تتكشف يوماً بعد يوم المزيد من التفاصيل حول صفقة بورصتي دبي وناسداك التاريخية، في ظل السعي الحثيث من جانب وسائل الإعلام لتسليط ضوئها على ما دار في الأروقة والمجالس الخاصة، وتندفع الروايات المتعددة لتفسير الكيفية التي بها تحول خصوم الأمس القريب إلى شركاء في تشكيل صناعة أسواق رأسمال على مستوى المنطقة، وفي وسط هذا المزيج المتنوع من التأويلات والتفسيرات، تظهر الصفقة أقرب ما تكون بقمة جبل الطافي الذي يخفي أكثر مما يكشف.

سعت مجلة «ترينديز» في عددها الصادر في يناير الماضي إلى إماطة اللثام عن بعض ما دار في الأروقة ، والكواليس، وساقت روايات عن أشخاص وصفتهم بأنهم من المطلعين عن كثب بمجريات الأمور الخاصة بكيفية تحول التنافس بين بورصتي دبي وناسداك إلى علاقة زواج تبشر بتحولات وتغييرات تتجاوز نطاق أطراف الصفقة أنفسهم لتطول أسواق المال في المنطقة.

تعقيدات المصالح

وقد عكست الصفقة تعقيدات مصالح الأطراف الرئيسية المتنافسة، فبموجبها، ستستحوذ بورصة دبي الشركة القابضة المالكة لسوق دبي المالي وبورصة دبي العالمية على أسهم بورصة «أو إم أكس» بسعر 230 كرونة للسهم الواحد ( 96 ,34 دولاراً ) تقوم بعد ذلك بمبادلتها بحصة نسبتها 99,19 % في بورصة ناسداك، علاوة على حصولها على مبلغ نقدي قيمته 4 ,11 مليار كرونة ( 7 ,1 مليار دولار)، فيما ستستحوذ بورصة ناسداك على حصة في بورصة دبي العالمية، على أن تحمل البورصة اسماً جديداً وهو ( بورصة دبي العالمية ـ ناسداك ).

وأن تحصل الصفقة على موافقة لجنة البورصة والأوراق المالية الأميركية ووزارة الخزانة الأميركية، وأخيراً ستشتري دبي حصة ناسداك في بورصة لندن للأسهم مقابل مبلغ نقدي قيمته 2 ,1 مليار دولار وقد صدق المنظم لسوق المال السويدي على عرض بورصة دبي لامتلاك أو إم أكس.

وجاءت الشهادة أو الرواية ـ إذا جاز التعبير ـ على لسان صحافي جري تقديمه على أنه من المخضرمين في العمل الصحافي وأنه من الذين تابعوا عن كثب حلبة الأحداث، واستهل الصحافي روايته بالقول ان قيادة زمام التوصل إلى تسوية كانت أبعد ما تكون عن السلاسة واليسر.

حيث أتي دخول بورصة دبي كطرف في ساحة الصراع على الاستحواذ على بورصة «أو إم إكس» السويدية، في وقت، قد جرى فيه التوصل بالفعل إلى اتفاق فني وتسعيري بين بورصتي «أو إم أكس» و« نأسداك ».

وتابع الصحافي شهادته بقوله إن الأمر المثير هنا، هو أن بورصة دبي دخلت الساحة، بعدما أنجزت عمليات شراء لأسهم بورصة « أو إم أكس» عبر صناديق التحوط، إلى جانب حصولها على مراكز خيارات OPTIONS)) تعطي حقوقاً ولكن ليس الالتزام بالشراء بمبلغ محدد خلال فترة من الوقت مقدرة سلفاً، وذلك بهدف الالتفاف على قانون الاستحواذ السويدي، حيث انه بموجب هذا القانون، تتحرك محكمة الاستحواذ في حالة تجاوز حصة الشراء نسبة 9,9 %، ومن ثم، سيكون من المتعين على بورصة دبي التقدم بعرض كامل.

واستدرك شارحاً بقوله: قامت بورصة دبي بالاتصال بصناديق التحوط وأصحاب حصص الأقلية، ووقعت معهم عقود خيارات، وتعطي هذه العقود حقوق شراء ولكن تخول إمكانية النقض إذا لم تسر الأمور بالشكل المرجو.

إحباط ناسداك

وواصل الصحافي سرد روايته قائلاً ان بورصة ناسداك قد أصابها الإحباط من جراء عدم الانتهاء من صفقة الاستحواذ على بورصة «أو إم أكس» كجزء من إستراتيجية توسعها العالمية، ومن ثم، وجدت أنه في غير مقدورها استكمال الصفقة التي تم الاتفاق عليها في وقت سابق، وأنه حتى لو مضت قدماً في تنفيذ الصفقة، فإنه لن يكون في مقدورها تحقيق السيطرة على بورصة « أو إم أكس».

