلة.
ويعتبر التجمع الصناعي للتقنيات الطبية في منطقة توتلينغن في ولاية بادن فورتمبيرغ الذي يضم 560 شركة متخصصة (العاصمة العالمية) لإنتاج أدوات الجراحة.
وكان استطلاع لمجلة «إيكونوميست» قد اختار ألمانيا كأكثر البلدان الأوروبية إغراء للمستثمرين. وهو أمر لم يأت من فراغ، فالمستثمرون العالميون يقدرون الديناميكية القوية التي تميز الاقتصاد الألماني، وتعطيه لقب المحرك الذي يدفع عجلة الاقتصاد الأوروبي، بلا منازع.
ويأتي التميز الاستثماري لألمانيا انطلاقاً من طبيعة الشركات والمؤسسات المجددة والفاعلة عالميا والأيدي العاملة المؤهلة والمدربة والبنية التحتية المتطورة. وبحكم موقعها الجغرافي المركزي تعد ألمانيا أيضا حلقة وصل تربط الأسواق الجديدة في شرق وجنوب أوروبا وحتى ما وراء حدود منطقة اليورو.
وكثالث قوة بارزة في مجال الاقتصاد القومي تحتل ألمانيا مكانة الصدارة في العالم بأسره كما تعد من أهم وأكبر الأسواق في أوروبا نظرا لضمها لأكبر عدد من السكان داخل الاتحاد الأوروبي. وتعتبر بلدان الاتحاد الأووربي والولايات المتحدة أهم شريك تجاري.
وكانت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل قد حددت في يناير الماضي ملامح سياساتها الاقتصادية للعام الحالي ولخصت أهم أولوياتها في إيجاد المزيد من فرص العمل للحد من مشكلة البطالة، كما استبعدت المستشارة آية تخفيضات أخرى في الضرائب خلال الفترة المقبلة من اجل الحفاظ على ميزانية متوازنة.
وأبدت ميركل تفاؤلها بالتطور الاقتصادي في ألمانيا رغم اضطرابات البورصة في الآونة الأخيرة، مطالبة بزيادة الشفافية بأسواق المال العالمية.
وقالت إن تذبذب سعر صرف الدولار أمام اليورو تسبب في بلبلة لكن لا داعي للتشاؤم. وتوقعت تطور سوق العمل الألماني في 2008 بناء على دراسات تنبأت بارتفاع معدلات النمو بخطى ثابتة ومستقرة. وأكدت ميركل وجود توقعات بزيادة متوسط نسبة صافي أجور العاملين معللة ذلك بانخفاض معدلات التضخم عن معدلات ارتفاع الأجور مستقبلا.
وأكدت البيانات أن ثقة المستثمرين في الاقتصاد الألماني ما زالت تحافظ على مستوياتها المرتفعة. وفي آخر تقرير صادر عن مركز الأبحاث الاقتصادية الأوروبية «زد.إي.دبليو» بلغ المؤشر 24 نقطة.
وأشار المركز إلى أن المسح الذي أجري في أوساط الخبراء الماليين أظهر استقرار الثقة في استمرار الانتعاش الاقتصادي بألمانيا. وأضاف أن الطلب الاستثماري ينمو بقوة كما أنه من المتوقع نمو الطلب الاستهلاكي خلال الأشهر المقبلة في ضوء التحسن المستمر في أوضاع سوق العمل بالبلاد.
