خفض مصرف الإمارات المركزي أمس مجددا سعر الفائدة على إعادة شراء شهادات الإيداع التي يصدرها للبنوك في الدولة (الريبو) من 50, 3% إلى 3% تماشيا مع المستوى الجديد لسعر الفائدة على الأموال الاتحادية للدولار الأميركي (سعر الفائدة قصيرة الأجل التي يحددها بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي) وذلك للمرة الثانية في أسبوع تقريبا.

وبهذا الخفض الجديد يكون إجمالي نسبة الخفض في سعر الفائدة خمس مرات متتالية فكان الخفض الأول الذي جرى في شهر سبتمبر الماضي الأول من نوعه منذ نحو 39 شهرا بعد قيام بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي حينها بخفض سعر الفائدة الرئيسية بنسبة نصف% من 25 ,5% إلى 75, 4% بالنسبة للودائع قصيرة الأجل التي تبلغ آجالها في حدود شهر واستمرت عمليات تخفيض أسعار الفائدة إلى ان بلغ سعر الفائدة أمس 3%.

وأوضح المصرف المركزي أمس أن عملية إعادة الشراء (اليبو) التي يقوم بها المصرف المركزي مع البنوك العاملة في الدولة تعتبر الآلية التي يتم بموجبها تغيير أسعار الفائدة على درهم الإمارات في النظام المصرفي حيث تسترشد بها البنوك لقبول الودائع وللقروض التي تقدمها لعملائها.

واثر إعلان الخفض الجديد لسعر الفائدة على إعادة شراء شهادات الإيداع من قبل المصرف المركزي أمس طالب مصرفيون بالتخطيط جديا لفك الدرهم بالدولار رغم السلبيات التي قد تصاحب مثل هذه الخطوة معربين عن اعتقادهم بان الوضع الحالي أيضاً محفوف بسلبيات عديدة أبرزها الارتفاع المتواصل في معدلات التضخم بالدولة نتيجة الخفض الكبير والمتتابع لأسعار الفائدة .

مشيرين إلى أن هذا الخفض غير مبرر للاقتصاد الإماراتي ولن يكون له ايجابيات كبيرة في حين انه مبرر للاقتصاد الأميركي المتهاوي ولكن الإمارات مضطرة لان تحذو حذو السياسة النقدية الأميركية بسبب الارتباط الكاثوليكي بين الدرهم والدولار.

ودعا المصرفيون في تصريحات لـ «البيان» إلى التحرك الفوري لإيجاد المناخ الملائم والأدوات اللازمة لفك الدرهم بالدولار حتى تكون الظروف مهيئة لمثل هذه الخطوة في حال الاستقرار على اتخاذها مشيرين إلى ان إيجاد هذه الأدوات والآليات أمر يحتاج لوقت كبير وإجراءات عديدة ولن يتم تجهيزها في يوم وليلة.

وقال احمد الشال رئيس الشؤون المالية بمصرف دبي ان إعادة تقييم سعر الصرف الدرهم مقابل الدولار برفع سعر صرف الدرهم أو فك الارتباط بين العملتين قد يبدو من الناحية النظرية امراً سهلا ولكنه من الناحية التطبيقية ليس سهلا ويحتاج لاستعدادات كبيرة وفترة تمهيدية .

مشيرا إلى أن أهم الأدوات والآليات الواجب توفيرها قبل القيام بفك ارتباط الدرهم بالدولار إيجاد جهاز متكامل يكون تابعا للمصرف المركزي لإدارة الشؤون النقدية بالدولة يكون مسؤولا عن تحديد سعر الفائدة ورفعه أو خفضه حسب الحالة الاقتصادية بشكل مدروس ودقيق.

واضاف ان قرارات هذا الجهاز بشأن أسعار الفائدة يجب ان تكون بالتنسيق مع الجهات الحكومية المسؤولة عن الإنفاق على المشروعات الحكومية بمعنى انه يجب ان يكون هناك تنسيق قوى بين السياستين النقدية والمالية للدولة مشيرا إلى ان هذه الآلية يمكن توفيرها ولكن تحتاج لبعض الوقت.

