تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن موجة الغلاء الحالية في أسعار الأرز فقالت إن لهذه الطفرة تداعيات معقدة على الاقتصاد العالمي، فهذه الحبوب، المستخدمة في معظم الوجبات الغذائية، تواجه محصولاً سيئاً، ونقصاً حاداً في المعروض في بعض البلدان الكبرى المصدرة والدول المستهلكة، في وقت ازداد فيه الطلب في أماكن كالهند والفلبين.
وأضافت الصحيفة إن الأسعار المرتفعة كانت نعمة لبعض المزارعين والمستثمرين، بينما كانت نقمة لآخرين، حيث انها ستساهم في إطلاق جحيم مستعر من تضخم أسعار المواد الغذائية في المستقبل المنظور، الأمر الذي سيزيد الهوة اتساعاً بين من يملكون، ومن لا يملكون.
وفي هذا السياق قال مايكل لويس العضو المنتدب في «دويتشه بنك» إن صراعاً سينجم في نهاية المطاف، بين الدول الصناعية، ودول العالم النامي. وأشار التقرير إلى إمكانية بروز إشكالية إنسانية تتمثل في أن أفقر مستهلكي العالم، وجلّهم ممن يعتمدون على الأرز، سيجدون أنفسهم مكتوفي الأيدي، وهم يعانون نقصاً في المواد الغذائية ويتضورون جوعاً في صمت.
وقالت «وول ستريت جورنال»، إن الأسعار المرتفعة، جذبت عشرات المستثمرين إلى السوق، فقد وصل عدد المراهنات القائمة على عقود الأرز الآجلة في مجلس تجارة شيكاغو، إلى أعلى مستوياتها، مما يعد مؤشراً أساسياً على رؤية المستثمرين لفرص استثمارية على خلفية الأسعار المتصاعدة.
ولقد بدأ لاعبون غير تقليديين أمثال الصناديق التحوطية، يتاجرون الآن بالأرز، وفقاً لـ «فريد سيمون» المدير المساعد لبحوث السلع في دش، كما أطلقت منتجات استثمارية جديدة متداولة في البورصات لجذب المستثمرين الأفراد.
ومنذ شهرين، أطلق «جيم روجرز» مؤسس مؤشر روجرز للسلع العالمية، سندات روجرز الزراعية المتداولة في البورصة.
وفي الوقت الذي كانت فيه أسعار سلع أخرى كالنفط، تتصاعد إلى أرقام قياسية، فإن السلع الزراعية، من حيث تعديلاتها التضخمية، مازالت تجد فرصة للازدياد قبل أن تصل إلى تلك النقطة.
ووفقاً لـ «لويس» من دويتشه بنك، فإن أسعار القمح، على سبيل المثال، لابد أن تزداد بنسبة 106%، من حيث سعرها الفعلي، قبل أن تصل إلى مستواها القياسي.
واستناداً إلى منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، فإن السعر العالمي للأرز المجروش، وهي نوعية متاحة مطلوبة في كثير من البلدان الإفريقية زاد بنسبة 40%، منذ العام 2006 في وقت انخفضت فيه المساعدات الغذائية للبلدان النامية، نتيجة لارتفاع أسعار الأرز.
وكانت أسعار الأرز الآجلة استقرت خلال الشهر الماضي في دش، عند 22, 13 دولاراً للمئة رطل، بزيادة 3, 9%، وهو ارتفاع عن 87 ,9 دولارات العام 2006، ويقارب السعر القياسي السابق وهو 40 ,13 المسجل في يناير 1988، عندما كان الأرز متداولاً في بورصة ميد أميركان.
ومن بين المخاطر التي أوردتها الصحيفة، أن الأسعار المتزايدة، قد تقود في بعض الحالات إلى نقص في المواد الغذائية، واضطرابات اجتماعية، على غرار القلاقل التي اندلعت في السنغال في شهر نوفمبر الماضي.
والتي عزيت جزئياً إلى ارتفاع أسعار الأرز، المادة الأساسية هناك. وقالت الصحيفة إن قصة الأرز تعكس جميع السلع تقريباً، سواء أكانت بترولاً أم نحاساً أم قمحاً.
فقد بدأت أسعار جميع السلع في الارتفاع بفعل الطلب المتزايد من الاقتصادات الناشئة، كالصين، والتي خلفت تداعيات واسعة، حيث رفعت أسعار الحديد المرتفعة من تكاليف البناء، ورفعت أسعار الوقود من أسعار الشحن العالمية، كما رفعت أسعار النفط المرتفعة من كلفة زراعة الأرز والحبوب الأخرى، وشحنها، والتي رفعت بدورها أسعار المواد الغذائية.
