ساعدت مزايا الطاقة النووية كمصدر خال من الكربون على تهدئة المخاوف بشأن سلامتها، ولكن العلماء لم ينجحوا بعد في حل مشكلة المخلفات السامة التي تولدها، والتي ينبغي تخزينها لمئات الالاف من السنوات. وتخزن المخلفات النووية لمعظم الدول في حاويات من الصلب والاسمنت المسلح في بحيرات مغلقة من الماء البارد فوق سطح الأرض أو في انفاق عمودية بها فتحات تهوية.
ويقول علماء ان الوضع المثالي هو الاحتفاظ بها في مستودعات على عمق كبير تحت الأرض. ولم تثبت سلامة هذه التكنولوجيا بعد، لكن الحكومة البريطانية، التي ساندت في وقت سابق من هذا الشهر جيلا جديدا من محطات الطاقة النووية، عبرت عن اعتقادها بان بناء مستودعات المخلفات على عمق كبير تحت الأرض امر قابل للتنفيذ، ويتفق بعض العلماء مع هذا الرأي.
وقال نيل تشابمان، من معهد إدارة المخلفات تحت الأرض :«اعتقد أن هناك أدلة كافية على وجود جميع التكنولوجيات على مستوى العالم وان تحليل مدى سلامتها انجز أكثر من مرة». وتابع :«المشكلة أن من يعارضون الطاقة النووية يكررون باستمرار انه ليس هناك من حل للتخلص من المخلفات لعدم وجود منشآت تحت الأرض مشيدة لهذه الغرض على مستوى العالم للتعامل مع هذه المشكلة».
وحتى الآن يوجد نحو 270 ألف طن من الوقود المستنفد في منشآت تخزين في مياه باردة في أنحاء العالم، ويتم إضافة ما بين 10 و12 ألف طن كل عام، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية التي تقدم الاستشارات في مجال الطاقة.
وفي يونيو 2006 قررت فرنسا، التي تولد نحو 80 % من إنتاجها من الكهرباء من محطات نووية اللجوء لمستودعات على عمق كبير تحت الأرض وتهدف لبدء استخدام أول مستودع من هذا النوع في عام 2025 بتكلفة 15 مليار يورو (72. 21 مليار دولار)، حسبما ذكر الاتحاد النووي العالمي.
يذكر أن المنشآت التي تشيد على عمق كبير تحت سطح الأرض مناسبة لأبعاد المخلفات عن السكان ولكنها ليست خالية من المشاكل. وفي محاولة للتغلب على معارضة المجتمعات المحلية
طلبت الحكومة البريطانية من المجتمعات التبرع لاستضافة مستودع تحت الأرض. وتخزن معظم المخلفات النووية البريطانية في سيلافيلد في شمال انجلترا، ويرى بعض المحللين انها المتطوع الوحيد المحتمل لوجود كم كبير من المخلفات بها.
وتبدأ مشاورات عامة بشأن المخلفات والتخلص منها بين فبراير ومارس 2008 ويتبعها تقديم المتطوعين الطلبات. ويقول جوليان بوسوول، احد المخططين في مجموعة الطاقة النووية
البريطانية بشركة افرشدز القانونية :«زاوية التطوع غير مسبوقة إلى حد بعيد، انه أسلوب غير عادي في معالجة الامور».
وتابع :«ستدور المعركة الحقيقية حول الموقع تحديدا حسب عدد المجتمعات التي تبدي رغبة للتطوع». ومن الناحية النظرية ثمة عدة أماكن ملائمة. ويقول تشابمان :«هناك عدة أماكن يمكنك التوجه إليها.
مررنا بهذه التجربة عدة مرات من قبل. وأظهرت النتائج العامة على مدار الأعوام العشرين الماضية انه ما بين ربع إلى ثلث مساحة بريطانيا ملائم من الناحية الجيولوجية». ولكن حتى تحل مشكلة المكان ستبقى مشكلة التمويل.
وأعلنت الحكومة البريطانية مرارا أنها لن تمول الطاقة النووية، ولكن المحللين يقولون ان القطاع الخاص لا يطيق التكلفة الضخمة للتخلص من المخلفات، إضافة إلى ملياري جنيه إسترليني على الأقل (92. 3 مليارات دولار) تكلفة بناء محطة نووية.
ويقول روبرت بيتشر، رئيس مجموعة الطاقة النووية في افرشدز :«بالنسبة لتكلفة بناء مستودع للمخلفات المستقبلية تحت الأرض فلن يستطيع القطاع الخاص تمويل مثل هذا المستودع بأي حال من الأحوال».
ويرى كثيرون ان هذه التفاصيل أقل أهمية من المعضلة الأخلاقية، أي ما سنخلفه للأجيال القادمة. ويقول اندرو بلورز، العضو السابق في لجنة ادارة المخلفات المشعة التي تقدم المشورة للحكومة البريطانية :«هذه المواد لن تتلاشى وستبقى لآلاف ان لم يكن لملايين الأعوام وهي عبء على الأجيال القادمة».
وتابع :«لا نحتاج طاقة نووية لان هناك بدائل، بصفة أساسية تبدو لي المشكلة الأخلاقية انه اذا لم تكن بحاجة اليها فلا تمتلكها». بل إن البعض يشكك في ميزة الخلو من الكربون. ويقول المؤيدون للطاقة النووية انها لا تؤدي لاي انبعاثات تسبب ظاهرة الاحتباس الحراري لكن المهتمين بالبيئة يشيرون لعمليات استخراج اليورانيوم وتكريره التي تؤدي لانبعاثات كربون مكثفة.
ويقول بول دورفمان، كبير الباحثين في جامعة وارويك والمستشار السابق للحكومة البريطانية: «في هذا الإطار من الصعب توقع كيفية تعامل الطاقة النووية مع مشاكل ارتفاع درجة حرارة الأرض».
(رويترز)
