في الوقت الذي صفق فيه السوريون طويلاً لإطلالة فيروز في عاصمتهم بعد غياب أكثر من عشرين عاماً عن سوريا (قدمت حفلة على مسرح بصرى العام 1987) كانت ذيول المعركة الصحافية بين مؤيد ومعارض، قد خمدت ببيان للفنان منصور الرحباني يطلب من بعض الساسة اللبنانيين وغيرهم التوقف عن إسداء النصح والتدخل، فيما لا يعنيهم بشأن المغنية الكبيرة التي أحبت دمشق وأحبها السوريون منذ إطلالاتها الأولى عبر إذاعة دمشق ومعرضها كل سنة.
وصفق السوريون رغم حضور فيروز المتقشف في الأيام السابقة للعرض، التي أمضتها في دمشق، حيث تجنبت الظهور العام، كما هو الحال دوماً معها، لا أحاديث صحافية ولا صور جاهزة سلفاً.. بل ان فيروز وضعت شرطاً جزائياً على الشركة السورية التي تعاقدت معها لإقامة الأمسيات بتسديد 500 ألف ليرة سورية (عشرة آلاف دولار) إذا التُقطت صور لها من دون تصريح، وهو مايبرر غياب صور ذات جودة عالية للمسرحية منذ بداية عروضها.
وأعطت فيروز ظهرها مع مظلتها إلى الجمهور، الذي صفق طويلاً وتمايل طرباً، لكنه صفق أكثر لانتصار فيروز (قرنفل) على الوالي الغافي (انطوان كرباج). حضور رسمي لافت لعرض «صح النوم» تمثل بنائب الرئيس فاروق الشرع، وحضور جماهيري متعطش لاسم فيروز ومعناه في ذاكرة السوريين، وسط جدل لم ينته حتى الساعة على الجانب اللبناني بين فرقاء السياسة.
حيث حروب كلام لا تنتهي، ووسط جدل سوري آخر حول حرمان السوريين من مشاهدة المغنية الكبيرة، إذ كيف يتسع 1200 مقعد (على مدى ثمانية عروض) لمئات الألوف من السوريين المتعطشين، الذين شكلت فيروز طفولتهم وثورة شبابهم وكل ذكرياتهم.
وكان الجمهور السوري لافتاً بالفعل، وهو يستعيد ألحانها وأغنياتها، بل يطرب لأصوات أخرى كصوت إيلي شويري والأصوات التي حفظها ربما من دون أن يعرف أسماءها في مسرحيات الرحابنة. هذا الجمهور الذي يعرف تلك المسرحيات كما لو كانت تعنيه أكثر من أي إبداع محلي سوري، إن جاز التعبير. كان وفياً بالفعل للحدث الذي لم يمر مثله منذ سنين طويلة، ولعل الزحام الذي نشهده على شباك التذاكر في دار الأوبرا شاهد على ذلك.
الجمهور السوري لفت الممثلين أنفسهم، وقد قيل إنهم سحروا بتجاوب الجمهور، الذي صفق طويلاً خصوصاً، حينما غنت فيروز «ينسى الغفا عيوني إذا أنا بنساكم». وكانت فيروز قد وصلت إلى دمشق وسط طقس جليدي أخّر موكبها لأكثر من ساعتين، لبدء بروفات «صح النوم» التي تقدم ضمن «احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008».
ورابطت طلائع المعجبين لأكثر من ساعتين على الحدود اللبنانيّة السورية في انتظار مرور سيارة قرنفل، على طريق شهدت تحطّم أكثر من سيارة على جوانبها بسبب الجليد. وخصّص التلفزيون السوري تغطية مميزة للمناسبة. فيما بثّت الإذاعات السورية الخاصة وإذاعة دمشق أغنيات «السيدة» على مدار اليوم، مع تركيز على القصائد التي أنشدتها للشام وبيروت.
وكان مئات السوريين قد احتشدوا يومياً في فناء دار الأوبرا في دمشق، منتظرين دورهم للحصول على بطاقات المسرحية التي تقرّر تمديد عروضها يومين إضافيين في 4 و5 فبراير بسبب الإقبال الكبير.
الحكاية
ينتظر الجميع أن يستيقظ واليهم (أنطوان كرباج)، ليقوم بختم ثلاث معاملات فقط، يعود من بعدها لينام شهراً آخر حتى حلول بدر جديد. والختم الذي ورثه الوالي عن آبائه وأجداده، لا بديل عنه لإنجاز أي معاملة، من إصلاح سقف إلى خروج من السجن.
وهذا الشهر، تثور قرنفل (فيروز) وتواجه المستشار (إيلي شويري بديلاً عن الراحل نصري شمس الدين)، فهي تنتظر ختم معاملتها منذ ستة أشهر، وتحتاج إلى بناء سطح للبيت وهي التي باتت تعيش تحت الشمسية التي تحملها معها أينما ذهبت لتقيها برد الشتاء وحر الصيف.
وجاء اليوم، واستيقظ الوالي ليختم ثلاث معاملات كعادته، وعاد إلى النوم دون أن يختم لقرنفل، فتقرر سرقة الخاتم لتختم طلبها، وعندما يصبح الختم في يدها تختم باقي المعاملات، ما عدا معاملة شاكر الكندرجي (برجيس صليبا) الذي لم يسلمها حذاءها بعد. وعند تعذر إعادة الختم إلى مكانه، ترمي قرنفل الختم في بئر مهجورة.
وخلال وقت قليل تعود الحياة إلى المدينة ويتم إنجاز كل ما كان متوقفاً بسبب «بطء» الختم. تحاول فيروز إقناع الأهالي بأن يدَعوا الوالي نائماً، لكنهم يوقظوه في النهاية ليرى ما تم إنجازه. وسرعان ما يكتشف سرقة الختم عندما يبدأ بختم المعاملات، وباستجواب قصير تعترف «قرنفل» بفعلتها.. ويأمر بمعاقبتها بأن تربط على فرس وحشية وتُترك لتهيم على وجهها. وهنا تبرز المشكلة، يحتاج هذا الأمر للختم أيضاً، وبذلك تقترح «قرنفل» النزول إلى البئر لتبحث عن الختم، وتجده وتعيده إلى الوالي الذي يسامحها على جريمتها، ويوكل إليها مهمة ختم كافة الطلبات.
دمشق ـ رباب محمد