استعدادات للاستقلال

وأعرب الشال عن اعتقاده بان هناك استعدادات من قبل الجهات المختصة بالدولة لتوفير الظروف الملائمة لإدارة الشؤون النقدية للدولة بشكل مستقل بعيدا عن الارتباط التام بين الدرهم والدولار.

وأضاف الشال انه يجب الأخذ في الاعتبار أن فك الارتباط بين الدرهم والدولار سينتج عنه خسائر بمليارات الدراهم للبنوك وكبار المستثمرين والصناديق السيادية بالدولة نظرا لأن كافة أصول الاستثمارات الحكومية تقريبا خصوصا في الخارج مقومة بالدولار وفى حال تخفيض قيمة الدولار مقابل الدرهم فإن هذا الأمر يعنى تخفيض قيمة هذه الأصول وبالتالي يعني خسائر في هذه الاستثمارات وينطبق الأمر نفسه على البنوك العاملة بالدولة وكبار رجال الأعمال.

من جانبه أكد جلال خضر الخبير المالي والمصرفي مدير إدارة الأعمال المصرفية الخاصة وإدارة الثروات ببنك الاتحاد الوطني ان اتخاذ قرار بشأن علاقة الدرهم بالدولار في المرحلة المقبلة يعد امراً بالغ الصعوبة ويتطلب سياسة نقدية بديلة من خلال موازنة دقيقة لسلبيات وإيجابيات هذا التحول .

مشيرا إلى ان ربط الدرهم بالدولار أدى الى انخفاض قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسة الأخرى وإلى تخفيض قيمة الدرهم مؤكدا أن الوضع الاقتصادي في الإمارات يعطي الدرهم قيمة أكبر من قيمته مقدرة بالدولار بسبب النمو الاقتصادي القوي وزيادة الفائض في الميزان التجاري نتيجة ارتفاع أسعار النفط وارتفاع رصيد الاحتياطيات الأجنبية.

مخاطر التعويم

وأضاف ان التقارير العديدة من قبل خبراء أجانب التي تدعو أو تتوقع رفع قيمة الدرهم بالنسبة إلى الدولار أو تعويم الدرهم تتجاهل أثر هذا الارتفاع على عائدات النفط.

مشيرا إلى ان تعويم الدرهم سيؤدي إلى رفع قيمته ولكن للتعويم مخاطر كبيرة خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على مصدر رئيس للدخل مثل النفط مشيرا إلى ان رفع قيمة الدرهم مقابل الدولار سيؤدى إلى انخفاض أسعار السلع المستوردة من أوروبا وآسيا والولايات المتحدة الأمر الذي يسهم في تخفيض مستويات التضخم في الإمارات .

حيث يعتمد مدى انخفاض أسعار الواردات في هذه الحالة على مقدار رفع سعر الصرف مع ملاحظة ان رفع صرف الدرهم بنسبة كبيرة سيؤدي إلى تحول كبير في الاقتصاد لأن هذا الرفع سيؤدي إلى زيادة نسبة الاستهلاك في الناتج المحلي على حساب قطاع الصادرات وهو أمر مرغوب للتخفيف من أثر تقلبات أسعار النفط والصادرات الأخرى في الاقتصاد الوطني.

وأوضح انه على الجانب الآخر هناك مساوئ لرفع سعر صرف الدرهم مقابل الدولار منها خسارة مئات الملايين من الدراهم بسبب انخفاض قيمة برميل النفط المصدر مقدراً بالدولار وخسارة مئات الملايين من الدراهم نتيجة انخفاض قيمة الاحتياطيات النقدية الخارجية مقدرة بالدولار وزيادة الاستهلاك خاصة من السلع المستوردة .

وقد لا يسهم رفع سعر الدرهم في تخفيض مستويات التضخم بالشكل المستهدف واحتمال انخفاض مستوى الاستهلاك بدلاً من ارتفاعه خاصة استهلاك السلع المعمرة والكماليات وانخفاض نسبي في الاستثمارات الأجنبية الجديدة حيث إن رفع سعر صرف الدرهم سيرفع مباشرة تكاليف الاستثمار في الإمارات.

أبوظبي ـ عبد الفتاح منتصر