وقالت «وول ستريت جورنال» إن السلع الزراعية، أكثر ميلاً لخلق تأثيرات إنسانية مباشرة، من النفط والحديد مثلاً، فقد بدأ تداول الحبوب، بأسعار قياسية أو شبه قياسية، بسبب نمو الطلب المزدوج على الوقود الحيوي، مثل الإيثانول، المصنّع من الحبوب، فضلاً عن زيادة عدد السكان، الأمر الذي يعني مزيداً من الأفواه الجائعة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ضعف الدولار ساهم في رفع سعر الأرز العالمي، حيث أن معظم إنتاج الأرز يتداول بالدولار، ففي تايلاند، كبرى مصدري الأرز في العالم، ارتفعت أسعار الأرز ذي الحبة الطويلة قرابة 20% منذ العام 2006، وفقاً لـ «ناثان تشايلدز» كبير الاقتصاديين في وزارة الزراعة.
ولقد ساهمت كل تلك العوامل مجتمعة، في خفض مخزون الحبوب إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود، حيث انخفض مخزون القمح إلى أدنى مستوياته منذ 60 عاماً، كما انخفضت مخزونات الأرز إلى أدنى مستوياتها منذ 24 عاماً. وقالت الصحيفة إنها بالفعل مسألة معقدة، فالأرز، كان تاريخياً يتداول بكميات قليلة.
حيث يتم بيع 7% فقط من الإنتاج في السوق العالمية، وهذا معناه أنه في حالة حدوث صدمة توريدية، فإن موردي الأرز، سيفتشون العالم بحثاً عن واردات متوفرة، مما سيزيد الأسعار اشتعالاً، وبالمقابل، فإن 16% من الحبوب الأخرى، كالقمح، والذرة، يجري تداولها عالمياً.
وأكدت الصحيفة استمرار موجة الطلب المتزايد وشح الواردات، فيما قدرت وزارة الزراعة الأميركية أن أسعار المواد الغذائية ازداد بنسبة 5, 4% العام الماضي، عن العام الذي سبقه وهو 2006، مقارنة بزيادة سنوية بلغت 4, 2% في ذلك العام.
ووفقاً لصندوق النقد الدولي، فإن أسعار المواد الغذائية في دول العالم النامي ازدادت العام الماضي بنسبة 9% عن العام الذي سبقه.
ومن جانب آخر فإن أسعار المواد الغذائية المرتفعة تلحق أضراراً بمواطني البلدان الفقيرة، أفدح مما تلحقه بمواطني الدول المتقدمة، حيث أن الأسر في الدول النامية تنفق نسباً كبيرة من دخولها على الغذاء، ففي الولايات المتحدة يشكل الغذاء 18% من سلة مؤشر الأسعار الاستهلاكية الإجمالية، مقارنة بنحو 40% في بعض الاقتصادات الناشئة، وفقاً لتقرير دويتشه بنك وفيما يخص البلدان التي تعتمد على الهبات أو المعونات، فإن أسعار الأرز المرتفعة، تعني نقصاً في الطعام.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة للغذاء العالمي، فإن الأرز، يُعتبر السلعة الثالثة الأكثر شراءً، ويوفر أكثر من 70% من الجرعات الحرارية في بلدان فقيرة مثل كمبوديا.
ولقد ارتفع استهلاك الأرز العالمي منذ عام 2000، بنسبة 75%، فيما ازداد الإنتاج بنسبة 4 ,5% فقط، وفي ضوء انخفاض الواردات، فإن الخطر الذي تواجهه السوق العالمية، هو احتفاظ الموردين بالأرز لأنفسهم، بدلاً من بيعه في السوق، مما يزيد الأسعار اشتعالاً.
وكانت فيتنام، ثاني أكبر مصدري الأرز في العالم بعد تايلاند، أعلنت في شهر يوليو، أنها ستقيد صادرات الأرز لسد الاحتياجات المحلية أولاً.. كما أعلنت الهند، وهي دولة أخرى مصدرة، عن قيود مماثلة في شهر أكتوبر الماضي. وتعتبر الولايات المتحدة التي تصدّر ما بين 5 ,1 إلى 2% من الإنتاج العالمي فقط رابع أكبر مصدّر للأرز في العالم بعد تايلاند وفيتنام والهند.
وكانت الرقع الزراعية المخصصة للأرز في الولايات المتحدة عام 2007 أقل بنسبة 3% عن العام 2006، نظراً لارتفاع أسعار محاصيل أخرى كالذرة وفول الصويا.