وذلك بحكم تملكها حصة نسبتها 29 % فقط، فيما تتوزع بقية الأسهم على أصحاب حصص الأقلية، وحفنة قليلة من المؤسسات الاستثمارية. كما أن بورصة دبي قدمت عرضاً بسعر أعلى بلغ 230 كرونة للسهم الواحد، فيما تراوح سعر عرض ناسداك بين 198 و 203 كرونة للسهم الواحد.

وتابع الصحافي روايته قائلاً: من حسن حظ بورصة دبي أن السوق تفاعل بروح إيجابية لدخولها، وصعدت أسعار السهم، وهو ما شكل سبباً إضافياً لتزحزح بورصة ناسداك عن مواقفها، وكان الخيار الماثل أمامها، هو أما أن تتنازل عن الصفقة، وتقوم ببيع أسهمها بسعر اقل من السعر المتاح.

وأما أن تقوم بعمليات شراء للأسهم من المؤسسات الاستثمارية، وهو أمر لم تكن واثقة من إمكانية تحقيقه حيث ان المستثمرين المتحفظين على غرار صندوقي نوردي Nordea ويلينبيرج Wallenberg كانوا غير مرحبين، ومن ثم، وجدت بورصة ناسداك أن اتباعها هذا الخيار سيفضي بها في نهاية المطاف إلى الجلوس على المائدة مع صناديق التحوط للتوسط في الصفقة.

عامل الدوحة

وأتت الشهادات التالية على ألسنة مصادر أخرى لم يتم الكشف عن هويتها، وتركزت هذه الروايات على ما جرى توصيفه تحت مسمى «عامل الدوحة»، حيث رافق معركة السيطرة على بورصة أو إم أكس معركة أخرى للسيطرة على بورصة لندن للأسهم، وعشية الاتفاق الثلاثي بين ناسداك وبورصة دبي و أو إم أكس، ظهرت الدوحة بمظهر الطرف الراغب في إفشال الاتفاق، بشرائها حصة في أو إم أكس نسبتها 98,9 % لدعم ممتلكاتها في البنية التحتية للبورصات الأوروبية، حيث انها تمتلك حصة نسبتها 20 % في بورصة لندن للأسهم.

ومع ذلك، اقتربت الدوحة تقريبا من قبول مقايضة حصتها في بورصة أو إم أكس مقابل جزء من الحصة المملوكة لبورصة دبي في بورصة لندن للأسهم، وبالتالي سحبت قطر القابضة الذراع الاستثمارية لهيئة الاستثمار القطرية طلبها للتصديق والموافقة على عرضها بخصوص أو إم أكس وهو ما فتح الطريق أمام إنجاز صفقة الاستحواذ البالغ قيمتها 5 مليارات دولار.

وورد في إحدى الروايات عن «عامل الدوحة» انه على الرغم من التشويش الذي أحاط بالصفقة نتيجة لدخول الدوحة على الخط، وتفسير بعض الآراء خروجها من معركة الاستحواذ على بورصة «أو إم أكس» بأنه يعد بمثابة هزيمة، إلا أن دخولها شكل عاملا محفزا على التوصل إلى قرار محدد، وبناء على أقوال أحد المصادر، ساعد دخول الدوحة في الواقع على دعم عرض بورصة دبي بسبب أن الأطراف غير الشرق أوسطية أدركت بأن المزيد من اللاعبين سيدخلون حلبة الصراع على «أو إم إكس» إذا لم يتم الانتهاء الفوري من الصفقة.

وتحدث مصدر آخر قائلا: أن الدوحة استحوذت في نهاية المطاف على 20 % من بورصة لندن للأسهم، ومن ثم، دعنا نرى ماذا سوف تفعل بهذه الحصة. وبمقدورها أن تتعامل مع هذه الحصة على أنها استثمار طويل الأجل.

ولكن لا يعلم أحد ما يدور في ذهن الجانب القطري، بيد أنها تمثل نقطة الالتقاء، إذا أن الأطراف جميعا أدركت عند مرحلة معينة أنهم يريدون أشياء مختلفة، على الرغم من ملاحقتهم هدفا واحدا، ومن ثم، تأسس التعاون فيما بينهم، عندما خلصوا إلى مثل هذه القناعة.

وأفادت رواية أخرى وردت على لسان احد المصادر، أن الدوحة لم تكن متمسكة بعملية الاستحواذ على بورصة «أو إم أكس»، ولكنها دخلت ساحة المساومة بهدف واحد، وهو شراء حصة بورصة ناسداك في بورصة لندن للأسهم.

وقد ثار غضب هيئة الاستثمار القطرية، عندما اتفقت بورصتا دبي وناسداك بشأن بورصة «أو إم أكس»، وقامت بشراء حصة نسبتها 20 % من أسهم بورصة لندن للأسهم من المستثمرين الأفراد، وقد حظي هذا التحرك بدعم إدارة بورصة لندن للأسهم لبعض الأسباب الفنية، وربما بغرض موازنة خطط بورصة دبي.

