ليست العلاقة بين السوريين وفيروز تشبه أي علاقة أخرى بين مطرب وجمهوره، فصباحات السوريين منذ أكثر من خمسين عاماً تزينها أغنيات فيروز، منذ أن درجت إذاعة دمشق على بث أغنياتها لمدة ساعة كاملة بشكل يومي من الساعة السابعة صباحاً وحتى الثامنة. وقد سارت على هذا المنوال جميع الإذاعات الخاصة التي أنشئت في سوريا منذ سنوات قليلة.
وغني عن القول إن معرض دمشق الدولي، وهو أهم نشاط ثقافي واجتماعي واقتصادي، في سوريا ارتبط منذ أواسط الأربعينات، بفيروز التي اعتادت أن تقدم فيه مسرحياتها وحفلاتها الغنائية حتى أواخر السبعينات، ولذلك تكتسب زيارة فيروز إلى دمشق هذه الأيام أهمية خاصة، في ظل جدل سياسي محتدم وأجواء ملبدة بالغيوم، خصوصاً أن بعض السياسيين في لبنان حاولوا تسييس الزيارة موجهين اللوم لفيروز على غنائها في دمشق، وهو ما أثار عاصفة من الجدل لم تنته حتى الآن.
يقول الكاتب حسن. م يوسف في تصريح لـ (البيان) حول معنى أن تغني فيروز في دمشق هذه الأيام: «فيروز كانت دائماً دليل النهار، لا طعم للصباح دونها، كل الأيام التي لا تبدأ بفيروز ليست أياماً سورية. وأنا كسوري لا أحتاج لأن أعيد اكتشاف هذه الحقيقة فقلبي يؤكدها في كل لحظة». ويضيف يوسف: «أحسب أنه من المستحيل أن يكن السوريون كل هذا الحب العظيم لفيروز لو لم تكن تمثل أجمل ما فيهم وتوقهم النبيل لمكان كريم تحت الشمس.. فيروز فينا ونحن فيها وتبقى المحبة بينما الكراهية تأكل نفسها. لفيروز ينحني قلبي كل صباح ولمجيئها تنمحي الكراهية معلنة بؤسها وخذلانها».
ولكن قصة غناء فيروز في دمشق لم تمر دون تفاصيل نافرة ناتجة عن اقتصار الحفلات التي ستغني فيها على تسعة أيام لن يتمكن خلالها سوى عشرة آلاف سوري من حضور الحفلات، وهذا ما ولد مشكلة إضافية للألوف الذين حلموا بمشاهدة حفلة حية للسيدة التي أحبوها أكثر من حبهم لأي فنان آخر.
ويقول الكاتب خليل صويلح: «لكلّ مواطن سوري سيناريو خاص به لحضور حفلة من الحفلات المقررة لعرض مسرحية «صح النوم» المسألة تدخل في باب التذكار الشخصي في نهاية المطاف، لكنّ الحصول على بطاقة كان أشبه بالمعجزة بصرف النظر عن مكابدات توفير ثمن التذكرة التي تراوح ثمنها بين 40 دولاراً ومائتي دولار.
وفور موافقة فيروز على المجيء إلى دمشق، كانت الفكرة أن تقام الأمسيات في ملعب رياضي أو صالة كبيرة، لكنّ الخوف من الفوضى والزحام وعدم انضباط الجمهور، وسوء التجهيزات الصوتية في أماكن كهذه، حالت دون تنفيذ الفكرة، فاستقر الخيار على دار الأوبرا مكاناً لعروض «صح النوم»، علماً بأن الصالة تتسع ل1200 مقعد فقط. هذا يعني في المحصلة الأخيرة أنّ حوالي عشرة آلاف شخص فقط سيحضرون العروض، فيما ستذهب مع الريح أحلام آلاف (بل عشرات آلاف) السوريين في حضور صاحبة الصوت الملائكي.
ويرى الناقد الفني راشد عيسى أن «صح النوم» لم تكن بالنسبة إلى الجمهور عرضاً مسرحياً، «كانت احتفالاً بفيروز، تكريماً لها، وطرباً بها. من يكترث إذا كانت الفيروزة تلعب اليوم دور صبية لعبتها قبل أكثر من ثلاثين عاماً وهي اليوم في السبعين. من يكترث للضيعة الرحبانية التي صارت مجرد ذكرى حتى للرحابنة!؟ فالسوريون يشترون اليوم تذكاراً، صورة مع فيروز، مع جمهورية الرحابنة. إنهم يبحثون عن لحظة استثنائية ونادرة في ذاكرتهم، وقد كانت بالفعل».
ويضيف عيسى: «كان جمهوراً لافتاً بالفعل، وهو يستعيد ألحانها وأغنياتها، بل يطرب لأصوات أخرى كصوت إيلي شويري والأصوات التي حفظها ربما من دون أن يعرف أسماءها في مسرحيات الرحابنة. الجمهور يعرف تلك المسرحيات كما لو كانت تعنيه أكثر من أي إبداع محلي سوري، إن جاز التعبير. كان وفياً بالفعل للحدث الذي لم يمر مثله منذ سنين طويلة، ولعل الزحام الذي نشهده على شباك التذاكر في دار الأوبرا شاهد على ذلك».
ثمة أحاديث عن عودة قريبة لفيروز في شهر سبتمبر المقبل لاستعادة زمن فردوسي مضى، ولتمكين عشرات الآلاف من السوريين من حضور حفل غنائي وليس مسرحية غنائية، ربما تقام في ملعب كرة قدم أو مدرج أثري أو ساحة عامة، تكون من الضخامة على قدر محبة السوريين لصاحبة الصوت الملائكي.
دمشق ـ تيسير أحمد