وأفاد مصدر آخر أن العرض الأول من جانب بورصة دبي لشراء أسهم بورصة «أو إم أكس» بلغ 230 كرونة للسهم الواحد، ولكن مع دخول هيئة الاستثمار القطرية كمشتر للأسهم، صعد السعر إلى 268 كرونة للسهم الواحد، وأستقر العرض في النهاية عند هذا السعر.

وتحدث ماجد شفيق مدير الاستثمارات في شركة رسملة للاستثمارات بقوله ان سبب وقوع الاختيار على بورصة «أو إم أكس» يكمن في الأنظمة الالكترونية ،حيث ان أغلب الأنظمة في المنطقة، بما في ذلك سوق دبي المالي، تستخدم أنظمة تماثل تلك الموجودة في بورصة « أو إم أكس»، فضلا عن اتباع البورصة السويدية إستراتيجية توسع عالمية.

وسيسهم توحيد الجهود بين البورصتين ـ والكلام مازال على لسانه - في إحالتهما إلى كيانين أكثر قوة، حيث ستجني بورصة ناسداك موطئ قدم في بورصة دبي العالمية، وستجني بورصة دبي العالمية على استثمار جيد بحصولها على حصة نسبتها 20 % في بورصة، ومن شأن الترابط بين البورصتين أن يحفز على ترابط أوعية السيولة في الأسواق الصاعدة، بعدما تم إنجاز هذا الترابط على مستوى الأسواق الغربية.

إدراجات إقليمية

توقع حامد علي المدير التنفيذي لبورصة دبي العالمية أن تستقطب بورصة دبي العالمية إدراجات من شركات إقليمية رئيسية خلال العام الجاري مشيرا إلى أن البورصة تعطي ضمن أولويات أجندة عملها أولوية لدعم النمو الاقتصادي على مستوى المنطقة.

وكشف حامد على عن مناقشات تجري بين بورصة دبي العالمية وشركات عديدة تتعلق بإدراجات حصرية مقصورة على بورصة دبي العالمية، مشيرا إلى أنه سيجري الإعلان عن هذه الإدراجات على مدار العام الجاري.

ورفض حامد على الكف عن الشركات التي ستقوم بإدراج طرح عام أولي في بورصة دبي العالمية قائلا أنه غير ممكن الكشف عن الأسماء لأسباب استثمارية .

وأوضح حامد على أن المنطقة بحاجة إلى منصة استثمارية على غرار بورصة دبي العالمية، من شأنها أن تسهم في جذب المستثمرين الدوليين والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهذا الأمر سيعزز النمو الاقتصادي في المنطقة.

وأضاف بقوله أن الشركات خارج المنطقة تتطلع إلى تأسيس شراكات مع مستثمرين محليين، نظرا لما تزخر به المنطقة من سيولة كبيرة.

تسريع الاندماجات

قدر محللون أن تنفيذ صفقة بورصتي «ناسداك - دبي» سيعد بمثابة خبر سار للبورصات، حيث ان بروز «بورصة دبي العالمية - ناسداك» كسوق مالي ذي بنية تحتية قوية سيمثل عاملا محفزا على تسريع حركة الاندماجات بين البورصات في المنطقة، باعتبار أن البورصات تحتاج إلى التغيّر لتصبح أكثر تنافسية وفاعلية. وهناك تركيز حالياً حول تطوير المنتجات، مع تطلّع البورصات إلى تحقيق تنوّع أكثر، لاسيما وأن المستثمرين أصبحوا أكثر بحثاً عن فئات بديلة للأصول.

وعلق بير لارسون الرئيس التنفيذي لبورصة دبي على هذا الموضوع بقوله أن الهدف من الاندماجات مثل بورصة دبي هو أن يتيح للمستثمرين منصة تداولات موحدة تمكنه من إجراء تداولاته المتنوعة عن طريق واحد وفي أصول متنوعة، وهذا يساعد على تسريع عمليات الاندماج.

مؤكدا أن ما تريده بورصة دبي بالتعاون مع ناسداك هو جذب علامة تجارية قوية إلى دبي وإلى بورصة دبي العالمية حيث تضع في إستراتيجيتها أن تخلق منصة تداولات مستقبلية من خلال التنوع بين المنتجات المالية المتعددة وبين المشتقات.

وتابع شارحا بقوله ان بورصة دبي العالمية تمثّل اليوم حلقة وصل بين المستثمرين محلياً وإقليمياً، بالإضافة إلى المستثمرين العالميين. وضمن إستراتيجيتها «سوق الأسواق» بما يتعلّق بالتنوّع، أطلقت منصّة للمنتجات المُهيكلة في أغسطس الماضي، وسوف تمضي قدماً نحو طرح فئات جديدة من الأصول، واستقطاب اكتتاب أولية عامة أكثر على المستوى الإقليمي. وستلعب بورصة دبي العالمية دوراً جوهرياً في دفع نزعة التماسك، وستعمل عن كثب مع البورصات المحلية وإنشاء روابط متينة لدعم مجتمع الاستثمارات المحلي.

دبي : مجدي عبيد